أليتيا

كيف يمكننا ملاحظة العلامات الآتية من الله؟

WOMAN AT THE WINDOW,
Dubova | Shutterstock
مشاركة

نميل إلى الاعتقاد بأن الأحداث الاستثنائية هي رسائل إلهية؛ فهل يتحدث الله إلينا من خلال العلامات والمعجزات؟ إذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكننا التأكد من صحتها وتفسيرها؟

إذا تدخل الله في حياتنا، فكيف نتأكد من أنه هو الذي يعمل وليس نحن من نعرض أنفسنا؟ إليكم إجابة الأب أوليفييه ماري روسو:

ما معنى علامة؟
إنها واقع مرئي يشير إلى حقيقة غير مرئية؛ فالإنسان بصفاته الجسدية والروحية، يحتاج إليها للتواصل. على سبيل المثال، يمكن أن تشعرنا الطبيعة بجمالها وتنوعها وتعقيدها، بالدهشة التي تجعلنا نتساءل حولها، حتى نعترف بوجود الله الخالق؛ لكن هذا الشعور لا يفرض الإيمان بل يجهّز القلب للعبادة، وهو ضروري للوصول إلى الإيمان؛ فالنعمة لا تمحو الطبيعة.

ما هي العلامات التي يمكنها أن تحفّز الإيمان؟
في إنجيل القديس يوحنا، أعطى يسوع أول علامة في معجزة قانا، حين حول الماء إلى خمر بناءً على طلب مريم العذراء. تدلّ هذه علامة على أن الله يسمع صلاتنا ويستجيبها. ويزيد المسيح علاماته (كالشفاءات وطرد الأرواح والقيامات) لنثق به، فيقودنا إلى سر القيامة، وهو العلامة الأسمى التي من دونها “بَاطِلٌ إِيمَانُكُمْ”(1 كو 15: 17). يعطي المسيح دون مقابل، وينتظر إجابة صريحة.

كيف يقوم بذلك؟
عندما كثّر يسوع الأرغفة (يو 6: 12-15)، أعطى علامة قوة أدهشت الجموع لدرجة أنهم أرادوا “جعله ملكًا”، لكن يسوع انصرف عنهم. ثم سألهم: “اِعْمَلُوا لاَ لِلطَّعَامِ الْبَائِدِ، بَلْ لِلطَّعَامِ الْبَاقِي لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ”. فقالوا له: “فَأَيَّةَ آيَةٍ تَصْنَعُ لِنَرَى وَنُؤْمِنَ بِكَ؟” (يو 6:30). فأجابهم يسوع دون التهرب من سؤالهم: “أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ” (يو 6:35). بواسطة هذا المثل، اقترح على التلاميذ أن ينتقلوا من الواقع المرئي (أي الأرغفة التي تملأ السلال) إلى سر “خبز الحياة” الذي يعرّف به عن نفسه. ولكنها كلمة قاسية جدًا للروح، كما يحدد الإنجيل: “وَأَمَّا الْغَرِيبُ فَلاَ تَتْبَعُهُ بَلْ تَهْرُبُ مِنْهُ”.

هل هناك علامات أخرى ملموسة وسهلة الوصول؟
بالإضافة إلى سر الإفخارستيا، نذكر سر الأخ، ولا سيما مساعدة الفقراء الذين يسميهم القديس فنسان دي بول ب “أسيادنا”؛ فهم بمثابة علامة تدلّ على فقر المغارة والصليب، بشرط ألا تتحول مساعدتنا لهم إلى مجرد التزام إنساني. “وَإِنْ أَطْعَمْتُ كُلَّ أَمْوَالِي، وَإِنْ سَلَّمْتُ جَسَدِي حَتَّى أَحْتَرِقَ، وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلاَ أَنْتَفِعُ شَيْئًا” (1 كو 13: 3). لكي تصبح العلامة الملموسة ذات معنى للمسيح، يجب إظهارها بالنعمة.

هل يستطيع الله التدخل مباشرة في حياتنا؟

بالطبع، من خلال لقاء مفاجئ يغير مجرى حياتنا ويفتح أبوابًا غير متوقعة دون تدخّلنا، أو من خلال يقين داخلي لإطلاق مبادرة واقعية كي لا تكون ثمرة الوهم.

كيف نتأكد من صحّة العلامات الآتية من الله؟
تتميز هذه العلامات بثمارها (غلا 5:22). ويميّز القديس يوحنا الصليب ثلاث طرق للتأكد من صحتها، وهي: التحقق من تطابق العلامات مع كلمة الله، والاعتماد على أمر آخر كي لا نعتاد على الحواس التي لا تدوم. وأخيرًا، “تبقى الروح في التواضع والاعتماد والإماتة”. أحيانًا، نفتخر بتميّزنا بتلقّي العلامات، وهو فخ روحي خطير.

هل من الممكن أن نكون مخطئين؟

إذا لم نعلّم قلوبنا الفضائل الأساسية ولم ننقها من خلال ممارسة الفضائل اللاهوتية، ولم نغذها بكلمة الله وتطبيق الأسرار، فهي تخاطر بالخضوع للعواطف، وتصبح ضحية القصور العاطفي وسجينة تعويضات من نوع آخر. تعوق هذه الاضطرابات حريتنا ويمكنها أن تحرّف العلامات الآتية من الله، بدلًا من أن تثق بها. ويمكن للشيطان أن يخلط بين العلامات وأن يغير معناها.خلال تجربة المسيح في البرّية (لو 4 : 1-13)، طلب منه الشيطان علامات عجائبية ومدهشة، تنكر واقعية الكيان البشري ليسوع وتشيد بكيانه الإلهي، بهدف تحويله عن تجسده ورسالته. ونحن عندما نذهب إلى البرية للصلاة أو العزلة، فنكون غير محصنين ضد هذه التجارب. إن البرية هي المكان الذي تظهر فيه الأوهام وينمو الخيال، فنقع في الكبرياء أو اليأس إذا لم نكن في حالة عبادة، حيث نفهم أننا محدودين وخاطئين ومعتمدين على خالقنا.

هل ينبغي أن ننتظر العلامات من الله أم نطلبها؟

يمكننا أن نطلبها منه، ولكن بتواضع القلب وفقر الروح، لأن الله لن يرسل لنا بالضرورة العلامة التي ننتظرها. أو على الأرجح، ستكون استجابته كريمة لدرجة أنها ستظهر صغرنا أمام عظمته اللامتناهية.
يقودنا الله بلطف وثبات ويطهر قلوبنا الجشعة وروحنا العمياء التي تريد أن تمتلك نِعَمه، كما أراد القديس بطرس أن ينصب خيمته على جبل ثابور قبالة المسيح الممجّد. يدعونا الله أن نترك المراعي الممتلئة في السهول لنرتفع إلى القمم القاحلة والأكثر نقاءً، وأن نتخلى تدريجيًا عن كل ما يعيق اتحادنا به. وهكذا، اختبر جميع القديسين ليالي روحية، سواء كانت ليلة الحواس أو ليلة الروح أو ليلة الإيمان، كما تساءلت القديسة تيريزا الطفل يسوع في نهاية حياتها عما إذا كانت السماوات موجودة!

هل يجب التخلي عن العلامات الملموسة؟
نعم، ولكن بحذر. عندما نحظى بنعمة العلامات، “فإنها الطريق الذي يقودنا الله من خلاله، ولا يمكننا تجاهله”، كما يقول القديس يوحنا الصليب. لذلك، سيكون من الكبرياء أن ننكرها، ولكن من الخطر أيضًا أن نتعلّق بها أو نبحث عنها لأنفسنا. ونقرأ في كتاب يوحنا الصليب “الصعود إلى جبل الكرمل”: “لقد أخبرتك بكل شيء في كلمتي التي هي ابني، وليس لدي الآن ما أكشفه لك أو أجيبك به أكثر منه”. وقال طبيب الكنيسة في العهد القديم: “كان يناسب الأنبياء والكهنة أن يرغبوا في رؤى ووحي إلهي”، لأن “لا الإيمان ولا القانون الإنجيلي كانا قد وُجدا بعد. ولكن في سر التجسد، قيل وأُعطي كل شيء؛ قال لنا كل شيء دفعة واحدة في هذه الكلمة. لذلك، لم يعد عليه أن يتكلم”.

هل يمكن للقداسة أن تكون دون علامات؟

“أمام الله، إن عمل خير واحد ثمنه أكبر من كل الرؤى والوحي أو التواصل الإلهي”، كما كتب القديس يوحنا الصليب. تعطينا الكنيسة العلامات التي نحتاجها، لكن المسيح ينتظر ردنا الإيماني والحر والمؤكد ليسرّع عودته. “مَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ، أَلَعَلَّهُ يَجِدُ الإِيمَانَ عَلَى الأَرْضِ؟” (متى 18: 8).

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

النشرة
تسلم Aleteia يومياً