Aleteia
الثلاثاء 27 أكتوبر
نمط حياة

هكذا يكشف الصوم جمال الحياة

LENT

Shutterstock

ميشيل رينيي - تم النشر في 27/02/20

كنت أستمع إلى الأخبار الرياضية عبر الراديو في وقت مبكر من هذا الأسبوع، عندما تذكرت بأنه قد مر سنة بالضبط على رؤيتي لجدي وهو على قيد الحياة. ومن الغريب كيف يقوم العقل البشري بالروابط الصغيرة هذه. قبل عام، كنت أجلس في السيارة بحانب شقيقي وأمي، متجهين إلى البلدة الصغيرة سيكستون بالقرب من ميزوري، حيث كان يعيش جدي، ويتلقى الرعاية في المستشفى بعد مرور عدة أشهر من تدهور حالته الصحية. وفي طريقنا إلى المنزل، كنا ننظر من النوافذ ونضيع في ذكرياتنا وأفكارنا، على وقع صوت الأخبار الرياضية الخافت.

لا أستمع إلى الإذاعات الرياضية في الكثير من الأحيان، ولكنني وضعتها صدفةً. وكأني سافرت عبر الزمن، وبدأت أتذكر الطريق الطويل للمنزل، حيث تصطف أشجار الصنوبر، وأتنشّق هواء ميزوري الرائع، ونحن في طريقنا إلى المستشفى، وقد شعرت بيد جدي التي مسكت يدي للمرة الأخيرة. وكانت تلك اليد، تخصّ رجلًا كان يستعد للاستيقاظ باكرًا للذهاب إلى العمل، وكانت تلك اليد، تستعد أيضًا لحمل الأثقال. كما كانت اليد نفسها التي كتبت أجمل الكلمات لزوجته. لم يكن يتحدّث عن حبه العميق لعائلته، لكنه كان يظهره بوضوح بكل تصرفاته.

وحين فكّرت في الطريقة التي يخترقنا بها الموت كشوكة الوردة، راودتي مشاعر حلوة ومرة وصعبة للغاية. وما كان عزاء بالنسبة لي، أكثر من أي شيء آخر، هو حصولي على فرصة معرفة جدّي وحبه. فحياته عمّقت لون دمي. والغريب، أنّ غيابه جعل حبي له أكثر واقعية وأسهل. فمن قبل، لم أكن أقدر هذه النعمة.

في كل عام، أجد نفسي في أربعاء الرماد أحتفل بالقداس الإلهي مع أبناء رعيتي. ومرة أخرى، يتقبل هؤلاء بلهفة المباركة الكهنوتية من يدي. وفي النعمة شيء من التناقض- فحين يُرسم الصليب من الرماد، يُقال: “أذكر يا إنسان أنك من التراب وإلى التراب تعود”. كيف يمكن للموت أن يكون نعمة؟ وكأنه هناك علاقة بين الطريقة التي يكشف بها الموت تمامًا عن حبنا لأولئك الذين فقدناهم والطريقة التي يكشف لنا تفكيرنا في موتنا حب الحياة التي وهبت إلينا.

قبل أن أكون كاثوليكيًا، كنت أنتمي إلى تقليد إيمان مسيحي لم يكن يعرف الصوم. ولم أكن أعلم ما كنت أفتقده إلى أن ذهبت للمرة الأولى إلى قداس أربعاء الرماد. عندما يرسم الكاهن إشارة الصليب بالرماد، تكون اللحظة قوية للغاية، وكأنه يخترق الجسد. وفي السنة نفسها، اختبرت أيضًا للمرة الأولى الجمعة العظيمة، ولم أكن مستعدًا تمامًا لما حدث. فقد أنزل الكاهن المصلوب ووضعه على المذبح على وسادة مخملية حمراء. اصطف المؤمنون وبدأ الواحد تلو الآخر يركع ويحني رأسه ليقبل أقدام المسيح الميت. كانت صورة الموت الخاصة بصلب المسيح، الصوت الصارخ لنا بأن هذا هو الله الذي أحببناه. الموت يجعل حبنا حقيقي أكثر.

وثمة شيء غريب في هذه العلاقة بين الموت والحب. فالأمر يعود إلى صميم ما نحن عليه كبشر وما يعنيه أن تكون هناك أرواح أبدية متحدة مع أجساد تكبر وتتلاشى. وثمة مقطع جميل في رواية أورسولا لو غوين المعنونة The Dispossessed ، حول كيفية رؤيتنا الجمال الحقيقي للشيء فقط عندما نراه بأكمله. وكتبت:

“إن كنت قادرًا على رؤية الشيء كله، سيبدو دائمًا أنه جميل… اقترب أكثر، فسترى كل الأوساخ والصخور في العالم. ويومًا بعد يوم، تصبح الحياة شاقة، وتشعر بالإرهاق، وتفقد النمط. تحتاج إلى مسافة… فالطريقة التي ترى فيها جمال الأرض، تكون برؤيتها كالقمر. والطريقة التي ترى فيها جمال الحياة، تكون من منظور الموت”.

قد يكون الصوم تجربة مليئة بالتحديات. والتركيز على التفكير في الذنب والصوم والرماد والموت، أشبه بإعادة النظر في ذكرى الوفاة. الجهد والبحث عن الذات يستحق كل هذا العناء. والتأمل في موتنا هو ممارسة قيمة إذ يكشف عن حياتنا بأكملها-البداية، الحياة، النهاية. من هذا المنطلق، نحن في وضع فريد لفهم مدى جمال الحياة وقيمتها بشكل حقيقي. الحب هو صورة الكل. في الحياة، نحب. في الموت، نحب. سواء عشنا أو متنا، ننتمي إلى الأبد لبعضنا البعض.

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

Tags:
الحبالصوم
صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
هيثم الشاعر
الشتائم تنهال على الممثلة اللبنانية نادين نجي...
غيتا مارون
بعد تداول فيديو كنيسة أوروبيّة تحوّلت إلى مطع...
أليتيا
مقتل كاهن في خلال مساعدته امرأة تتعرّض للسرقة
غيتا مارون
هل دعم البابا فرنسيس حقّ المثليّين في الزواج ...
هيثم الشاعر
تدخّل إلهي في مزار سيدة لبنان - حريصا
لويز ألميراس
وفاة شماس وأول حاكم منطقة من ذوي الاحتياجات ا...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً