Aleteia
الإثنين 26 أكتوبر

هل يجب أن نربّي أطفالنا كما ربّونا أهلنا؟

THREE GENERATIONS

sirtravelalot | Shutterstock

EDIFA - تم النشر في 18/10/20

لقد تلقينا جميعًا تربية يمكنها أن تدعم أو تتعارض مع تربيتنا لأطفالنا. في الواقع، لا يفيدنا رفض التربية التي تلقيناها بطريقة قطعية ولا تنفيذ نسخة عنها.

تقول ليوني البالغة من العمر 35 عامًا: “لا أشعر بأنني حرة عندما يتعلق الأمر بالتربية التي تلقيتها من قِبَل والديّ”. كالعديد من الأهل، هي تحاول ألا تكرر الأخطاء التي ارتكباها والداها، لكنها لا تنجح في ذلك. غالبًا ما كانت والدتها تنساها في المدرسة، فباتت تبالغ في حماية ابنها. ونتيجة ذلك، أصبح يخاف من كل شيء ولا يقبل إعارة أغراضه لأحد؛ وتقول: “أشعر بأنني سجينة!”. أما جان الذي عانى كثيرًا من خلافات أشقائه، فيكرر مرارًا لأبنائه: “أمنعكم من المجادلة”، ما يزيد من العوائق فيما بينهم. من خلال التركيز على النقاط التربوية التي يريدان تجنبها مع أطفالهم، يسقط هذان الأبوان في الفخ المرتبط بالتربية التي تلقياها.

في دليل التربية “الأهل تحت التأثير”، تتناول الروائية سيسيل ديفيد ويل هذا الموضوع وتشير إلى مشكلة معارضة التربية المتلقاة وإلى مخاطر تنفيذ نسخة عنها. في كلتا الحالتين، يستمر الوالدان في اعتبار تربية والديهما المرجع الوحيد لهما، بدلاً من التركيز على الاحتياجات الحقيقية لأطفالهما. ووفقًا للكاتبة، لا يمكن التخلص من التنفيذ الأعمى لتربية الوالدين إلا من خلال تحليل تأثيرها علينا. يمكننا أن نحدد السلوكيات الأبوية التي جعلتنا نعاني ونرغب في تجنّبها خلال تربية أطفالنا، ولكن مع تحديد تلك التي ساعدتنا على النمو أيضًا. إن تحليل النقاط الإيجابية والسلبية في التربية وتلك التي نريد تجنبها أو نقلها، يسمح لنا بفصل السلوكيات الجيدة عن السيئة منها. على سبيل المثال، استطاع الأهل المتشددون نقل الحس بالعدالة إلى أطفالهم. وتؤكد عالمة النفس ماري باسكال: “يتعلق الأمر بتصفية الحسابات بشكل رمزي مع التربية التي تلقيناها. فبين عبارة “أكرم أباك وأمك” و”يترك الرجل أباه وأمه”، يجب العثور على المسافة اللازمة”.

التحرر من جراح الطفولة واختيار الأولويات التربوية

إن التفكير بالموضوع ضروري بشكل خاص عندما نحمل ضغينة ضد الوالدين؛ فالنقد المتكرر لتربيتهما يثير مسألة التسامح والمثال الذي نعطيه للأطفال حول تأديتهم دور الأهل في المستقبل. وتقول عالمة النفس: “إنها مسألة جوهرية ومسألة إيمان واتساق مع الحياة. ألم تقل الأم تيريزا: “إذا كنت تريد نشر السلام في العالم، فاذهب واجعل السلام في عائلتك”. ويحدد الأب كزافييه كورماري كيف يمكن للمغفرة أن تخلّصنا من الشعور بالاستياء والذنب: “تسمح لنا العلاقة العميقة مع الله أن ننال المغفرة، ومن ثم أن نكون قادرين على مسامحة أنفسنا قبل أن نسامح أهلنا، لنتمكن أخيرًا من طلب السماح من أطفالنا”. يمكننا أيضًا تحديد رأينا عن دور الوالدين؛ فكما يقترح مونتين: “هل الطفل هو مزهرية نملأها أم نار نشعلها؟”. هل هو روح مؤتمنة علينا أو كائن يجب تأديبه بحسب إرادتنا؟ وتعتقد سيسيل أن العديد من الأهل “يستخدمون سلطتهم في مواضيع ثانوية مثل وقت النوم والطعام أو الخلافات بين الإخوة والأخوات، ما يؤدي إلى تراجع الحوار بينهم وأطفالهم حول هذه القواعد، بدلاً من السماح لهم بالقيام بمناقشة موضوعية حولها”. وبالتالي، يبقى تحديد النقاط القابلة وغير القابلة للتفاوض في الأسرة هي خطوة أساسية.

التحاور مع الشريك والثقة به

لا يمكن الاستغناء عن رأي الشريك الذي يملك المسافة والقرب اللازمين للإشارة إلى الخلل في عائلاتنا. ساعدها زوج ليوني على التفكير في الصلة بين والدها الذي تخلى عنها وعبارة كررتها مرارًا لابنها: “لا يمكن الوثوق بأحد”. من جانبه، تلقى زوجها أيضًا تربية يمكنها أن تؤثر سلبيًا على تربيته لطفله. لذا، يجب التحاور باستمرار مع الشريك. فوفقًا لماري باسكال، “يتم اكتشاف النقاط الأساسية للتربية مع نمو الطفل”. وتنصح الوالد أو الأم اللذان يعيشان بمفردهما بإرسال أطفالهما للتعرف على “أوصياء” آخرين، إذ يمكن للأصدقاء الجيدين أو قادة الكشافة أو أحد أفراد الأسرة أو المراجع الروحية تعويض الوالد أو الوالدة الغائبة أو المتوفاة. وتبقى سيسيل صارمة للغاية مع الأهل غير الراغبين في تكرار الأخطاء أو ارتكاب أخطاء جديدة، الذين غالبًا ما يكونون ضحايا تربية استبدادية، فيتوقفون عن تربية أطفالهم ويرفضون تحمل مسؤولياتهم ويثقون بهم تمامًا. يمكن لذلك أن يدفع الأطفال إلى الشعور “بالفراغ العاطفي والتعطش إلى الشعور بالتقدير وإلى الدخول في علاقات هشة وإلى تراجع الثقة بالنفس وإلى اعتماد سلوك عدواني وإلى شعور بقلق الدائم”، كما تقول الروائية.

بالطبع، إن الأهل ليسوا “خبراء” في التربية، لكن يجب أن يثقوا ببعضهم البعض. “يكرّس الزواج الزوجين للتربية”، كما يذكرنا القديس يوحنا بولس الثاني في كتاب “شركة العائلة” Familiaris consortio. ثم يوضح الأب ديفيد لامبال: “في الزواج، يتم إثراء الوالدين بنعمة من الروح القدس لمساعدة أطفالهما في نموهم البشري والمسيحي. قد يخطئ أحد الوالدين وتكون علاقته بطفله سيئة، لكن الله اختاره مربيًا لهذا الطفل: فهو لا يقوم بشيء بعشوائية!”. يمكن أن تساعد هذه العبارة، التي تخفف الشعور بالذنب، الأهل الذين لا يشعرون بأنهم على قدر المهمة. وتؤكد سيسيل: “ليس من الضروري أن نكون والدين مثاليَين لتربية أطفالنا”. إنه حلم كاذب صنعه مجتمع يريد محو نقاط الضعف ودفعنا إلى إخفاء أخطائنا.

الحرص على التعرض للمحو أو فرض القدرة المطلقة

يعتقد بعض الأهل أنهم سيربون أطفالهم بطريقة أفضل من التربية التي تلقوها، في حين أن آخرين يدركون تمامًا أن الخطيئة تنتقل من جيل إلى جيل، فيكونون مقتنعين بالعكس تمامًا. يقول الأب كزافييه: “في الكتاب المقدس، يقول إرميا إن “الآبَاءُ أَكَلُوا حِصْرِمًا، وَأَسْنَانُ الأَبْنَاءِ ضَرِسَتْ” (إرميا 31:29). ثم يضيف أن هذه الآية تدعو إلى الحرية الحقيقية، بما أن الأهل يملكون القدرة على التمييز من أجل تحرير أنفسهم من الجراح الأسرية التي تلقوها. وبالتالي، فإن الاعتماد الطوعي على المسيح لا يضعنا تحت تأثير خارجي يمنعنا من التفكير بأنفسنا. وفقًا للكاهن، “إن المسيح، وهو الخبير في البشرية، يرغب بسعادة الإنسان ويدعونا إلى الحرية”. وتتجذر هذه الحرية في قلوبنا، كما توضح الرسالة البابوية “فرح وأمل”: “في أعماق ضميره، يكتشف الإنسان وجود قانون لم يضعه لنفسه، بل توجّب عليه تنفيذه. وكتب الله هذا القانون في قلب الإنسان”.

مهما كانت التربية التي تلقاها الأهل، يجب أن يحرصوا على عدم التعرض للمحو كما هو حال الذين ينتمون إلى “جيل 68″، أو أن يفرضوا قدرتهم المطلقة. يجب أن يسلكوا طريق التواضع عبر قبول ضعفهم التربوي. وتكتب سيسيل: “يكمن الخطأ الأول للوالدين في اعتقادهما بأن مسؤوليتهما هي غرس السعادة والثقة بالنفس في طفلهما، بينما يقتصر واجبهما على محاولة توفير الظروف اللازمة ليتمكن الطفل من تنمية الشعور بالسعادة والثقة بالنفس بمفرده”. وتضيف ليوني: “نحن مجرد طريقة لنقل محبة الآب”. ساعدها طبيب نفسي عبر إخبارها أن الأطفال دائمًا ما ينمون بحسب تصرّفات أهلهم.

من خلال التحول، يحدد الأهل نسلهم

لا يوجد تربية محددة ولا وصفة تربوية واحدة تناسب الجميع. يبذل كل زوجين قصارى جهدهما لتربية أطفالهما بحسب احتياجاتهم الفريدة، دون التأثر بالتربية التي تلقياها. أحيانًا، نواجه مشاكل بسبب الشريك والمجتمع الذي لا يملك دائمًا الأولويات عينها! تبقى التربية ثمرة “المواجهة الثلاثية بين الإنجيل الذي يمكن أن يجعلنا أكثر إنسانية، وتعاليم الكنيسة، والفطرة البشرية المستنيرة بالروح القدس”، بحسب الأب كورماري.من خلال التحول، يحدد الأهل نسلهم. يشرح الأب لوك دي بيلسكايز للشباب المنتمين إلى مجموعة إيفين: “سنفتقر دائمًا إلى شيء ما وشخص ما على هذه الأرض”. وسيفتقر الأهل دائمًا إلى شخص ما! لذا، أن نكون والدين يعني أن نقبل نفسَينا كابني الآب. من خلال تسليم ذاتَينا لله والسماح لنفسينا بأن تكونان محبوبتين منه في جروحهما وحدودهما، سنتمكن من التخلي عن تربيتنا الخاطئة. عندما نتقرب أكثر من المسيح مع نظرة جديدة لنفسينا، سنكون قادرين على تعليم أطفالنا الاعتماد على الآب بدلًا من أنفسهم.


TEEN

إقرأ أيضاً
كيف تنجح في الحياة: نصيحة للشباب الباحثين عن طريق السعادة


MAN STRESS

إقرأ أيضاً
الاحتراق النفسيّ: خطوات يجب اتّباعها لتجنّب الإرهاق في العمل

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

Tags:
أخبار مسيحية
صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
أليتيا
مقتل كاهن في خلال مساعدته امرأة تتعرّض للسرقة
هيثم الشاعر
تدخّل إلهي في مزار سيدة لبنان - حريصا
غيتا مارون
بعد تداول فيديو كنيسة أوروبيّة تحوّلت إلى مطع...
غيتا مارون
هل دعم البابا فرنسيس حقّ المثليّين في الزواج ...
ST RITA ; CATHOLIC PRAYER
أليتيا
صلاة رائعة إلى القديسة ريتا
لويز ألميراس
وفاة شماس وأول حاكم منطقة من ذوي الاحتياجات ا...
المزيد