Aleteia
الأحد 25 أكتوبر
نمط حياة

وردةٌ مَهمَلَةٌ وشجرَةٌ حزِينَةٌ

ape-

pixabay

ميشلين حبيب - تم النشر في 25/02/20

"إنَّ فداحةَ الأمرِ ليست في التَّعدِّي على البيئةِ بل في ما يَعنِيهِ ذلك، ألا وهو التَّعَجرُفُ على الله"

كَثُرَ الكلامُ عن البيئةِ وعن فَداحَةِ المَشاكِلِ البيئيَّةِ دُوَليًّا ومحليًّا كما كَثُرَت النِّداءاتُ للاهتمامِ بهذه المشاكلِ البيئيَّةِ الَّتي أصبحت تُشَكِّلُ خَطرًا على الحياة بكلِّ أشكالِها على الكُرَةِ الأرضيَّة حتَّى إِنَّ قداسةَ البابا جعلَ هذا الموضوعَ مِحوَرَ رسالَتِه البابويَّةِ السَّنويَّةِ الَّتي وجَّهها إلى العالم كُلِّهِ في الأوَّلِ مِن شهر أيلولَ سنة 2015 والَّذي جعله يومًا مُخَصَّصًا للخَلِيقَة.

لكنَّ هذا المقالَ لن يتناولَ كلَّ ما ذُكِرَ آنِفًا، وإنَّما سيتناولُ ورودًا، في حديقةٍ أو بُقعَةً صغيرةً أمامَ منزلٍ، عَطِشَةً، مُهمَلَةً، يُغَطِّيها الغُبار. سيقولُ البعضُ، ومَن يُبالي بشجرةِ وردٍ أو مَجموعَةِ أزهارٍ أو نَبتَةٍ صغيرةٍ أو شجرةٍ؟ هذه اللَّامبالاةُ بالتَّحديدِ هي موضوعُ هذا المقال.

عندما أرى شجراتِ وردٍ رائعةَ الجمالِ أمام منزلٍ ما، أُمجِّدُ الرَّبَّ لجمالِها وللنِّعمَةِ الَّتي خَصَّ بها أصحابَ هذا المنزلِ الَّذين يتمكَّنونَ مِن رؤيةِ هذا الجمالِ كلَّ صباحٍ، فنسمعُ أنفسَنا أحيانًا كثيرةً نقولُ “نيّالن”.  لكنْ عندما أراها بعد فترةٍ مُغَطَّاةً بالغبارِ ويابسةً حزينةً، عندها لا يُمكِنُني إلَّا أن أشفِقَ عليهم لأنَّهُم رفضوا النِّعمَة. كذلك، لا يمكنني إلَّا أن أتساءلَ عمَّا يفعَلُهُ وعمَّا يقولُهُ الإنسانُ للهِ مِن خلالِ هذا التَّصَرُّف. هو يقولُ لهُ بكلِّ تَعَجرُفٍ: خُذْ هَدِيَّتَكَ لا أُرِيدُها.

أنا متأكِّدَةٌ أنَّكُم سَمِعتُمُ المَثَلَ القائلِ، “تاكُلها الحَفَّة ولا تاكُلها الشفّة”، ويؤكِّدُ لنا صِحَّتَهُ عددُ المرَّاتِ الَّتي مَرَرنا فيها بجانب منزلٍ في حديقتِه الغَنَّاءِ ثمارٌ كثيرةٌ ناضجةٌ مَرمِيَّةٌ على الأرضِ تحت أشجارِها. هل هناك أنانيَّةٌ وتعَجرُفٌ أكثرُ مِن ذلك؟ لا يَقطِفُها أصحابُها ولا يَدَعُونَ الآخَرِينَ يَستَفِيدُونَ مِنها؟ هي كَرَمٌ مِنَ الرَّبِّ وتركُها تسقُطُ تحت الشَّجرَةِ عِوضًا عن قطفِها أو مُشارَكَةِ الآخَرِين بها هي مسؤوليَّةٌ أمامَ الله. وهذا أيضًا تصرُّفٌ وقِحٌ يَقذِفُ هديَّةَ الرَّبِّ في وجهِه.

ستقولونَ، إنَّ النَّاس يموتونَ مِن الغُبارِ والتَّلَوُّثِ والجوعِ والحزنِ فَمَن يُبالي بِشجَرَةِ وردٍ أو بعضِ الأزهارِ أو بعضِ النَّباتاتِ؟

وأقولُ، أليسَ هذا مُرتَبِطٌ بذاك؟ إنَّ من يُهمِلُ وردَةً، يُهمِلُ إنسانًا، فالَّذي خَلَقَ الوردةَ هو نفسُهُ الَّذي خلقَ الإنسانَ، والَّذي خلقَ الشَّجرةَ، هو نفسُهُ الَّذي خلقَ الإنسانَ، وقد خلقَ كلَّ ذلك من أجلِ الإنسانِ، من أجلِ خدمتِه وصِحَّتِهِ الجسديَّةِ والنَّفسيَّةِ والرُّوحيَّة. مِن هنا، فإنَّ هذا مُرتَبِطٌ بذاك. والَّذي يَعتَرِضُ على الاهتمامِ بِوَردةٍ أو شَجرَةٍ أو نبتَةٍ أو أيِّ مَظهَرٍ مِن مظاهرِ الطَّبيعةِ، قائلًا الأَوْلَى بنا الاهتمامُ بالإنسانِ، هو نفسُهُ مَنْ لا يبالي بذلك الإنسانِ.  فمتى اهتمَّ بإنسانٍ محتاجٍ أو حزينٍ أو مريضٍ، ولا أعني أؤلئك الغُرَباءَ بل رُبَّما جارُهُ أو شخصٌ يراه كلَّ يومٍ في محيطِ عملِه أو الحيِّ الَّذي يسكنُ فيه؟

فَلنَكُفَّ إذًا عن التَّحَجُّجِ بأمورٍ وهميَّةٍ وعن الكلامِ الفارغِ الَّذي لا يُرضي إلَّا غُرُورَنا ولنواجِهْ أنفُسَنا ومسؤولِيَّتَنا.

إنَّ إهمالَ نبتةٍ أو وردةٍ أو شتلةٍ أو شجرةٍ سَواءٌ كانت مُلْكًا لنا أو مُلْكًا لجيرانِنا أو مُلْكًا عامًّا يُترجَمُ بشيءٍ واحدٍ فقط: تَعالٍ على الله، وكأنَّنا نبصُقُ في وجهه قائلين “إيه مين بالو فيك؟”، هو التَّكَبُّرُ على النِّعمةِ بكلِّ ما للكلمة مِن معنًى. عدمُ احترامِ الطَّبيعةِ والتَّعدِّي عليها هو التَّعدِّي على الحياة. لم يَخلُقْ رَبُّنا الإِسمَنتَ بل خلقَ الطَّبيعةَ الَّتي مِن دونِها لا نستطيعُ الاستمرارَ بالعيشِ، وقتلُ الطَّبيعةِ مِن أجلِ البناءِ هو قتلُ أنفُسِنا. أنا متأكِّدَةٌ أنَّكُم سمِعتُم هذا القولَ مِن قبلُ: “مَن يقتلُ شجرةً يقتلْ إنسانًا”، فَدَعُونِي أُذَكِّرُكُم به وأَزِيدُ عليه: مَن يقتلُ شجرةً يقتلْ نفسَه ويقتلِ اللهَ في حياتِه.

إنَّ كلَّ من يهتمُّ بالطَّبيعةِ ويحترِمُها، ينالُ نعمةً وحُظوَةً أمامَ الله. وكلُّ مَن يحتقرُ الطَّبيعةَ لامباليًا يقترفُ خَطِيئَةً. كلُّ مَن يشتري أغراضًا ويكدِّسُها ولا يستعمِلُها يقترِفُ خَطِيئَةً. إنَّ الاستِهلاكَ والاقتِناءَ غيرَ المُبَرَّرِ وغيرَ الضَّرورِيِّ هو خطيئةٌ تَزيدُ العِبءَ على البيئةِ وتُسَهِّلُ الاحتكارَ الشَّخصِيَّ وتَحرِمُ الآخَرَ مِنَ التَّمَتُّعِ بِحقٍّ مَنَحَهُ إيَّاهُ الله.

هذا الانغماسُ في الأنانيَّةِ، والأمورِ المادِّيَّةِ، والاهتمامُ اليوميُّ المُفرِطُ بحاجاتِنا والتَّعَلُّقُ بها، وقَلَقُنا حولَ كيفيَّةِ إقتنائِنا المزيدَ هو سببُ احتقارِنا عطيَّةَ اللهِ بإهمالِها وعدمِ الاعتناءِ بها، وبِعِبارَةٍ أخرى، هو سببُ تعجرُفِنا على الله.

مِن هنا فإنَّ فداحةَ الأمرِ ليست في التَّعدِّي على البيئةِ بل في ما يَعنِيهِ ذلك، ألا وهو التَّعَجرُفُ على الله. في النِّهايةِ، سأترُكُكُم مع هذا التَّأَمُّلِ، تقولُ القِدِّيسَةُ تريزيا الطِّفلِ يسوعَ، “الطَّبيعةُ كتابُ اللهِ المَفتُوحُ”. فماذا سيكونُ قرارُنا، قِراءَتُهُ أم تَمزِيقُه؟

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

Top 10
هيثم الشاعر
تدخّل إلهي في مزار سيدة لبنان - حريصا
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
أليتيا
مقتل كاهن في خلال مساعدته امرأة تتعرّض للسرقة
غيتا مارون
بعد تداول فيديو كنيسة أوروبيّة تحوّلت إلى مطع...
هيثم الشاعر
بالفيديو: لحظات صادمة حاول فيها مخرّب نزع صلي...
priest in Greece
هيثم الشاعر
تركيا تلقي القبض على راهب سرياني أرثوذكسي وال...
فيليب كوسلوسكي
الصلاة المفضلة لبادري بيو التي كان من خلالها ...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً