Aleteia
الأربعاء 21 أكتوبر
روحانية

الثقافة الإيمانيّة في الصِغَر وصلاة التبشير الملائكي

Shutterstock / Halfpoint

ميشلين حبيب - تم النشر في 21/02/20

قال الرب يسوع “أنا نورُ العَالَم” (يوحنّا 8-12) ودعانا لكي نكون نحن بدورنا نور العالم.  والنور هو الوعي والمعرفة والحريّة والحبّ، هو الروح القدس الذي يعمل في حياتنا.

الثقافة الإيمانية ركيزة أساسيّة في الإيمان الواعي وممارسة الأسرار والعيش المسيحيّ. الثقافة  والمعرفة تعنيان إخراج الفكر والروح من الظلمة والانفتاح الذهنيّ والفكريّ والروحيّ على كلمة الحياة. لذلك، يجب أن تبدأ الثقافة الإيمانيّة منذ الصِّغَر في البيت حيث يولد وينشأ الطفل، ويمتدّ هذا الأمر إلى المدرسة حيث يكون أحيانًا مسؤوليّتها وحدها في حالة الأهل غيرالمثقّفين إيمانيًّا وروحيًّا، فتقع المسؤولية على كاهلها، بخاصة أنها مدرسة كاثوليكيّة.

 تبدأ الثقافة الإيمانية بأمر بسيط جدًّا، لكنه بالغ الأهمية، وهو إنشاء علاقة بين الله والإنسان/الطفل، وذلك بتعليم الطفل أن الخالق هو محور حياتنا اليوميّة ويجب الاتّكال عليه والاستسلام لمشيئته في كلّ أمور حياتنا. كما علينا أن نعلّمه استلهام الروح القدس عند القيام بأي عمل، وتمجيد الرب على كل ما نراه حولنا، وشكره على كل أمور حياتنا بخاصة عندما نجلس لتناول الطعام. من المهمّ أن يفهم الطفل أن المأكل والملبس والمأوى هما من كرم الربّ علينا، فشكر الله على ذلك يُنشئ حوارًا مع الربّ وعلاقة شخصيّة معه، علاقة محبّة، وأبوّة، وحبّ، وصداقة. كذلك، الصلاة في الصباح عند الاستيقاظ وفي المساء قبل النوم.

أفضل صلاة، طبعًا بعد القدّاس الإلهيّ، هي صلاة المسبحة التي تعكس مراحل حياة يسوع على الأرض. في صلاة المسبحة نكرّم والدة الله يسوع المسيح ونتأمّل في كلمته الحيّة أي الإنجيل المقدّس. فتكريم مريم العذراء هو الطريق إلى يسوع وإلى فهم الكتاب المقدّس وعيشه لأن مريم هي القوّة والدعم اللّذان نحتاجهما في حياتنا الروحيّة، وهي القناة التي تتدّفق من خلالها نِعَمُ الروح القدس. في هذا، يقول البابا بنديكتوس السادس عشر، “لقد كان دائمًا بيّنًا وبديهيًّا أنه لا يمكن أن يكون للكاثوليكية وجود من دون تكريم مريميّ، بما معناه أن نكون كاثوليكيّين هو أن نكون مريميّين، وهذا يعني حبّ الأمّ القدّيسة، وأنه في الأمّ وبواسطة الأمّ نجد الربّ”.

أرى أن تعويد الطفل، الذي يتراوح سنّه بين سنتين وخمس سنوات، على الصلاة يبدأ بتعليمه صلاة التبشير الملائكيّ كل يوم صباحًا في البيت عندما يستيقظ ويتناول فطوره ويبدأ يومه وقبل الذهاب إلى المدرسة.

 لماذا التبشير الملائكيّ؟ (كيفيّة صلاة التبشير الملائكيّ موجودة في آخر المقال) لأن التبشير الملائكيّ صلاة قصيرة وبسيطة لا ترهق الطفل فينفُر منها، لكنها في الوقت نفسه، عميقة ومهمّة جدًّا إذ تختصر مشروع الله الخلاصيّ الذي تمّ من خلال مريم: بشرّها الملاك، قالت نعم؛ حلّ عليها الروح القدس فتجسّدت كلمة الله في أحشائها؛ ولد الكلمة الذي صار بشرًا وسكن بيننا؛ كما إنها تهيّء الطفل لتعلّم صلاة المسبحة.

يجب إقران التبشير الملائكيّ لاحقًا بقراءة من إنجيل لوقا الفصل الأول الذي ترتكز عليه أسرار الفرح، بالطبع بحسب سنّ الطفل أي ثلاث سنوات وما فوق؛ هذه القراءة يجب أن تتمّ بطريقة مبسّطة وبشكل قصّة كي يتمكّن الطفل من استيعابها. فنقرأ عن بشارة العذراء، زيارتها لأليصابات، وولادة يسوع. كما يمكننا أن نقرأ عن بشارة زكريا وولادة يوحنا المعمدان. عندما نقرأ بشارة العذراء يجب أن نركّز على الكلمات التي قالها لها الملاك جبرائيل، “إفْرَحِي أيَّتُها المُمْتَلِئَةُ نِعْمَةً، الرَّبُّ مَعَكِ” (لوقا 1: 28)، وهي الكلمات التي نستخدمها في صلاة المسبحة عندما نردّد السلام عليكِ. وعند قراءة إنجيل زيارة العذراء لأليصابات من المهم أن نركّز كيف هتفت حين رأتها “مُبَارَكةٌ أنْتِ في النِّسَاء! ومُبَارَكةٌ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ!” (لوقا 1: 42 )، وكيف أن الجنين “ارتَكَضَ

ابتِهاجًا في أحْشائِها” (لوقا 1: 41 ) لأنها امتلأت من الروح القدس. فكلمات أليصابات لمريم هي التي نستخدمها في صلاة المسبحة عندما نردّد مباركةٌ أنتِ في النساء ومباركةٌ ثَمرةُ بطنِك سيِّدُنا يسوعُ المسيح. وهكذا يفهم الطفل أن هذه الصلاة مُستمَدّة من الإنجيل.

وهنا لا بدّ أن ألفت النظر إلى أنه يجب تلاوة صلاة “السلام عليك” بطريقة لُغويّة صحيحة وربطها بما يتعلّمه الطفل في المدرسة، أي اللّغة العربيّة الفصحى وهذا يعزّز لغة الطفل والمادّة التي يتعلّمها كما أنه يعزّز الثقافة الإيمانيّة والفكريّة. (الأطفال الذين في سنّ الست سنوات وما فوق).

سيعترض البعض بالقول أن الأطفال صغار جدًا ولا يمكنهم فهم أو تعلّم هذه الأمور. الأطفال قادرون على بناء علاقة وطيدة مع الله أفضل منّا بكثير، شرط أن يُقادوا في الطريق الصحيح وأن تُحترَم براءتهم دون تدخلّ منا سواء بالهزء أو الضحك أو المنع، وهذا ما يحصل غالبًا في البيت وفي المدرسة وهو أمر خطير وغير مقبول.

كما يجب أن نفهم جيدًا أن للأطفال قدرة تفوق قدرة الكبار على فهم الأمور الروحيّة فهم يتفاعلون معها بنقاء وصفاء روحيّ. قال الرب يسوع: “إِنْ لَمْ تَعُودُوا فَتَصِيرُوا مِثْلَ الأَطْفَال، لَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَات” (متى، 1:18-5) وبهذا يعني الطفولة الروحيّة؛ إن لم تجعلوا قلوبكم نقيّة ونواياكم صافية مثل الأطفال، لن تعرفوا التواضع ولن تتمكّنوا من فهم الملكوت والوصول إليه.

وقال أيضًا،“دعُوا الأطفالَ يأْتُونَ إليَّ ولا تَمنَعوهُم، لأنَّ لأمثالِ هؤلاءِ مَلكوتَ السَّماواتِ”. (متى 19: 13-14بهذا يريد السيد المسيح أن يبيّن لنا مدى أهميّة الأطفال لأن الأطفال متواضعون خدومون ويغفرون الإساءة ببراءة كليّة.

يبيّن لنا هذا كم أنه من الضروري ترسيخ  تلك العلاقة مع الرّب وبناء ذلك الإيمان على أسس ثقافية دينيّة وروحيّة صحيحة وملائمة تكون مترابطة لكي تستمرّ في المستقبل وتترسّخ في نفسهم. وأيضًا، لكي لا نحرمهم هذه العلاقة وهذه العفويّة وهذا الحبّ والرباط القويّ مع الربّ. الكبار وحدهم مسؤولون عن كسر هذا الرباط وعن فقدانه عند الأطفال لأنهم يُهملونه ويلتفتون إلى أمور دنيوية عابرة ويولونها اهتمامًا كاملًا. وهذه مسؤولية كبيرة سنُحاسب عليه. ماذا سنقول للربّ الديّان عندما نقف أمامه في الآخرة، “متأسفين ما كنا فاضيين أو كانت الموضة أهم بوقتها؟”

علينا أن ننتبه جيّدًا ألّا نرهق الطفل بالصلوات وبعدم جعل الصلاة واجبًا أو بالإكراه، وإنما أمرًا طبيعيًّا وجزءًا من حياتنا، فعندما يتعلّم صلاة المسبحة يكون بيتًا واحدًا من المسبحة كافيًا (إلّا إذا أراد هو المزيد). ومن المهم جدًّا عدم ترداد كلمات فارغة من أي مضمون لاهوتي أو روحي مثل “يسوع بيزعل منك” وتخويفه بجهنم. وإنما التشديد على أن الرّبّ حنون ورحوم، وتعليم الطفل احترام دينه وإلهه وحبّه بوعي وليس بسخافة بيزعل منك على أتفه الأمور. نحن لا نريد أن نربّي عقدة ذنب عند الطفل وإنما عقيدة دينيّة إيمانيّة صحيحة وواعية.

إن الأطفال في سنّ صغيرة جدًا يجب أن يشهدوا على هذه الأمور ويتشاركوا بها مع ذويهم وأهل بيتهم أو أحد افراد عائلتهم. كما أن على الأمّ، باعتبار أنها الشخص الملازم للطفل في أغلب الأحيان، أن لا تكفّ عن التكلّم عن الربّ مع الطفل، طبعًا بطريقة سهلة وواعية وجدّية وقصيرة لكن دائمة. بدل أن تترك الأمّ الطفل أمام التلفاز لفترة طويلة، يمكنها أن تكلّمه عن الرب وأن تختار كتبًا وأفلامًا كرتونيّة قصيرة تنمّي حسّه الروحي وتعرّفه على ربّه وعلى الصلاة والإنجيل المقدّس وتبني علاقة بينه وبين إلهه. أما التحجّج بصغر سنّ الطفل ما هو إلا هروب من المسؤولية أو جهل أو تكاسل أو تهاون. لا يمكننا أن نربّي الطفل على أساس إيمانيّ سطحيّ ومن ثمّ عندما يصبح مراهقًا نطلب منه إظهار إيمان ووعي وفهم للأمور الدينيّة ولشخص يسوع المسيح الإله الحيّ ولكلمته الحيّة التي هي الإنجيل. ولا يمكننا أن نربّي أطفالًا غير مسلّحين وغير محميّين بقوة الإيمان ومحبّة الرّبّ والعمق النفسي الذي ينتج عنهما، فينطلقوا في المجتمع غير مهتمّين إلّا بأنفسهم وبالأمور الماديّة العابرة. بالإضافة إلى ذلك، نعلم جيدًا أن الطفل في رعايانا يقبل سرّ الإفخارستيّا عند بلوغه الثامنة مما يعني أنه يجب أن يكون مستعدًّا. وهل يمكن اعتبار شهرين أو ثلاثة أو حتى سنة مدّة كافية لتحضير الطفل لهذا السرّ العظيم؟

صلاة التبشير الملائكيّ:

– ملاكُ الربِّ بشَّر سيدَتَنا مريمَ العذراء.

– فحَبِلَت من الروحِ القدس.

السلامُ عليكِ يا مريم، يا مُمْتَلِئَةً نِعمَةً. الرّبّ مَعكِ، مُبارَكَةٌ أنتِ في النّساء ومُبارَكَةٌ ثمَرَةُ بَطْنِكِ، سيِّدُنَا يسوعُ المسيح. يا قدّيسة مريم، يا والدةَ الله، صلّي لأجلِنا نحنُ الخَطَأة الآن وفي ساعةِ موتِنا. آمين.

– قالت مريم للملاك: ها أنا أمةُ الرّبّ.

– فليكُنْ لي بحَسَبِ قولِك.

السلامُ عليكِ يا مريم…))

– الكلمةُ صار جسدًا

– وحلَّ فينا.

السلامُ عليكِ يا مريم…))

تضرّعي لأجلنا يا والدةَ اللهِ القدّيسة

لكي نستحقّ مواعِدَ المسيح.

صلاة: نسألك أللهمّ، أن تُهطل نعمتك على عقولنا، حتّى أنّنا نحن الذين عرفنا، تجسّد المسيح إبنك ببشارة الملاك، نبلغ بواسطة آلامه وصليبه، إلى مجد القيامة بالمسيح ربّنا. آمين.

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

Tags:
صلاة
صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
priest in Greece
هيثم الشاعر
تركيا تلقي القبض على راهب سرياني أرثوذكسي وال...
هيثم الشاعر
بالفيديو: لحظات صادمة حاول فيها مخرّب نزع صلي...
ماريا لوزانو
لبنان: "الراهبات في بيروت شهادة حيّة للمسيح ع...
Igreja em Pearl River tem altar profanado
أليتيا
كاهن وامرأتان يرتكبون أفعالًا مشينة على المذب...
أليتيا
خاص عبر "أليتيا العربيّة"… رسالة رجاء من القد...
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
JACOB BARNETT
دولوريس ماسوت
قالوا انه لن يُجيد سوى ربط حذائه وها هو اليوم...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً