Aleteia
الأربعاء 21 أكتوبر

السيلفي... انعكاس لشخصيّتنا؟

Gilr - Selfie - Self love

© Shift Drive

EDIFA - تم النشر في 16/10/20

إنستقرام، فيسبوك، سناب شات... تتمّ مشاركة الملايين من صور السيلفي كلّ يوم على شبكات التواصل الاجتماعيّ. لكن ماذا تقول هذه الصور عنّا حقًا؟

سواء بمفردنا أو مع الأصدقاء، لا نقوى على التوقّف عن التقاط صور السيلفي في كلّ زمان ومكان. ولكن هل ندرك حقًا أهمّيّة هذه العادة التي أصبحت شائعة؟ هذا ما تشرحه لنا “إلسا جودارت”، الفيلسوفة والمحللّة النفسيّة ومؤلّفة كتاب “ألتقط السيلفي إذن أنا موجود”.

يبدو أن موجة السيلفي تزداد قوّة… فكيف يمكن وصفها؟

ظهرت كلمة “سيلفي” (selfie) لأوّل مرّة في منتدى إلكترونيّ أستراليّ عام 2002، لكن لم يصبح استخدامها سائدًا إلّا في العام 2012 فلقت بعدها نجاحًا كوكبيًّا باهرًا وظهرت في القواميس. الكلمة مشتقّة من المصطلح الإنجليزيّ self (أي “الذات” وأحيانًا “أن تكون وحيدًا”) وتشير إلى التقاط صورة لنفسك باستخدام هذا الجهاز الهجين الذي يقوم بدور الهاتف والشاشة والكاميرا والكمبيوتر في الوقت نفسه. من البابا الذي شارك في التقاط السيلفي وصولًا إلى السيلفي اللطيفة “المصمّمة خصّيصًا” ومرورًا بالحادث (القاتل) الذي تسبّب فيه عصا السيلفي وصور السيلفي المحفوفة بالمخاطر التي تم التقاطها على قمم الأبراج العملاقة من قبل “أنجيلا نيكولاو”، وهي شابّة روسيّة من المعجبين بـالتسلّق الحضري، وأخيرًا صور السيلفي التي ينشرها الشباب على سناب شات، تفرض ظاهرة السيلفي هذه نفسها بنفسها ولا تتوقّف عن التبدّل واكتساب قوّة أكبر.

هل السيلفي هي رمز “العصر الجديد” الرقميّ؟

لا تؤدّي التقنيّات الجديدة إلى زعزعة أساليب الاتّصال لدينا فحسب، بل أيضًا إلى زعزعة سلوكنا. فيشهد الإنسان علاقة جديدة مع نفسه ومع العالم. ومع ذلك، فإن السيلفي المنشورة على شبكات التواصل الاجتماعيّ في انتظار حصولها على “الإعجاب” (likes) تعكس عددًا من الأسئلة الناتجة عن الثورة الرقميّة: من أكون في العالم الافتراضيّ؟ هل الصورة (ما زالت) لغة؟ هل يمكنني التواصل مع الآخرين؟

وفي عام 2001، تمّ التقاط 86 مليار صورة في جميع أنحاء العالم، ويعتمد معظمها على التصوير التقليديّ وقد تمّ تحميضه على الورق. وفي العام 2012، تمّ التقاط أكثر من ذلك بمئات المرّات ومعظمها رقميّ ولم يتمّ تحميضها قطّ ولكن تمّ تداولها على شبكات التواصل الاجتماعيّ مثل فيسبوك وإنستقرام وتويتر. وعندما بدأتُ العمل على السيلفي، لم أتخيّل أبدًا أن أجد نفسي في مواجهة العديد من المشكلات المختلفة. لقد اخترت أن أتناول مسألة تحوّلات الموضوع في الفلسفة والتحليل النفسيّ.

لقد استغرق البشر قرونًا ليتعلّموا أن يقولوا “أنا”. هل سيستغرق الأمر بضع سنوات حتى تذوب كلمة “أنا” المفردة في الأنا الجماعيّ السائد؟

لا تمثّل صورة السيلفي انفصالًا في تصوّر الذات عن القرون الماضية، ولكنّها تمثل تحوّلًا أي بالمعنى الضيّق تغييرًا في الشكل. إنّها علامة على الفرديّة المتزايدة.

اسمحوا لي بشرح درس فلسفة قصير ومعجل. لا يوجد مبدأ الذاتيّة لدى الإغريق. لماذا؟ لأنّه لا يوجد وعي ذاتيّ. فوجود المواطن يعتمد فقط على علاقته بالمدينة. وقد نشأت مفاهيم الباطنيّة والاستبطان مع العالم المسيحيّ، وخاصّة من خلال الصلاة التي تمثّل حوارًا داخليّ مع الله. وأوّل من قال “أنا” في التاريخ الغربيّ هو القدّيس أوغسطينوس في الاعترافات، علمًا أنّنا لا نزال في نطاق المجتمع المسيحيّ. وفي القرن الثاني عشر، شكّل القدّيس برنارد من كليرفو، الذي تناول موضوع النعمة والإرادة الحرّة، مرحلة أخرى في تطوّر الموضوع من ناحية الإدراك الذاتيّ وإمكانيّة تحديد الذات مع الله أو بدونه. وفي القرن السابع عشر، أكّد ديكارت صاحب مبدأ الذاتية: “أنا أفكّر إذن أنا موجود”. وبعد ذلك، حدثت قفزة زمنيّة جديدة مع “هوسرل” الذي يحدّد وساطة الآخر اللازمة في العلاقة مع الذات. وأخيرًا، لنتحدّث قليلا عن التحليل النفسيّ الذي يشكّك في مفهوم “الذات واعية لذاتها” بسبب وجود اللاوعي. أمّا “الذات الرقمية” الناتجة عن الثورة الرقميّة، فهي برأيي مزيج من الذات الواعية (ديكارت) والذات اللاواعية (فرويد) التي أُضيفت إليها الشاشة، طبعًا بدون أن تخلّ هذه الذاتية “المتزايدة” في واقع الفرد.

الإنسان متّصل بالشاشات ولكن بدون ارتباط… أليس إذًا غير محدّد وكأنه مجرّد من نفسه؟

لا أعرف إن كان مجرّدًا من نفسه! ولكن من الواضح أنّ ظهور الهاتف الذكيّ له عواقب وخيمة: تقليل الزمكان لصالح الفوريّة ومحو الخطاب العقلانيّ لصالح الصورة المؤقّتة. وهذا ما يعيق القدرة على النظر إلى داخلنا، فالاستبطان يستغرق وقتًا وهذا الوقت غير مخصّص للفعاليّة أو الإنتاجيّة. كما تزيد سيطرة الزوال والتلاشي من صعوبة التملّك الذاتي الذي قد يأخذ شكل سرد داخليّ أو فكرة مبنيّة أو تساؤل فلسفيّ أو مناجاة. ومع صورة السيلفي، تعتمد حياتنا في الأساس على صورة. وبسبب التلاعب في فكرة أنّنا لا شيء سوى ممثّلين للصور، ينتهي بنا المطاف بأن نكون مجرّد مواضيع لتمثيلاتنا.

هل العالم الافتراضيّ مهرب أم وسيلة حماية للمراهقين؟ هل يسمح لهم بالانتقال السلس إلى سنّ الرشد أم أنّه عائق لهم؟

تتميّز المراهقة بالسعي القويّ وراء اكتشاف الهويّة (البحث عن عارضات الأزياء واستكشاف أنماط الملابس)، في حين أنّ التغيير الجسديّ غالبًا ما يكون صعبًا. يمكن للسيلفي أن تكون طريقة للتلاعب بصور الذات أو حتى فعل مقاومة لتأكيد هويّة فريدة في مجتمع محفوف بالمعايير نسير فيه جميعًا بنفس الوتيرة. كما يمكن أن يكون العالم الافتراضيّ بمثابة دعم ووسيلة للتمويه. وفي الوقت نفسه، يخلق أوجه توافق جديدة ويمارس استبداد المظاهر.

ويمكن أن يؤدّي انتشار الشاشات التي يكبر فيها الأطفال والمراهقون إلى تعزيز الشعور بالقدرة المطلقة والإفلات من العقاب. فالشاشات لا تعلم معنى الجهد ولا الالتزام طويل الأمد ولا المسؤوليّة، وأفعالنا ليس لها أي عواقب على الإنترنت. وغالبًا ما تكون اللغة الرقميّة الجديدة اختزاليّة. كما تفشل الوجوه أو الرموز التعبيريّة (emoticons) التي يتمّ تبادلها على سناب شات في نقل حجم العواطف وتفرّدها أو حتّى التجارب والأفكار. ولكن ليس هذا الغرض منها إذ أنّ الكلمات محدودة أيضًا، إلّا أنّ هذه الأخيرة تسمح ببلاغة أكبر في التعبير… فهل يجب القول إنّ وسائل التواصل الاجتماعيّ لا تسمح لنا (بإعادة) إقامة علاقات حقيقيّة؟

تتحدّث عن “الهشاشة النرجسيّة”. ألا يتحمّل الآباء المسؤوليّة في هذه العمليّة من خلال التقاط صور لأبنائهم باستمرار؟

غالبًا حين يستغرق الآباء وقتًا لتصوير طفلهم، لم يعودوا موجودين معهم بل إنّهم مختبئون خلف الجهاز. فالطفل الصغير الذي يرى نفسه في الصورة يجد نفسه أسير الشاشة وسجين في صورة لا يمكنه التعرّف عليها في بعض الأحيان، فيصبح كائنًا تذكاريًا لتمجيد الوالدين.

نعيد ونكرّر أنّ الهدف ليس إدانة جميع الممارسات الرقميّة، بل بالإشراف عليها وتعزيز التفكير والتأمّل الذي يجعلنا نتقن الآلة وبالتالي نتحسّب عواقب لم نكن نتخيّلها من قبل. وأنا أدعو إلى التعليم الافتراضيّ لجيل “الجيك” (geek) وكبار السنّ على حدّ سواء. فلنتعلّم كيف نضع حدودًا لأنفسنا، فلنتعلّم كيف نجمع بين ثقافة الكتابة والصورة، ولنتصرّف بلا خوف وبحذر ودقّة واعتدال.


TEEN

إقرأ أيضاً
كيف تنجح في الحياة: نصيحة للشباب الباحثين عن طريق السعادة


MAN STRESS

إقرأ أيضاً
الاحتراق النفسيّ: خطوات يجب اتّباعها لتجنّب الإرهاق في العمل

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

Tags:
أخبار مسيحية
صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
priest in Greece
هيثم الشاعر
تركيا تلقي القبض على راهب سرياني أرثوذكسي وال...
هيثم الشاعر
بالفيديو: لحظات صادمة حاول فيها مخرّب نزع صلي...
ماريا لوزانو
لبنان: "الراهبات في بيروت شهادة حيّة للمسيح ع...
Igreja em Pearl River tem altar profanado
أليتيا
كاهن وامرأتان يرتكبون أفعالًا مشينة على المذب...
أليتيا
خاص عبر "أليتيا العربيّة"… رسالة رجاء من القد...
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
JACOB BARNETT
دولوريس ماسوت
قالوا انه لن يُجيد سوى ربط حذائه وها هو اليوم...
المزيد