أليتيا

ترى مَن بلا خطيئة ولا يحتاج الى توبة؟!

PRAYER
Suzanne Tucker|Shutterstock
مشاركة

أما زلنا نتذكّر نداء الرّبّ:

“فَإِذَا تَوَاضَعَ شَعْبِي الَّذِينَ دُعِيَ اسْمِي عَلَيْهِمْ وَصَلَّوْا وَطَلَبُوا وَجْهِي، وَرَجَعُوا عَنْ طُرُقِهِمِ الرَّدِيةِ فَإِنَّنِي أَسْمَعُ مِنَ السَّمَاءِ وَأَغْفِرُ خَطِيَّتَهُمْ وَأُبْرِئُ أَرْضَهُمْ.” (2 أخ 7: 14)

 

في المقالتين السابقتين تكلّمنا عن أهميّة التواضع والصلاة في حياة الانسان المسيحي المؤمن واللتين نجد فيهما انتصار على التّجارب، خدمة الآخرين ومحبتهم، راحة وتجديد روحي، وسيلة اتصال ومصالحة، قوّة لمحاربة التّجارب، وفيهما تحقيق المعجزات وعظمة وتسليم كلّي للعناية الإلهية. واليوم نتحدّث عن التوبة، عن اعتراف الانسان بأخطائه والرجوع عنها وأهميتها في حياة الانسان المؤمن.

 

ترى مَن بلا خطيئة ولا يحتاج الى توبة؟!

هل هو كيفا أي بطرس، صخرة الايمان المسيحي الذي أنكر الرّبّ يسوع ثلاث مرّات؟ أم بولس الذي اضطهد المسيحيين وكان راضيًا برجم اسْتِفَانُوس رئيس الشمامسة وأوّل الشهداء؟

هل إنه أنطونيوس الذي كاد أن يقع في التكبُّر، إذ ناشد ربَّه قائلًا: مَن أعظم منّي، يصوم ويصلّي لكَ أيّها الرّبُّ القدّوس؟! أم هو أوغسطينوس الذي عاش في شبابه مستهترًا ميالاً للكسل واللهو وارتكاب الشّرور؟!

فلا أحد يا اخوتي بلا خطيئة سوى ربنا والهنا يسوع المسيح. ولكن ما يميّز بطرس، وبولس وانطونيوس وأوغسطينوس وأي قدّيس آخر هو اعتراف كل واحد منهم، في مرحلة من حياته، أنه أخطأ وأعوزه مجد الله. فلا بد أن نعترف أننا جميعنا أخطأنا وأعوزنا مجد الله (روم 3: 23)

اليوم وأكثر من أي وقت مضى، وفي ظل تعدد العلوم والايديولوجيات والمفاهيم الغريبة عن تعاليم كنيستنا، وأمام تعاليم ابليس المهلكة عن موت الله! أو حتى فكرة عدم وجوده!، علينا أن ندرك من جديد أننا أبناء الله وقد دعينا على اسمه وأننا محبوبون على الرّغم من أخطائنا! فالرّبّ لا يحبُّنا لأنّنا أحببناه أولاً. لقد أحبّنا حتى عندما كنّا نسيرُ مبتعدين عنه!

“اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا.” (رو 5: 8)

 

ولكن لا يمكننا أن نستغلّ رحمة الله بأن نفعل ما “يحلو” لنا ونقول:

“يَا نَفْسُ لَكِ خَيْرَاتٌ كَثِيرَةٌ، مَوْضُوعَةٌ لِسِنِينَ كَثِيرَةٍ. اِسْتَرِيحِي وَكُلِي وَاشْرَبِي وَافْرَحِي!

يَاغَبِيُّ! هذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ، فَهذِهِ الَّتِي أَعْدَدْتَهَا لِمَنْ تَكُونُ؟ هكَذَا الَّذِي يَكْنِزُ لِنَفْسِهِ وَلَيْسَ هُوَ غَنِيًّا باللهِ” (لو 12: 16-21) .

 

1-   في أن في التوبة رحمة الله

“وَسَمِعَا (آدم وحواء) صَوْتَ الرَّبِّ الإِلهِ مَاشِيًا فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ، فَاخْتَبَأَ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإِلهِ فِي وَسَطِ شَجَرِ الْجَنَّةِ فَنَادَى الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَقَالَ لَهُ: أَيْنَ أَنْتَ؟

فَقَالَ: سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ، لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ.” (تك 3: 8-10)

الله يعلم بكل شيء، لكنه يحترم حريّة الانسان ويشجّعه على الاعتراف والتوبة، لذلك نسمعه يسأل آدم: ” أَيْنَ أَنْتَ؟”، “مَنْ أَعْلَمَكَ أَنَّكَ عُرْيَانٌ؟” ثم سأل حواء “مَا هذَا الَّذِي فَعَلْتِ؟” (تك 3: 9 و11 و13). نلاحظ أن الخطيئة تعرّي الانسان من إنسانيته وتبعده عن خالقه وتُدخل في نفسه الخوف “سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ، لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ.” ولكن بالمقابل نرى رحمة الله الواسعة تغمر من جديد آدم وحواء لما اعترفا بخطئهما “وَصَنَعَ الرَّبُّ الإِلهُ لآدَمَ وَامْرَأَتِهِ أَقْمِصَةً مِنْ جِلْدٍ وَأَلْبَسَهُمَا” (تك 3: 21).

 

2-   في أن في التوبة فرح وحياة

“أَخْرِجُوا الْحُلَّةَ الأُولَى وَأَلْبِسُوهُ، وَاجْعَلُوا خَاتَمًا فِي يَدِهِ، وَحِذَاءً فِي رِجْلَيْهِ، وَقَدِّمُوا الْعِجْلَ الْمُسَمَّنَ وَاذْبَحُوهُ فَنَأْكُلَ وَنَفْرَحَ، لأَنَّ ابْنِي هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ، وَكَانَ ضَالاًّ فَوُجِدَ. “ (لو 15: 22-24).

“أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ هكَذَا يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارًّا لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ.” (لو 15: 7).

الرّبّ يفرح بالإنسان التائب والذي بتواضع يعترف بأخطائه. اذًا فلنتعلّم كيف نلتجئ اليه:

“يَا أَبِي، أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ، وَلَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا.

اِجْعَلْنِي كَأَحَدِ أَجْرَاكَ.  (لو 15: 18-19)

 

3-   في أن في التوبة خلاص

جاء يسوع للخطأة والمضلّين وليس للأصحّاء: “لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ” (لو 19: 10).

كان يُعتبر زكا العشار أنه رجل خاطئ ولما ناداه يسوع “يَا زَكَّا، أَسْرِعْ وَانْزِلْ، لأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَمْكُثَ الْيَوْمَ فِي بَيْتِكَ” (لو 19: 5) يقول لنا الكتاب المقدّس أن الجميع تذمروا من تصرّف يسوع قائلين “إِنَّهُ دَخَلَ لِيَبِيتَ عِنْدَ رَجُل خَاطِئٍ” (لو 19: 7). لكن ما قام به يسوع هو لكي يعلّمنا ألا ندين الخطأة بل أن نتحنّن عليهم وندعوهم الى التوبة لكي نجعل خلاصهم ممكنا. ولقراءتنا النص نُدرك أن قبول زكا دخول المسيح الى بيته هو دليل على اعترافه بأن يسوع هو المخلّص بحيث كان مشتاق لرؤيته ومستعدًّا لقبول وصاياه “فركض متقدمًا وصعد إلى جميزة لكي يراه” (لو 19: 4) ثم نسمعه يقول: “هَا أَنَا يَا رَبُّ أُعْطِي نِصْفَ أَمْوَالِي لِلْمَسَاكِينِ، وَإِنْ كُنْتُ قَدْ وَشَيْتُ بِأَحَدٍ أَرُدُّ أَرْبَعَةَ أَضْعَافٍ” (لو 19: 8). وهذا دليل أيضًا على أن زكا أراد أن يقوم بأعمال محبة وصدقة ويكفّر عن ذنوبه – فندرك نحن أيضًا أن الصدقة “ما بعمرها فقّرت عاطيها” – فما كان من يسوع الا أن غفر له: “الْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهذَا الْبَيْتِ…” (لو 19: 9)

 

اذ، “لَيْسَتْ مَشِيئَةً أَمَامَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ “. (متى 18: 14)

4-   في أن في التوبة شفاء

يَا سَيِّدُ، لاَ تَتْعَبْ. لأَنِّي لَسْتُ مُسْتَحِقًّا أَنْ تَدْخُلَ تَحْتَ سَقْفِي. لِذلِكَ لَمْ أَحْسِبْ نَفْسِي أَهْلًا أَنْ آتِيَ إِلَيْكَ. لكِنْ قُلْ كَلِمَةً فَيَبْرَأَ ولدي” (لو 7: 6-7).

يعترف قائد المئة عن عدم استحقاقه أن يأت الرّبّ يسوع الى بيته ولا حتى أن يذهب هو اليه، ولكن يعلن عن إيمانه بأن يسوع قادر أن يغفر له خطاياه ويشفي ابنه. فيعلّمنا بذلك ألا نخاف أن نطلب من الله الشفاء ولو كنا نعيش تحت ثقل الخطيئة. المطلوب أن نعترف بأخطائنا ونصدّق أن الرّبّ يريد أن يسامحنا وقادر أن يشفينا. الرّبّ يسوع يقول لنا اليوم أيضًا:

“تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ.” (مت 11: 28)

كما ونلاحظ أيضًا في معافاة المخلّع أن التوبة ومغفرة الخطايا أساس للشفاء. فالشفاء الرّوحي أولاً ثم يأت الشفاء الجسدي.

“يا بُنَيَّ، مَغفورَةٌ لكَ خطاياكَ. قُمْ واحمِلْ سريرَكَ واذهَبْ إلَى بَيتِكَ! (مر 2: 5 و11).

 

5-   في أن في التوبة ربح الملكوت

الرّبّ يسوع صُلِبَ ومات وقام من أجل خطايانا وفي كل مرّة أنظر الى يسوع المعلّق على الصليب، أتذكر الحديث الذي دار بين اللّصَّين وكيف أن أحدهما خطف في لحظة حياة أبدية مع الرّبّ!

“َكَانَ وَاحِدٌ مِنَ الْمُذْنِبَيْنِ الْمُعَلَّقَيْنِ يُجَدِّفُ عَلَيْهِ قَائِلًا: “إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمَسِيحَ، فَخَلِّصْ نَفْسَكَ وَإِيَّانَا!” (لو 23: 39)

فَأجَابَ الآخَرُ وَانْتَهَرَهُ قَائِلًا: “أَوَلاَ أَنْتَ تَخَافُ اللهَ، إِذْ أَنْتَ تَحْتَ هذَا الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ؟ أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْل، لأَنَّنَا نَنَالُ اسْتِحْقَاقَ مَا فَعَلْنَا، وَأَمَّا هذَا فَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ. ثُمَّ قَالَ لِيَسُوعَ: “اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ. (لو 23: 40-42)

ديماس، اسم ذلك اللّص الذي اعترف بخطاياه من على الصليب “ أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْل، لأَنَّنَا نَنَالُ اسْتِحْقَاقَ مَا فَعَلْنَا ” – لكي يشجعنا نحن أيضًا على الاعتراف بخطايانا – وليس هذا فقط بل اعترف بيسوع أنّه المسيح الرّبّ الملك والمخلّص “اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ.

وجواب يسوع لديماس يبرهن لنا عن رحمة الله الواسعة التي تغمر كل خاطئ يتوب ويعترف بيسوع مخلّصًا له فينال النصيب الأفضل: “الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ” (لو 23: 43).

 

نعم ان في التوبة ربح عظيم

إذا كان في الخطيئة موت فبالتوبة قيامة. فلا تخف، أخي المؤمن، من خطيئتك انما أمقطها واعترف بها واطلب من الرّبّ أن يغفر لك. ما من خطيئة لا يستطيع الرّبّ أن يغفرها. تشجّع وردّد كل يوم كلمات المزمور 51:

 

ارحمني يا الله، كعظيم رحمتك، وكمثل رأفتك، أمح مآثمي. اغسلني كثيرا من اثمي، ومن خطيئتي طهرني، لأني أنا عارف بآثامي، لك وحدك خطئت والشر قدامك صنعت يا الله. ارحمني يا الله”.

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

النشرة
تسلم Aleteia يومياً