Aleteia logoAleteia logo
Aleteia
السبت 05 ديسمبر
home iconنمط حياة
line break icon

هل فضيلة التواضع تكمُن في البقاء في الظل؟

lauren rushing-CC

EDIFA - تم النشر في 15/11/20

بعكس ما يعتقد الكثيرون، التواضع الحقيقي لا يتطلّب منّا أن ننحني بقدر ما يتطلّب منّا أن ننفتح على الآخرين. فبدلًا من أن نعيش متمركزين حول ذاتنا، فلنتعلّم أن نعطي الأولوية لغيرنا.

ما هو التواضع الحقيقي؟ كيف نستطيع الإجابة على سؤال بهذا القدر من الشمولية بصفحة واحدة؟ هو بألّا نتغلغل بالمعنى الحرفي للكلمة وإنّما بطريقة الوجود وحتّى بالنعمة. وهنا تكون الصعوبة مضاعفة. فمن جهة وبحسب كلّ التقاليد، فضيلة التواضع هي أولى كلّ الفضائل وهي مدخل إلى الحياة الروحية. ومن جهة أخرى، ليس من السهل أن نسلّط الضوء على فضيلة تتطلّب عكس ذلك أي البقاء في الظل. وفي جميع الحالات، يكون وصف البدايات أصعب بكثير من وصف الإنجازات. ونحن نعي هذا التناقض الفكاهي: “أمام فضيلة التواضع، أنا لا أُقهر!”

التواضع الحقيقي لا يتطلّب منّا أن ننحني بقدر ما يتطلّب منّا أن ننفتح على الآخرين

القناعة الأولى: بعكس ما يتصوره الكثيرون، إنّ التواضع الحقيقي ليس سلبيًا بل إيجابيًا. فهو لا يولد من إحساسنا بالصغر ولا بالضعف ولا بالعيب، ولكنه يولد من الاندهاش: فالله عظيم جدًا والحياة جميلة جدًا والحب ثمين جدًا وكلّ هذا يتخطّى توقعاتنا. فالتواضع الحقيقي لا يتطلّب منّا أن ننحني بقدر ما يتطلّب منّا أن ننفتح على الآخرين. ويتطلّب ذلك في كثير من الأحيان محو ونسيان الذات. وهذا ليس ثمرة إنكار أو حتى تشويه بقدر ما هو ثمرة عملي تحويل: فبدلًا من أن نعيش متمركزين حول ذاتنا، فلنتعلّم أن نعطي الأولوية لغيرنا. “فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي فَهذَا يُخَلِّصُهَا” (لوقا 9، 24).

هل يجب أن نحترس من التواضع الخاطئ كما نحترس من مرض الطاعون؟ ثمة طريقة للتقليل من أهميتنا وللنحيب على بؤسنا الحقيقي أو المفترض ولتحميل أنفسنا ثقل آلاف الملامات، وهذه الطريقة مناقضة للتواضع الحقيقي، وهي في بعض الأحيان طريقة ماكرة وفاسدة للاهتمام بأنفسنا وللفت الانتباه إلينا، وهي أيضًا في أغلب الأحيان غرور مموّه. هذا النقض الذاتي الذي هو في الظاهر صالح، يمكن أن يخفي أحاسيس لا يمكن البوح بها: كالمرارة أمام سقطاتنا والحسد أمام نجاحات الآخرين والغضب أمام الحدود التي يفرضها الواقع علينا. وبالتالي يمكن أن تتكون شخصية كاملة من خلال التشوهات، ممّا يؤدي إلى هياكل نفسية وروحية وغير سليمة والتي يمكن أن تكون خطايا أو أمراض أو الاثنين معًا.

فالإنسان المتواضع فعلًا هو إنسان حر، ليس لديه شيء ليثبته ولا شيء ليدافع عنه ولا شيء ليربحه. هو إنسان سعيد، ويقظ، ومتوفّر، ولديه كلّ الجرأة لمحاربة الخوف سواء من الله أو من الآخرين، وما ينتج عن مراقبته لذاته لأن “الْمَحَبَّةُ الْكَامِلَةُ تَطْرَحُ الْخَوْفَ” (1 يوحنا 4، 18). فالتواضع لا يؤدي إلى انكماش الروح ولا إلى برودة القلب، بل على العكس، يؤدي إلى رحابة الصدر والشهامة كشهادة مريم في مدائحها: لم تكن ولم تريد ابنة الناصرة الشابة إلّا أن تكون الخادمة الصغيرة، ولهذا السبب يستطيع الله أن يفعل لها وبواسطتها أشياء عظيمة.

التواضع يجدّد كلّ العلاقات البشرية

بالنسبة إلى الله، سيطوّر التواضع مواقف هي أساس كلّ نموّ روحي: كعبادة الذي لا يتوقّف عن خلقنا، ومديح الذي لا يتوقف عن حبنا، والتوبة أمام الذي لا نتوقّف عن الإساءة إليه، والصمت والإصغاء للذي لا يتوقّف عن تعليمنا، وطاعة الذي نريد أن نخدمه. ففي كلّ مرة نقول فيها “يا رب”، نُظهر من أعماقنا (أو بالأحرى يجب أن نُظهر) حبّ الأطفال المتواضع تجاه الآب، والتلاميذ تجاه المعلّم، والحبيب تجاه محبوبه.

أمّا بالنسبة إلى الآخرين، سيجدد التواضع كلّ العلاقات البشرية. سنخرج شيئًا فشيئًا من النظام المعتاد المكوّن من المنافسات والمقارنات والشكوك والإحباطات والاستغلاليات في جميع أنواعها. وستمكن استراتيجيتنا بالتالي في أن نكون أنفسنا بكل بساطة، لا أكثر ولا أقل، وأن نسمح لآخرين بأن يكونوا أنفسهم. وقد قالها القديس بولس بشكل رائع: ” مُنزّهينَ عَنِ التّحزّبِ والتّباهي، مُتواضِعينَ في تَفضيلِ الآخَرينَ على أنفُسِكُم” (فيلبي 2، 3)؛ “فَالْبَسُوا كَمُخْتَارِي اللهِ الْقِدِّيسِينَ الْمَحْبُوبِينَ أَحْشَاءَ رَأْفَاتٍ، وَلُطْفًا، وَتَوَاضُعًا، وَوَدَاعَةً، وَطُولَ أَنَاةٍ” (كولوسي 3، 12).

وعلينا أيضًا أن نتبع تعاليم المسيح الذي يقول “لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ” (متى 11، 29)، وهو الذي ولد في مذود ومات على الصليب ويختبئ في المجد، يظهر لنا تواضع الله الآب. والمسيح الذي ركع تحت أرجل تلاميذه لغسلها يؤكد لنا ما تشعر به القلوب الطاهرة: “إِذَا أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَكُونَ أَوَّلًا فَيَكُونُ آخِرَ الْكُلِّ وَخَادِمًا لِلْكُلِّ” (مرقس 9، 35).


RODZICE

إقرأ أيضاً
هل تسمح أبوتنا بفهم أبوة الله بشكل أفضل؟


Busy - Mom - Mother - Baby - Work

إقرأ أيضاً
بين الزوج والأطفال والعمل والهوايات، لمن نعطي الأولوية؟

Tags:
أخبار مسيحيةالتواضع
Top 10
إيزابيل كوستوريي
صلاة تحقّق المعجزات كتبها بادري بيو وطلب من ا...
SAINT CHARBEL,CANDLE
أليتيا
صلاة بشفاعة القديس شربل تحقّق المعجزات
أليتيا
صلاة القديسة ريتا في الشدائد و الأمور المستحي...
bible
فيليب كوسلوسكي
٥ آيات من الكتاب المقدس لطلب الشفاء من اللّه
ishtartv
مطران عراقي يتشجع ويطلب من ترامب ما لم يطلبه ...
الاب إدواد ماك مايل
هل القبلة بين الحبيبين خطيئة؟ هل من تّصرفات ...
أليتيا لبنان
آيات عن الصوم في الكتاب المقدّس...تسلّحوا بها...
المزيد