أليتيا

“علاقة البطريركيّة المارونيّة بالمملكة العربيّة السعوديّة”

p. nassim kastoun page
مشاركة

كتاب يتحدث عن علاقة فريدة بين جهتين من ديانتين مختلفتين في قلب الوطن العربي: البطريركية المارونيّة في لبنان والمملكة العربيّة السعودية، مهد الإسلام ومعقله الحصين. ما هو تاريخ هذه العلاقة؟

 

إنه كتابٌ يتحدث عن هذه العلاقة الصافية، الأخويّة والعميقة وغير المعروفة والمخفيّة تقريبأ، وقد تمّ وضعها تحت الأضواء من قبل باحث مهم جدًا وهو ممن لا يدخرون غالٍ أو نفيس ويبذلون أقصى جهدهم لإحقاق حوار الأديان ونشر ثقافة السلام في العالم. إنه كاتب الكتاب، العلّامة الأباتي أنطوان ضو من الرهبنة الأنطونية المارونية في لبنان. إنني اتحدث عن الكتاب الذي تمّ نشره باللغة العربية والذي لم يأخذ حقه في النشر والمعرفة بسبب الأوضاع اللبنانية المتردية جداً ومما زاد الطين بلةٍ الآن وضع الوباء الحالي المنتشر في العالم كله.

هو كتابٌ له قيمة كبيرة جدًا لأنه يتحدث عن علاقة فريدة بين جهتين من ديانتين مختلفتين في قلب الوطن العربي، ألا وهما البطريركية المارونيّة في لبنان والتي كانت رائدة في هذه العلاقات وإقامتها مع المملكة العربيّة السعودية، مهد الإسلام ومعقله الحصين. ويتحدث هذا الكتاب عن تاريخ هذه العلاقة بدءاً من العام 1932، أي من تاريخ تأسيس المملكة العربية السعودية حتى يومنا هذا.

عنوان الكتاب هو “علاقة البطريركيّة المارونيّة بالمملكة العربيّة السعوديّة” وقد تمّ نشره قبل بضعة أشهرِ، وبالتحديد في شهر أيلول/سبتمبر من العام الماضي 2019. وكان من المفروض تقديم الكتاب في 23 تشرين الأول/أكتوبر 2019، بإقامة احتفال كبير في بكركي، مقر البطريركيّة المارونية في لبنان وبحضور غبطة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي وسعادة سفير المملكة العربيّة السعوديّة في لبنان، الوليد بن عبدالله بخاري. لكن وللأسف وقبل ثلاثة أيام فقط من الاحتفال تمّ تأجيل الحدث إلى أجلٍ غير مسمى بسبب الاحتجاجات العارمة التي عصفت بلبنان من جراء الأزمة الاقتصادية الحادة.

أود أن أعرض هذا النص المهم، الذي وُلِدت فكرته من رحم حدث خاص غير معهود أو حتى لم يكن بالإمكان تصوره قبل ذلك التاريخ، أي من خلال متابعة زيارة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي إلى المملكة العربية السعودية بتاريخ 13 تشرين الأول/اكتوبر 2017. وتُمَثِّل هذه الزيارة حدثاً فريداً من نوعه في تاريخ الإسلام منذ نشأته وحتى يومنا هذا. وهكذا قرر قدس الأباتي أنطوان ضو، القيام بهذا البحث وكتابة هذا العمل الذي من خلاله تمّ نشر كل الوثائق والرسائل التي تُجَسِّد محطات هامة ومحورية في هذه العلاقة الفريدة والمميزة بين الموارنة والسعوديين عبر التاريخ.  يكتسب هذا الكتاب وهذه العلاقة أهمية كبيرة بالنظر إلى خصوصية الجهتين المعنيتين. فمن جهة هنالك البطريركية المارونية وعلى رأسها البطريرك الماروني الذي يمثل أعلى سلطة مسيحية مارونية في لبنان بالإضافة إلى كونه كاردينالاً في الكنيسة الكاثوليكية، بينما تتمثل الجهة الأخرى بملوك وأمراء المملكة العربية السعودية، حُكّام البلد الإسلامي الأكثر صرامة في العالم السنّي. ومن المعروف أنها أول زيارة في التاريخ الإسلامي لزعيم غير مسلم إلى المملكة العربية السعودية.

يتكون هذا الكتاب من مقدمة وعشرة فصول. يُستهل الكتاب بفصله الأول بعرض مُفصلٍ للمرحلة الأخيرة والأكثر أهمية من هذه العلاقة ألا وهي الزيارة المذكورة أعلاه لغبطة البطريرك الراعي إلى المملكة السعودية. بينما يعرض الفصل الثاني مذكّرتي البطريرك الراعي الموجهة إلى خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود. تتمحور المذكرة الأولى حول الوضع اللبناني وعنوانها “حول القضيّة اللبنانية”، بينما تتحدث المذكّرة الثانية عن النزوح السوري في لبنان وعنوانها “حول النزوح السوري في لبنان: الواقع والتحدّيات والمطالب”. ويأتي الفصل الثالث ليُحدثنا بالتفصيل عن حفاوة استقبال الموارنة لملوك وأمراء المملكة السعودية لدى زيارتهم لبنان والصرح البطريركي. يتبعه الفصل الرابع لإكمال تاريخ العلاقة بسرد أحداث زيارات البطاركة الموارنة وموفديهم إلى الملوك والأمراء والمسؤولين السعوديين في مقارهم في لبنان. ويأتي الفصل الخامس ليعرض للقراء المراسلات المتبادلة بين البطاركة الموارنة وملوك المملكة العربيّة السعوديّة وأمرائها ومسؤوليها. أما الفصل السادس فقد تمّ تكريسه لتبيان دور بعض الشخصيات المارونية في إقامة وإنجاح وتعزيز هذه العلاقة حيث أنهم كانوا أصدقاء الملوك والأمراء وروّاد النهضة والتنمية. في الفصل السابع يعرض الكاتب هذه العلاقة الفريدة من ناحية التفاعل الحضاريّ والثقافيّ بين الجهتين ليتبعه الفصل الثامن سارداً بالتفصيل قصة اتّفاق الطائف وتاريخه مبرزاً دور المملكة في إبرامه. فيأتي الفصل التاسع ليُكمل القصة محلّلاً وعارضأ الرسالة والعبرة من هذه العلاقة حيث قال بأنها رسالة مسيحيّة-إسلاميّة في الانفتاح والتفاعل. وتأتي خاتمة هذا الكتاب بالفصل العاشر معنوناً “آفاق العلاقات المسيحيّة الإسلاميّة”. في هذا الفصل الخاتمة يُلخّص الكاتب بدقة وعمقٍ كبيرين ويُتابع مُحللا لأفق ولإمكانات هذه العلاقة ولتأثيراتها وتوابعها الواسعة ويفعل ذلك من خلال 16 نقطة تدعونا إلى التفكير والتحليل العميقين.

ويأتي هذا الكتاب، متماشياً والمسار الفكري لجهود وتعاليم البابا فرنسيس، ليُعطي دفعة قوية للالتزام بتحفيز العيش المشترك والأخوة والسلام الذي أصبح واجباً ملحاً للبشريّة جمعاء ليس على الصعيد الأخلاقي وحسب بل والإنساني أيضاً. عندما نعمل للحوار ونبحث عن خير الآخر وعن السلام، نُمَهّد الطريق لتعايش جميل ومشرق، لدرجة أن العالم أجمع سيشهد رعشة قوية من الإنسانية الحقيقية الأصيلة، وستحفى العلاقات الإنسانية بمحطات لؤلؤية ثمينة من المواقف الأخوية المسالمة الهامة والحقيقية.

الكتاب، يقول صاحبه، “جزءٌ لا يتجزأ من تاريخ العلاقات اللبنانيّة السعوديّة، وصفحةٌ مجيدة من تاريخ العلاقات المسيحيّة الإسلاميّة، كما هو في الوقت ذاته بحث وتوثيق يسلط الضوء على عمق العلاقات المارونيّة السعوديّة وأهميّتها، وعلى دور البطريرك مار بشارة بطرس الراعي وأسلافه […]، وغيرهم من رجال الفكر والسياسة الموارنة في قيام هذه العلاقات الطيّبة وتطويرها وتقدّمها”.

إن تبادل المراسلات بين البطاركة الموارنه وملوك آل سعود وأمرائهم ومسؤولي المملكة العربيّة السعودية وزياراتهم المتبادلة، يمثّل نفحة من روح الأخوة الحقيقية والصادقة التي تغذي وتبعث الأمل في العلاقات الإسلامية المسيحية. نعم يتمحور الكتاب حول تاريخ العلاقة بين الموارنه والسعوديين بشكل خاص ولكنه يُمثل نموذجاً رائعاً للعلاقات الإسلامية المسيحية بشكل عام وحافز قوي لتعزيز علاقات الأخوة والصداقة باستمرار.

ولكي نعطي لكل حقه ونُقَدِّر حق التقدير دور كل منا في نشر حضارة السلام وحضارة المحبة الأخوية الصادقة، نرى أنه من الضروري أن نختتم مقالنا هذا بكلمات الكاتب الذي أكد قائلاً: “صحيح أن الإنسان هو ابن التاريخ، ولكن الأصح أن الإنسان، بعون الله تعالى، سيّد التاريخ، هو صانع التاريخ بأعماله الحَسَنَة وإرادته الطيّبة”.

 

مساعدة أليتيا تتطلب دقيقة

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

النشرة
تسلم Aleteia يومياً