Aleteia
الإثنين 26 أكتوبر
المنبر‎

هل تزنير الكنائس المارونية في حالات الكوارث عادة تقويّة أم لا؟ وما هو تاريخ هذه العادة؟

church-liban0

Fassouh Charbel/Facebook

الدكتور انطوان افرام سلامه - تم النشر في 16/03/20

عودةُ الطّقوس الغريبة

 أَدّت الأحداث المستجدّة في البلاد إلى ظهور بعض العادات التقويّة التي اعتقدنا بزوالها، وذلك بسبب أصولها الغامضة ومعانيها الفارغة من الإيمان المسيحي، ومن بينها عادة “تزنير الكنائس” التي بطلت تدريجيًّا في الرّبع الأخير من القرن العشرين.

 أشار إلى هذه العادة الأب جوزف غودار الرّاهب اليسوعي (Joseph Goudard) الّذي أقام في لبنان بين سنة ١٨٩٢ و١٩٠٣. فلاحظ في كتابه “العذراء القديسة في لبنان” (La Sainte Vierge au Liban)، أنَّ بعض الموارنة في القرى النائية والجبال العالية، “يزنِّرون الكنيسة” في حالات الكوارث العامّة كانتشار المجاعة والحروب والأوبئة. فكانوا، بحسب غودار، يجتمعون بالقرب من معبد السيِّدة العذراء وفي يد كل منهم قطعة نسيج حريريّة أو قطنيّة ليصنعوا منها قَصَّة كبيرة تُلَفُّ كحزامٍ حول الكنيسة، معتقدين أنّهم يُبعدون بذلك الخطر والمرض، ويُضيف الأب غودار أنَّ هذه العادة هي قديمة حتمًا ومن المستحيل تحديد أصلها ورمزها (عن: جبر، أميرة، الرحّالة الفرنسيون في موطن الأرز، ص ١٤٩).

 تلتقي هذه العادة مع تصرّفاتٍ مشابهة عرفتها الشّعوب الكنعانيّة أو الفينيقيّة المؤلِّهة لقوى الطّبيعة والنّمو، فأحاطت الشّجرة المرتفعة قرب الهياكل بمزيدٍ من العبادة باعتبارها رمز النّبات الدّائم الخضرة الذي تسكنه آلهة الخصب، وربطت قطع من الثّياب أو خِرَق على أغصان هذه الشّجرة (حتّي، فيليب، تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين، ص ١٣٠؛ تاريخ لبنان، ص ١٦٦).

وكما توارث أهل لبنان وسوريّا وفلسطين من مسيحيين ومسلمين ودروز هذه العادة إلى يومنا، مكرِّمين باحترامٍ فائق السّنديانة أو الصّنوبرة المظلِّلَة الكنيسة والدّير والمقام، فلعلّ الموارنة قد ورثوا عن هذه الدّيانات القديمة القائمة على عبادة الخصوبة، عادة تزنير المعبد. فيحمل بالتّالي “الزنّار” عند الكنعانيين معنى “حبل الخلاص” الّذي يربط الطِّفل بالأمّ في الرّحم، فيما حركة التزنير ترتبط بالإلتجاء الوثيق إلى الآلهة “الأمّ” (عشتروت…) رمز الإنجاب والحياة والحنان والدّفء. وهذا ما يُفَسِّر قول الأب غودار بأنَّ الموارنة عند انتشار المجاعة والحروب والأوبئة يعمدون إلى تزنير معبد السيِّدة العذراء؛ أي يلجأون إلى حمايتها من خلال ربط المناديل ببعضها البعض بشكل زنّارٍ كرمزٍ لحبل الخلاص ولمجاورتها.

ولأنَّ القماش في الفكر الإنساني وفي التّقوى الشعبيّة يُعتَبرُ ناقِلاً للبَرَكة إذا لامَسَ المكان المقدّس، فإنَّ هذه المناديل كانت تُستَعمَل لاحقًا كوسيلةٍ تُبعِدُ الأذى والضّرر عن حامِلِها. ودليل ذلك ما أشار إليه الأب غودار بأنَّ المناديل المربوطة ببعضها لتزنير الكنيسة، كانت تُباع فيما بعد ويعود ريعها للكنيسة (عن: جبر، المرجع السّابق)، كما شهادة إمرأة معمِّرة من شمال لبنان قالت مؤخّرًا بأنَّ عادة تزنير الكنائس قديمة جدًّا وليست من تعاليم الكنيسة بل هي تقليد شعبي، إذ يأخذ النّاس قطعة قماش من البيت إلى الكنيسة ويعيدونها إليه لتبارك ثيابهم كلّها، وتطرد عنهم الضربات والأوبئة (جريدة النّهار، ١٢ آذار ٢٠٢٠).

تدلّ هذه الاستناجات أنّ الإنسان عبر العصور احتاج إلى ما يُهدِّىء قلقه الوجودي ويُزيل عنه فعل الموت المريع، فابتكرَ طرقًا متعدِّدة وقَدَّمَ القرابينَ والنّذور والصّلوات ليتقرّب من الألوهة وينالَ الأمان. وفي ملءِ الزَّمَن تَجَسَّدَ يسوع المسيح ليُعَلِّمنا أنَ الدّين هوَ نموٌّ مستمرّ في الجسدِ والفكر والرّوح لبلوغِ ملءِ نضوجنا الإنسانيّ، وأنّ حياتنا هيَ عبورٌ نحوَ النّور فهوَ “القيامة والحقّ والحياة” (يوحنّا ٢٥/١١).

نعم! المحافظةُ على التّقاليد عادةٌ حسنة خصوصًا تلك المتأتية من ترسُّباتٍ حضاريّة وثقافيّة عتيقة. لكن المؤسف أن ترجع إلى ربوع مسيحيّتنا عدّة أعمالٍ تقويّة طواها الزّمن لبطلان معناها المسيحيّ الرّصين، ولاسيّما “تزنير الكنائس”. ومحزنٌ أكثر أن تترافق عودتها بمباركة بعض رجال الدّين بحجّة المحافظة على التّقليد. فإذا كان أجدادنا الموارنة في القرون الغابرة على صواب في كلِّ تصرّفاتهم، فلماذا بذلَ جمعٌ من الأحبار والكهنة والرّهبان حياتهم في التّعليم والتّدبير والتّقديس لينقلوا إلينا مبتغى الرّب في الكتاب المقدّس: “إنّي أُريدُ رحمةً لا ذبيحةً” (هوشع ٦/٦)؟ أو لماذا عُقِدَت مجامع كنسيّة متعدِّدة بين القرنين الخامس عشر حتى التّاسع عشر لتجعلَ من الموارنة شعبًا منظّمًا يؤمن بيسوع المسيح إيمانًا عقلانيًّا بعيدًا عن الشّعوذات والعبادات الشّعبيّة؟

كتَبَ أحدهم على صفحته الفيسبوكيّة بالقرب من أيقونة المصلوب: “يا خَوفي نْكون ضيّعناك بالتفاصيل”. نعم! فالأوضاع المتأزِّمة في البلاد بيّنت أنّنا نلتهي بالوسيلة بدل التركيز على الهدف والمعنى، وأنَّ السِّحر يطغى على ممارساتنا الدينيّة، وأنّ إيماننا بيسوع قائم على المصلحة البحتة… فلنرجع إلى دنيانا، إلى عمق إنسانيّتنا لنكتشف الإله الصّالح المقيم في داخلِ كلِّ واحدٍ منا.

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
أليتيا
مقتل كاهن في خلال مساعدته امرأة تتعرّض للسرقة
هيثم الشاعر
تدخّل إلهي في مزار سيدة لبنان - حريصا
غيتا مارون
بعد تداول فيديو كنيسة أوروبيّة تحوّلت إلى مطع...
غيتا مارون
هل دعم البابا فرنسيس حقّ المثليّين في الزواج ...
ST RITA ; CATHOLIC PRAYER
أليتيا
صلاة رائعة إلى القديسة ريتا
لويز ألميراس
وفاة شماس وأول حاكم منطقة من ذوي الاحتياجات ا...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً