Aleteia
الجمعة 23 أكتوبر
الكنيسة

بين نصرالله صفير والراعي تاريخ من مقاومة

Bkerki Media - Micheal AKl

هيثم الشاعر - تم النشر في 05/07/20

الحفاظ على موقع الرئاسة وخوف على الكيان

لم يتفاجأ اللبنانيون من عظة البطريرك الراعي اليوم، راح أبعد مما تصوّر البعض حيث إنه تكلّم عن حياد لبنان، ووصف الوضع الحالي في لبنان بدقّة، وأوصل رسالة واضحة للأقربين والأبعدين أنّ بكركي هي حامية الكيان.

تعرف بكركي متى “تهزّ العصا”، وهي لا يمكن أن تبقى متفرّجة على لبنان يذوب تدريجياً في مخططات وتوجّهات لا تشبهه، وشعبه يموت جوعاً أو ينتحر.

ليس البطريرك الراعي سوى راعٍ أمين على الخراف من سلالة بطاركة لا يخافون سوى الله، ولا يعرفون النوم متى جاع شعبهم. بطاركة، لا يسلّموا لبنان “للغريب” ولن يقبلوا أن يهاجر شعبه ويفرغ من شبابه.

بكركي، بمؤسساتها تبادر بشكل كبير لتأمين مساعدات للشعب “الجائع” فعلاً، المحاصر ليس فقط اقتصادياً، بل المحاصر سياسياً وأمنياً.

بكركي “أمّ الصبي”، هي التي صنعت لبنان ليكون مساحة للحريّة في شرق يعاني، لا يمكن أن تبقى ساكتة متفرّجة، وكلام البطريرك اليوم أبلغ رسالة إلى هؤلاء الذين يريدون وضع لبنان على قائمة الدول الفقيرة المدمّرة من جميع النواحي.

بطاركة لبنان يحمون موقع الرئاسة، ويخافون على الكيان، فلن تسلم الكرسي إذا ذاب لبنان في لعبة الذئاب.

اليوم قالها الراعي، لا أحد أكبر من لبنان. بكركي تعرف جيداً الصراع اللبناني الداخلي، وتعرف أكثر الصراع المسيحي – المسيحي، وهي التي تريد أن تبقي “لبنان الرسالة” منارة للشرق والغرب، أرسلت بلسان راعيها اليوم رسالة إلى الشرق والغرب، إلى الداخل اللبناني هي بمثابة نداء يشبه إلى حدّ ما نداء المطارنة أيّام الراحل نصرالله صفير.

منذ يومين، أطلّ علينا أحدهم يصف البطريرك الراحل صفير “بالزقّيف”، وأنّه لن يترحّم على كل الذين مضوا اتفاق الطائف، وكأنّ البطريرك صفير هو الذي حمل البارودة وأطلق قذيفة ضد أخوته في الوطن والطائفة!

أمثال هؤلاء عليهم أن يفهموا أنّ بكركي وبطاركتها لا يعملون في السياسة طمعاً في منصب أو شهرة، بكركي وبطاركتها يخافون على لبنان وأبنائه، وربما بكركي هي الوحيدة غير العميلة لبلد أو أجندة.

ما قاله الراعي اليوم يستحقّ البناء عليه، وهي أجندة واضحة للحلّ في وطن أتعبته الحروب والصراعات والتبعيّة.

إليكم ما قاله اليوم الراعي في عظته:

                “هَا أنا مُرسِلكم” (متى 16:10)

1-     الرَّبُّ يسوع، الذي أرسله الآب ليخلّص العالم، ويفتدي خطايا البشر واحدًا واحدًا، بموت وقيامته، أرسلَ كنيسته، الممتمثّلة بالرسل الاثني عشر، لتحمل إلى العالم سرّ محبة الله الخلاصيّة، من أجل حياة كلّ إنسان. ونبّهها أنه “سيرسلها كالخراف بين الذئاب”. ودعاها لتتسلّح بفضائل ثلاث: الحكمة والوداعة والصبر. وأعطاهم قدوة بشخصه، في ما عانى من رفض ومعاكسات ومكايد حتى الآلام والصلب.

تلقى الكنيسة اليوم، برعاتها وشعبها اضطهادًا وقتلاً واستشهادًا وحقدًا ورفضًا، كما في الأجيال السالفة، وتسمع في آن صوت المسيح الرَّبّ يقول: “ها أنا مرسلكم” (متى 16:10).

نصلّي من أجل الكنيسة لكي تتفانى أكثر فأكثر في الرسالة الموكولة إليها، في لبنان وهذا الشرق وفي بلدان الانتشار، وكلمة المسيح تستحثّها: “الحصاد كثير، والفعلة قليلون” (لو 2:10)، وتشجّعهم كلمته الثانية: “سيكون لكم في العالم ضيق، لكن تقووا أنا غلبت العالم” (يو 33:16). وتعضدهم الثالثة: “انا معكم طول الأيام إلى انتهاء العالم” (متى 20:28).

2-     يسعدنا أن نحتفل بهذه الليتورجيا الإلهية، معكم أيها الإخوة والأخوات الحاضرون معنا، ومع الذين يشاركوننا روحيًا عبر محطة تلي لوميار – نورسات والفيسبوك وسواها، أكانوا مسنين أو مرضى أو كانوا من غير القادرين على الحضور الحسيّ في الكنيسة للمشاركة الفعليّة في سرَّ ذبيحة الفداء ومناولة جسد الرَّبّ للحياة الجديدة، بسبب تفشّي وباء الكورونا.

 ويطيب لي أن أحيّي أبناء رعيّة الديمان وبناتها الأعزاء الذين يشاركوننا بحضورهم، كعادة كل سنة، وكاهنها والقيّمين على وقفها وعلى بناء كنيستها الجديدة، ومختارها وناديها وجوقتها. ونحيّي أيضًا أبناءها المنتشرين الذين لم يتمكّنوا حتى الآن من المجيء الى لبنان، بسبب توقف الملاحة الجوية. لكننا نثني بالمقابل على تضامنهم الدائم مع أهلهم ومشاريع بلدتهم.

3-    أوضح الرَّبُّ يسوع نوعية رسالة الكنيسة والمسيحيين: “أرسلكم كالخراف بين الذئاب” (متى 16:10). والذئاب هم: “الناس الذين يسلمونكم إلى المحاكم ويجلدونكم… والأخ الذي يسلّم أخاه للموت، والأب ابنه، وتمرّد الأبناء على والديهم وقتلُهم… والذين يبغضونكم ويضطهدونكم” (راجع متى 10: 17-18؛ 21-22). لكنَّ الرَّبَّ هدَّأ خاطرهم بالتأكيد أنهم لا يحتاجون إلى إيجاد كلمات للاحتجاج: “فلستم أنتم المتكلّمين، بل روح أبيكم المتكلّم فيكم” (متى 10: 19-20).

 4- ويدعونا ربُّنا لأن نتحلّى بفضائل ثلاث:

–  حكمة الحيّات أي الفطنة التي تجعلنا نتنبّه للشرّ والمكايد باليقظة وأخذ الحيطة اللازمة.

– وداعة الحمام التي لا تضمر أيَّ غشّ أو ازدواجية، بل توحي الثقة والطمأنينة والأُنس.

– الصبر الذي هو الثبات في الإيمان والرجاء، وفي القيام بالرسالة وتأدية الشهادة (راجع متى 10: 16 و22).

5-  خلّصَ المسيح العالم بتجسده ومحبته وتقدمة ذاته فدًى عن البشرية جمعاء. وانتشرت المسيحية على سطح الكرة الأرضية بنهج المحبة والتضحية بالذات وروح الأخوَّة، لا بقوَّة السلاح والمال. فالسلاح يوقد نار الحروب والنزاعات التي تخلّف القتل والدمار والبغض . والمال يولِّد الانانية، ويحتل مكان الله: “لا يمكنكم أن تعبدوا ربين، الله والمال” (متى 24:6).

 6-  نهج الكنيسة هذا مطلوب أن يكون نهجَ الجماعة السياسية في الوطن الذي لا يُبنى إلا بتضحيات الذين امتهنوا العمل السياسي، وتضحيات المواطنين. إن أسوأ ما نشهده اليوم عندنا هو أن معظم الذين يتعاطون الشأن السياسي، لا يعنيهم إلا مكاسبهم الرخيصة ومصالحهم وحساباتهم، وحجب الثقة عن غيرهم، وإدانة الذين يتولون السلطة في المؤسسات الدستورية. والأكثر ضررًا انهم يعملون جاهدين على أن يكون الولاء لأشخاصهم ولأحزابههم، لا للبنان. إنهم بكل ذلك يتسببون بحرمان لبنان من ثقة الاسرتين العربية والدولية، على الرغم من قناعة هذه الدول بأهمية لبنان ودوره وإمكاناته وقدرات شعبه.

 7- يبدو أنّ هؤلاء السياسيين يريدون بذلك إخفاء مسؤوليتهم عن إفراغ خزينة الدولة، وعدم إجراء اي إصلاح في الهيكليات والقطاعات، كما طالبت الدول التي تلاقت في مؤتمر باريس المعروف بـ”سيدر” في شهر نيسان 2018. لكنهم توافقوا بكل أسف على نهج المحاصصة وتوزيع المكاسب على حساب المال العام. فكان ارتفاع منسوب الفقر والبطالة والفساد والدَّين العام بالشكل التدريجي حتى كان الانفجار الشعبي مع ثورة 17 تشرين الاول 2019 التي ما زالت نارها مشتعلة، فيما المسؤولون السياسيون غير معنيين، ويراهنون على انطفائها، وهم مخطئون. “فالجوع كافر” كما كتب أحد المنتحرَين أوّل من أمس. فكانت هذه وصمة عار أخرى على جبين الوطن. وما يؤسف له بالأكثر أنّ المسؤولين السياسيين، من مختلف مواقعهم، لا يمتلكون الجرأة والحرية الداخلية للالتقاء وايجاد السبل للخروج من اسباب معاناتنا السياسية  التي هي في أساس أزماتنا الاقتصادية والمالية والنقدية والمعيشية.

8-  ونتساءل بمرارة: مذ متى كان الإذلالُ نمطَ حياةِ اللبنانيّين؟ فيتسوّلون في الشوارع، ويَبكون من العَوز، ويَنتحرون من الجوع؟ أوَتدركون أيها المسؤولون السياسيون الجرم المقترف: فلبنانُ جامعةُ الشرقِ ومدرسته تُغلَقُ جامعاتُه ومدارسُه وتنحطّ عزيمتها، ولبنان مُستشفى الشرق تُقفَل مستشفياتُه ويتعثّر تطوّرها؟ ولبنان السياحة والبحبوحةُ والازدهارُ تعاني فنادقه من  الفراغ وتُحتجز أموال الشعب في المصارف؟ هل لبنانُ الفكر والنبوغ والنهضة يُحجَّم ويُحوَّل إلى ملكيّة خاصّة تُصادره طبقةٌ سياسيّةٌ وتَتصرّف به على حساب المصلحة العامّة؟ أيريدون لهذا الشعبِ أن تُركّعَه لقمةُ الخبز؟ لا، فكما أنّه لم يَركع أمامَ أيِّ احتلال، لن يركع اليوم. ونحن لن نَسكت على ما يجري. هذا الوطن هو ملك بنيه وهم مصدر سلطاته (مقدمة الدستور، و).

 9- ثورة شعبنا المذلول والجائع والمحروم من أبسط حقوقه الأساسية تستحقّ الحماية الأمنية لا القمع. الخطرُ على لبنان ليس من شبابِه وشابّاتهِ لكي يُردَعوا ويُعتقلوا. فَــتِّشوا خارج الثورة عن المخرِّبين ومُهدِّدي الأمنِ القوميّ اللبناني، والمتطاولين على الجيش والشرعيةِ والمؤسّسات، ومُعطّلي الدستور والاستحقاقات الديمقراطيّة ومن وراءهم. الثوّار بناتُنا وأبناؤنا. هم زَخمُ التغيير وأملُ المستقبل. نحن نريدها تكرارًا ثورة حضارية لا يكون ضحيتها الشعبُ في مصالحه وتنقلاته اليومية، بل نريدها أن تحترم الأصول القانونية للمظاهرات، وتكون صاحبة رؤية بنّاءة.

10- المرحلةُ التي بلغناها تحملنا إلى توجيه هذا النداء: نناشد فخامة رئيس الجمهورية العمل على فكّ الحصار عن الشرعية والقرار الوطني الحرّ. ونطلب من الدولِ الصديقةِ الإسراعَ إلى نجدة لبنان كما كانت تفعل كلما تعرّضَ لخطر. ونتوجّه إلى منظَّمة الأمم المتّحدة للعمل على إعادةِ تثبيتِ استقلالِ لبنان ووحدتِه، وتطبيق القرارات الدولية، وإعلانِ حياده. فحيادُ لبنان هو ضمانُ وِحدته وتموضعه التاريخيّ في هذه المرحلةِ المليئةِ بالتغييراتِ الجغرافيّةِ والدستوريّة. حيادُ لبنان هو قوّته وضمانة دوره في استقرار المنطقة والدفاع عن حقوق الدول العربية وقضية السلام، وفي العلاقة السليمة بين بلدان الشرق الأوسط وأوروبا بحكم موقعه على شاطئ المتوسّط.

11- بناء الأوطان على قيم السلام والعدالة والحقيقة والحرية والاخوة الانسانية، هو رسالتها التي تتأصل في تصميم الله الخلاصيّ الشامل لجميع الشعوب. فلتكن هذه الرسالة الصافية نشيد تسبيح دائم للثالوث القدوس الآب والابن والرُّوح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين.




إقرأ أيضاً
منذ متى كان الإذلالُ نمطَ حياةِ اللبنانيّين؟” وصمة عار أخرى على جبين الوطن”!

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
priest in Greece
هيثم الشاعر
تركيا تلقي القبض على راهب سرياني أرثوذكسي وال...
هيثم الشاعر
بالفيديو: لحظات صادمة حاول فيها مخرّب نزع صلي...
هيثم الشاعر
تدخّل إلهي في مزار سيدة لبنان - حريصا
Igreja em Pearl River tem altar profanado
أليتيا
كاهن وامرأتان يرتكبون أفعالًا مشينة على المذب...
أليتيا
خاص عبر "أليتيا العربيّة"… رسالة رجاء من القد...
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
JACOB BARNETT
دولوريس ماسوت
قالوا انه لن يُجيد سوى ربط حذائه وها هو اليوم...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً