Aleteia logoAleteia logo
Aleteia
الخميس 29 أكتوبر
home iconأخبار
line break icon

هل يودّع لبنان الجامعة الأميركية في بيروت؟

أليتيا - تم النشر في 23/05/20

كتب رئيس قسم الجراحة في الجامعة الأميركية في بيروت البروفيسور غسان سكاف مقالاً نشرته صحيفة “النهار” أكد فيه أن أجراس إفلاس لبنان ستُقرع في الذكرى المئوية لتأسيس لبنان الكبير لافتاً إلى أن الجامعة الأميركية تواجه اليوم أسوأ أزماتها منذ تأسيسها مع خسائر فادحة في معركة شاقة للحفاظ على ثباتها بسبب انهيار لبنان الاقتصادي.

إليكم ما جاء في المقال:

“أحبائي،

في هذا الزمن الرديء يودّع لبنان نظامه الاقتصادي الحرّ وفنادقه التاريخية وسياحته ومجده وتاريخه، وها هو اليوم يكاد أن يُودّع أعرق مؤسساته التعليمية، عنيت الجامعة الأميركية في بيروت، وذلك في ذكرى مئوية إعلان لبنان الكبير، فهل هذا هو الغضب الإلهي لما اقترفته أيدينا من أخطاء ومعاصٍ؟

عندما عملنا على تأسيس الجامعة مع إخوة لي من المؤسسين في العام 1866 تحت اسم “الكلية السورية البروتستانتية”، كانت مشروعاً نهضوياً وسبقت لاحقاً كبرى جامعات العالم وأعطت كل أصقاع الارض وما زالت كفاءات ومواهب تبوأت أرفع المكانات منذ أكثر من 154 عاماً. ولما كان هدفي وباقي المؤسسين يتمحور حول أهمية العلوم التطبيقية، أصبحت كلية الطب فيها من كلياتها الرائدة، فاستحق لبنان فعلاً لقب “مستشفى الشرق” وأصبح أطباؤه ملائكة الله في أرضه.

بعد الحرب العالمية الأولى وفي العام 1922، تغير الاسم إلى “الجامعة الأميركية في بيروت”، وفي العقود التالية، أصبحت ملتقى للأفكار التي ساهمت في تأسيس الكيان اللبناني وواكبت تحولاته ومختلف محطاته الدقيقة والمفصلية منذ الحكم العثماني وحقبة الانتداب مروراً بالمتغيرات الجغرافية والسياسية. فكانت قاعات المحاضرات ومقاعد الدراسة والمختبرات العلمية في الجامعة شاهداً لجمع الحضارتين الإسلامية والمسيحية ومنارة علم وفكر وثقافة. وفي أروقتها، ارتفعت أصوات دعاة القومية السورية والقومية اللبنانية وفيها بشر العروبيون بالقومية العربية وتحمس الإسلاميون والماركسيون والليبراليون والمحافظون الذين كانوا يتسلحون بسلاح المنطق واحترام الرأي الاخر، وبذلك أسهمت في قيادة نهضة تنويرية غير مسبوقة في المشرق العربي.

خرّجت جامعتكم عدداً كبيراً من الشخصيات القيادية في الطب والهندسة والقانون والعلوم والفن والادب وعدداً كبيراً من القادة السياسيين على مدى عقود. وصمدت أمام الحروب والفتن والمجاعات ونجحت في العديد من الأزمات بما في ذلك الحرب اللبنانية 1975-1990 عندما قُتل أو اختُطف عدد من موظفيها بمن فيهم رئيسان ودمرت متفجرة واحدة من أعرق قاعاتها الرئيسية.

أحبائي،

إن الجامعة الأميركية في بيروت، التي كانت في عصر مضى من أشد المدافعين عن حق اللبنانيين في العيش في دولة مدنية تتجاوز الطائفية والمحاصصة وتبني قيم الحرية والمساواة والعدالة واحترام الحقوق، والتي ساهم طلابها المتخرجون في نقل المعرفة ونهضة لبنان والإقليم، لا بل أن قسماً منهم أسسوا للبنان الاستقلال ولمعنى العروبة والديموقراطية، هذه المنارة تواجه اليوم أسوأ أزماتها منذ تأسيسها مع خسائر فادحة في معركة شاقة للحفاظ على ثباتها بسبب انهيار لبنان الاقتصادي الذي تلته جائحة كورونا.

كم يؤلمني أيها الأحبة أن أرى مع إخواني أجدادكم المؤسسين نحن المتألمون في عليائنا لما نسمعه عن أحوال الجامعة التي أسسناها وعملنا سنوات طوال لرفعتها، وربما نكون نادمين لانتقائنا رقعةً أحببناها مطلة على البحر الأبيض المتوسط لإرساء صرح نادر من صروح الثقافة والتعايش والتسامح.

بصراحة أيها الأحبة، لم نكن نعرف نحن المؤسسون أن لبنان الذي انتقيناه لتأسيس الجامعة الأميركية في بيروت، والبلد الذي افتخر بوجود أفضل المدارس في العالم العربي، والبلد الذي كانت تُنتخب من مواطنيه ملكةُ جمال أوروبا في الخمسينات وملكة جمال العالم في السبعينات، والبلد الذي اختير مركزاً للخدمات المالية والتقنية في الشرق الاوسط، والمحطة الهندسية الإقليمية لكبريات شركات الطيران المدني والذي كان مستشفى الشرق. لبنان هذا، يعجز اليوم عن تأمين الكهرباء وإنقاذ غاباته من الحرائق وحل أزمة نفاياته وتصريف إنتاجه الزراعي وحماية شعبه من المسرطنات والأدوية الفاسدة والتصدي لمحنة البطالة وتأمين شبكة أمان لشيوخه ومعوزيه.

أحبائي،

إن أزمة لبنان هي أكبر من الفساد وحلها أكبر من حكومة وانتخابات، هي أزمة هوية مضيّعة وثقافة سياسية سيئة ومتجذرة وذاكرة شعبية ضعيفة وانتقائية. هي في الحقيقة أزمة وطن ممنوع أن يكون سيداً حراً مستقلاً كي يبقى ورقة ضغط بيد اللاعب الإقليمي والدولي او يظل صندوق بريد بين القوى الكبرى.

أيها الأحبة،

لم نعرف، نحن المؤسسون، أن اللبنانيين هم قطعان طائفية وليسوا شعباً واحداً.

لم نعرف، نحن المؤسسون، أنه ليس في لبنان سياسة وسياسيين بل منتفعين من سياسات خارجية.

لم نعرف، نحن المؤسسون، أن في الذكرى المئوية لتأسيس لبنان الكبير ستقرع أجراس إفلاس لبنان وأن الذين يمسكون بدفة السلطة في باخرة التايتانيك اللبنانية سيُسهمون في غرق الباخرة وسيذكر التاريخ أنهم مسؤولين عن قيادة السفينة إلى الأعماق، وفي الأعماق ستأكل الأسماك البحرية ما لم تأكله الحيتان السياسية.

لم نعرف، نحن المؤسسون، أن المصارف اللبنانية التي حفِلت بتاريخ من الصمود في دورات الحرب والسلم وبقيت مرجعية أساسية للبنانيين، تنهار اليوم أمام أعيننا، وأن عظام ميشال شيحا، المصرفي البارز، ترتعد اليوم من التقارير التي ترده عن الذل الذي يحدث في المصارف.

لم نعرف، نحن المؤسسون، أن لبنان قد يتحول الى دولة فاشلة.

أحبائي،

إن ضحايا مذبحة الانهيار الاقتصادي ستغتال الثقة التي كوّنها نظام لبنان المالي على مدى مئة عام، ومن الظلم تدمير هذه الصورة المشرقة للبنان الذي عرفناه.

أيها السياسيون، أي جرم اقترفت أيديكم بحق الوطن، فكيف جعلتم من لبنان مقراً وممراً لخيارات بعيدة عن الأخلاقيات العامة والتي أدّت إلى زوال الوطن الذي أصبح عرضةً لمطامع القريب والبعيد.

أما أنتم رواد الجامعة الأميركية، عليكم تفكيك الشيفرة للكورونا السياسية التي تعصف بلبنان. وعليكم صناعة لقاح واكتشاف تركيبة الأدوية المناسبة. هذا اللقاح فيه خلطة فريدة ووصفة موجودة ومكونة من صدق وإخلاص ونظافة ونزاهة وشفافية وحرية واستقلالية وشجاعة وجرأة ونبل وذكاء وموهبة وبصيرة وثقافة وانفتاح وصرامة ورحابة.

المطلوب منكم يا أسرة الجامعة الأميركية في بيروت، والمنتشرين على امتداد العالم، أن تدعموا الجامعة ورئيسها وبسخاء للحفاظ على هذه المنارة في الشرق وكي لا تُضطر للتضحية بموظفيها وطلابها وأساتذتها من أجل تجنب التضحية بمستواها وتاريخها الذي طالما افتخرت به. فعليكم التفكير جيداً لإنجاح عملية الإنقاذ، والتي كانت من واجبات الدولة المنهارة، وأرجو أن تُساهموا في وقف مسلسل الزلازل السياسية والهزات الاقتصادية وانتشال الجامعة من أتون الانزلاق والانهيار.

في أيام المحن، تتطلع الشعوب إلى أهل الصدق والثقة والعلم والعقل والذين يستقرئون العواصف والأعاصير. فمَن أولى بهذه الصفات من متخرجينا الذين انتشروا في أكثر من مئة دولة في العالم على مدى 154 عاماً.

أحبائي،

إن مشكلتكم هي أن الكورونا فاجأتكم وأنتم عراة. لقد ﺁن الأوان أن ننتقل من دولة المذاهب إلى دولة المواهب ولنرتق إلى مستوى التضحيات والمسؤولية. فإذا كانت بصمة إصبعكم تُثبت هويتكم الشخصية فإن بصمة تصرفاتكم وإقدامكم تُثبت حصاد تربيتكم ورُقي أخلاقكم”.




إقرأ أيضاً
بالفيديو: رسالة مؤثرة من طفل لبناني إثر إصابته بفيروس كورونا


taxi

إقرأ أيضاً
هل يعقل أن يحصل هذا في لبنان؟ ما تقرأونه هنا مؤلم

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

Tags:
بيروتلبنان
صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
هيثم الشاعر
الشتائم تنهال على الممثلة اللبنانية نادين نجي...
هيثم الشاعر
مذبحة داخل مدرسة مسيحية ضحيّتها أطفال أبرياء
OLD WOMAN, WRITING
سيريث غاردينر
رسالة مهمة من إيرلندية تبلغ من العمر 107 أعوا...
غيتا مارون
صلاة رائعة كتبها الشهيد اللبناني فتحي بلدي
غيتا مارون
في لبنان… قصدت عيادة الطبيب، لكنها تفاجأت بتس...
PAPIEŻ FRANCISZEK
الأب فادي عطالله
قداسة البابا والمثليين الجنسيين
José Manuel De Jesús Ferreira
عون الكنيسة المتألمة
بيان عون الكنيسة المتألمة حول مقتل الأب خوسيه...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً