Aleteia
الثلاثاء 27 أكتوبر

الاحتراق النفسيّ: خطوات يجب اتّباعها لتجنّب الإرهاق في العمل

MAN STRESS

Vectorfusionart I Shutterstock

EDIFA - تم النشر في 14/10/20

مرض الإرهاق أو الانهيار، أو ما يُعرف بمتلازمة الاحتراق النفسيّ، لا يرحم أحدًا. في عالم الأداء القسريّ والحركة الدائمة، هل لا يزال من الممكن تجنّب مرض القرن هذا؟ إليكم نصائح من المتخصّصين.

“لويك” البالغ من العمر 47 عامًا يتعافى للتوّ من الاحتراق النفسيّ. بعد إجازة مرضيّة دامت ستّة أشهر، انضمّ هذا المدير إلى قسم جديد في البنك حيث عمل لمدّة عشرين عامًا. ويسمح له منصبه الجديد، الذي يتضمّن مسؤوليّات ومكافآت أقلّ مع الأجر ذاته والذي تفاوض عليه مع رؤسائه، “استعادة طاقته تدريجيًّا”. وهو لا يزال يتعافى بمساعدة مضادّات الاكتئاب وطبيب نفسيّ. ويحاول مع هذا الأخير أن يفهم كيف وصل إلى هنا: أوّلاً، اصطحاب كمبيوتر العمل إلى المنزل في عطلات نهاية الأسبوع وقراءة رسائل البريد الإلكترونيّ حتى الساعة الواحدة صباحًا، ثم التوقّف عن احتضان أطفاله والردّ على زوجته بنبرة عدوانيّة، إلى أن “فقد طعم الحياة”. ولكنّ “لويك” كان الأب الطيّب والموظّف الشغوف الذي لا يحسب ساعات عمله، ولطالما كان الجميع ينظر إلى “لويك” على أنّه مقاتل. تقول زوجته “لورنس”: “لم أتصوّر أنّ هذا يمكن أن يحدث له”.

“كلّ منّا يعرف شخصًا يعاني من الاحتراق النفسيّ”، يقول الطبيب النفسيّ “باتريك ليجيرون” بأسف. فالاحتراق النفسيّ ظاهرة لا تقتصر على العالم المهنيّ فحسب: يمكن التحدّث عن إرهاق الأمّهات ونسمع بعض الكهنة يعترفون بشعورهم بإرهاق عميق يتحوّل في نهاية المطاف إلى الانهيار. وتصف “كريستينا ماسلاش”، أستاذة علم النفس في جامعة بيركلي وصاحبة “مقياس ماسلاش للاحتراق النفسي” وهو أداة مستخدمة لتشخيص الاحتراق النفسيّ، في كتابها “الاحتراق النفسيّ: عارض الإرهاق في العمل” (Burn out : le syndrôme d’épuisement professionnel) الاحتراق النفسيّ قائلة: “إنّه وباء حقيقيّ في العديد من البلدان”. لذا، هل سنكون جميعًا معرّضين لخطر الاحتراق النفسيّ؟

كيف يشقّ الاحتراق النفسيّ طريقه إلى مكان العمل؟

تقول “كريستينا ماسلاش”: “الذنب لا يقع على الناس، إنّما على التغيّر الجذريّ في العالم وطبيعة العمل. وإن كان هذا الحكم يبدو بسيطًا إلى حدّ ما، ولكن من الصعب رسم صورة واضحة عن المعرّضين للإرهاق، فهناك اختلاف كبير في مواصفات المتأثّرين به. بحسب الدكتور “فيليب روديه”، مؤلّف كتاب “التحرّر من الإجهاد” (Se libérer du stress): “قبل البحث عمّا يسمّى بالشخصيّات المحتمل إصابتها، لنبدأ بإدراج الضغوطات الرئيسيّة المسؤولة عن هذا المرض. لأنّ الاحتراق النفسيّ هو استجابة نفسيّة عاطفيّة للفرد عند مواجهة ضغوط معتدلة ولكن مزمنة”.

بالنسبة إلى الإرهاق في مكان العمل، يعود السبب للأيّام المثقلة بالأعباء ونقص التحكّم والسيطرة على أنشطة الفرد ونقص المكافأة والتقدير للجهود المبذولة وعدم تماسك الفريق والشعور بعدم المساواة بين العاملين. في حالة “لويك”، كان الافتقار إلى الاستقلاليّة اليومية والحاجة إلى “تقديم أداء أفضل دائمًا مع المردود القليل” هو ما دفعه إلى حافّة الهاوية. في قسمه، تمّ تسريح العشرات من الأشخاص خلال ثلاث سنوات، وعلى الرغم من “نداءات عدة للمساعدة، كان علينا الاستغناء عنهم”، بحسب “لويك”. وهذا الوضع ينتشر في عدد كبير من الشركات: يقول “فيليب روديه”: “أدّت الأزمة إلى تفاقم التوتّر ناهيك عن العوامل الكثيرة القائمة”.

العوامل التي تتسبّب بالاحتراق النفسيّ لدى الأمّهات

إنّ الأمّهات هم من أكثر المعرّضين لهذه الحالة. يقول الشخص الذي يقدّم الدعم للموظّفين الذين يعانون الإرهاق في Bien-être et Entreprise: “المرأة التي لديها العديد من الأطفال لا تتوقّف لثانية واحدة وخطر الإرهاق واضح”. وطبّقت العالمة النفسيّة ومؤلّفة كتاب “التعب العاطفي والجسدي للأمهات: الاحتراق النفسيّ لدى الأمهات” (La Fatigue émotionnelle et physique des mères : Le burn-out maternel)، النموذج الذي وضعته كريستينا ماسلاش على الأمّهات. وتؤكد: “نجد نفس المراحل الثلاث التي تؤدي إلى بداية الاحتراق النفسيّ”. وأوّلها الإرهاق العاطفيّ بسبب عطاء الأمّ وتوافرها للجميع في كلّ حين، فينتهي بها الأمر منهكة كليًّا. كما تعتمد على مخزونها من الطاقة لتلبية جميع المطالب. وتتعجّب فيولين غيريتولت التي هي نفسها أمّ لعائلة قائلة: “لكن هذه الطاقة لا بدّ أن تُستنفذ!”.

ما هي أوّل علامة تدلّ على الاحتراق النفسيّ لدى الأمهات؟ تلخّصها الطبيبة النفسيّة قائلة: “الهتاف بـ”لا يمكنني التحمّل بعد الآن!” فور النهوض من السرير”. ومع ذلك، على عكس الموظّف، لا يمكن للأمّ أخذ إجازة لبضعة أيّام أو الاستقالة. وتتابع قائلة: “لكي تتماسك، ستأخذ موقفًا عاطفيًّا”. وهذه هي مرحلة التباعد. وتعترف “ستيفاني ألينو” في كتابها “الأمّ المنهكة” (Mère épuisée): “أصبح في بعض الأحيان غير مبالية بما يمكن أن يحدث لأولادي”. وتتابع: “إذا تعثّر أحدهم، فبدلاً من التسارع في اللحاق به […]، لا أتفاعل”. ومن ثم تأتي مرحلة الاستنفاذ، إذ تقول هذه الأمّ لثلاثة أطفال صغار التي كتبت عن تجربتها الصعبة: “أشعر بأنني غريبة تمامًا عن نفسي وبعيدة تمامًا عن فكرة أنّني أمّ جيدة بما فيه الكفاية”.

بعض الناس معرضون لخطر الاحتراق النفسيّ أكثر من غيرهم

بالنسبة إلى الاحتراق النفسيّ لدى الأمّهات، يتأثّر بعض منهنّ أكثر من غيرهنّ. وفي الخطوط الأماميّة الأمّهات المنفردات، ولكن أيضًا أولئك اللواتي يقدّسن إلى حدّ كبير الأمومة. تقول “فيولين غيريتولت”: “لن يحقّقن “أهدافهنّ” وسيشعرن بسهولة بخيبة أمل من أنفسهنّ”. ماذا عن الأمهات اللواتي يبقين في المنزل؟ وتقول الأخصّائيّة: “إنّهن أكثر عزلة ويحظين بأقلّ تقدير من العالم الخارجيّ، وبالتالي فإنّهن يواجهن مخاطر معيّنة. لكن أولئك اللواتي يعملن يجازفن بالإرهاق ونقص السيطرة: ليس من السهل الشعور بالسيطرة عندما تكون حرارة طفلك 38 درجة مئويّة وعليك الذهاب إلى العمل”.

سواء كان الفرد أمّاً أم لا، فإنّ ضحيّة الاحتراق النفسيّ هي أوّلاً وقبل كلّ شيء “شخص ملتزم جدًا وجدّيّ للغاية”، كما يشير فيليب روديه، الذي تبنّى الفكرة التي طوّرها المحلّل النفسي الأمريكي هربرت فرودنبرجر في عام 1974 الذي أسّس مفهوم الاحتراق النفسيّ. كان يعتقد أنّ بعض الناس معرّضون لخطر الإصابة بهذه المتلازمة أكثر من غيرهم، وخاصّة الأشخاص الذين يقسون على أنفسهم فيما يتعلّق المهمّة التي يؤدونها. وبالنسبة إلى دافور كومبليتا، الطبيب النفسيّ السويسريّ والمتخصّص في الاضطرابات المرتبطة بالعمل، فإنّ هذه المطالب من الذات تؤثّر بشكل أساسيّ على هؤلاء الذين في الأربعينات والخمسينات من العمر، لأنّ “قيم العمل أصبحت جزءًا لا يتجزّأ من كرامتهم. ودوري هو مساعدتهم على إبعاد أنفسهم عن فكرة العمل الجيّد الذي لم يعودوا قادرين على تحقيقه”.

هذه النصائح الصغيرة يمكن أن تساهم في منع الاحتراق النفسيّ

“نحن الكهنة أيضًا ضحيّة الاحتراق النفسيّ!”، يهتف الأب جويل برالونج. قبل 10 سنوات، عانى حالة طفيفة من الاحتراق النفسيّ. بعد مرحلة “النشاط” الذي لم يعد يشعر فيه بالتعب، ذهب إلى حدّ الكتابة طوال الليل، فانهار. يقول: “أردت فقط أن أكون وحدي وأنام… لكنّني لم أستطع النوم”. بمساعدة الأدوية وبعد عدة أسابيع من الراحة القسريّة، تمكن من الوقوف على قدميه من جديد… واستجواب نفسه. ويشرح قائلًا: “على عكس الموظّفين في الشركة، لم أكن تحت الضغط. لكنّني لم أعرف كيف أقول “لا”. لذلك كنت أعيش بسرعة 200 ميل في الساعة. كنت أقول لنفسي: “لا يجب أن تصغي إلى نفسك لأنّ هذه هي دعوة الربّ”. لكن الربّ يحتاج إلى رجال واعين وكاملين لمساعدته! إنّه لا يطلب منّا أن نؤذي أنفسنا في خلال القيام بمهمّتنا، بل يطلب منّا أن نميّز ما هو ضروريّ عمّا هو غير ضروريّ. منذ ذلك الحين، توقّف عن العمل الزائد والمرهق بحجّة الأسباب الروحيّة كما تخلّى عن قانون الكمال. وينصح أخوته الكهنة بالحرص على وضع الكهنوت في مكانه الصحيح. ويضيف: “نحن قنوات للنعمة الإلهيّة. دعونا لا نسمح لضميرنا أن يتّهمنا بعدم القيام بما يكفي”.

ويتحدّث عن الكمال أيضًا الراهب الكاتب الشهير “أنسيلم غرون”، الذي يستقبل الكهنة المنهكين للحصول على علاجات للراحة في ديره في بافاريا. فيلحظ: “إذا أستمدّ قوّتي من مصدر مشوّش مثل الكمال، فسوف أضيّع طاقتي في محاولة الالتزام بما هو متوقّع مني”. وهذا ينطبق على الأمّهات أيضًا كما تؤكّد “فيولين غيريتولت”: “يرتبط هذا ارتباطًا وثيقًا بصورة الأمّ المثالية التي ينقلها المجتمع على نطاق واسع”. للتخفيف من حدّة التوتّر بين المثل الأعلى والواقع، تنصح كلّ أمّ أن تسأل نفسها: “ما هو أسوأ شيء يمكن أن يحدث إذا لم أكوي أو لم أطبخ هذه الليلة، وما إلى ذلك؟”. وهو سؤال يمكن نقله بسهولة إلى الموظّف الدقيق في عمله أو إلى الكاهن الذي يبحث دومًا عن الكمال…

بالنسبة إلى “فيليب روديه”، إنّها المنعطفات النفسيّة التي تبيّن أنّ هؤلاء الناس معرّضون لمواجهة الاحتراق النفسيّ. فيقول: “ومع ذلك، إذا عرفنا كيفيّة تحفيزهم ومكافأتهم على عملهم في الوقت الذي قدّموا فيه الكثير، فإنّنا نتجنّب المآسي”. دعونا لا ننسى أنّ ثمّة الكثير من اللفتات البسيطة وغير الضارّة مثل شكر كاهن الرعية على عظاته وتهنئة أحد صغار الموظّفين على مشروع ما وشكر الأمّ أو الزوجة بعد العشاء. فلنفكّر في الأمر!




إقرأ أيضاً
في مديغورييه ارتفعت الورود لتلاقي العذراء في السماء


FIRST COMMUNION

إقرأ أيضاً
تربية الأولاد على احترام القربان المقدّس

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

Tags:
أخبار مسيحية
صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
هيثم الشاعر
الشتائم تنهال على الممثلة اللبنانية نادين نجي...
غيتا مارون
بعد تداول فيديو كنيسة أوروبيّة تحوّلت إلى مطع...
أليتيا
مقتل كاهن في خلال مساعدته امرأة تتعرّض للسرقة
غيتا مارون
هل دعم البابا فرنسيس حقّ المثليّين في الزواج ...
هيثم الشاعر
تدخّل إلهي في مزار سيدة لبنان - حريصا
لويز ألميراس
وفاة شماس وأول حاكم منطقة من ذوي الاحتياجات ا...
المزيد