أليتيا

الآباتي بولس نعمان: لبنان، إبن المارونية الوحيد

lebinvestigate
مشاركة

“إذا هجر الموارنة لبنان، فلن تبقى لهم هوية، ومعهم تزول الحضارة في الشرق”

نستعيد هذه المقابلة مع الاباتي بولس نعمان بمناسبة ١٦٠٠ سنة على وفاة مار مارون، هي مناسبة تجديد قوى الكنيسة المارونية.

هو الرئيس العام الأسبق للرهبانيّة اللبنانية المارونية التي طبعت صفحات القداسة في تاريخ لبنان والشرق، وأصبح رهبانها مثالاً يحتذى به، وقنّوبين حتّى اللحظة تحكي قصّة نساكها وتقواهم

عايش فترات صعبة من تاريخ لبنان، وهو اليوم يقضي وقته في جامعة الروح القدس في الكسليك بين كتب التاريخ واللاهوت وغيرها ليستقي إضافة إلى تجربته، خبرة ونضجاً قلّ اليوم نظيرهما، وهو شعلة مضاءة في تاريخ الموارنة وقدوة للجيل الجديد من الرهبان والكهنة

مقابلة أجراها هيثم الشاعر مع قدس الأباتي، في مناسبة 1600 سنة على وفاة مارمارون، يعرضها موقعنا في مناسبة اقتراب عيد شفيع الطائفة المارونية في لبنان، وتبقى كلمات الآباتي، صلاة يجب المحافظة عليها وعلى الموارنة في لبنان التأمّل بكلماتها والارتكاز عليها

١٦٠٠ سنة على وفاة مارمارون، كيف قرأتم الاحتفال بالمناسبة في روما، ماذا تعني هذه السنون للموارنة؟

مناسبة ١٦٠٠ سنة على وفاة مارمارون، هي مناسبة تجديد قوى الكنيسة المارونية في أداء رسالتها. فالكنيسة لم تقم بهذا الاحتفال ولم يرفع تمثال مارمارون فقط للتاريخ أو لإعلان استقالتنا كموارنة من العمل التحريري في الشرق، إنما للنهوض من جديد وإعلان عزمنا على خدمة الكنيسة الشرقية عموماً. هذا العمل الذي حصل في روما يرتّب علينا مسؤوليات جساما جديدة

بماذا تميّز تاريخ الموارنة عن غيرهم من شعوب المنطقة، وبماذا عبقت هذه السنون الطوال؟

ألطريق الذي تسلكه الشعوب العربيّة المشرقيّة بنوع خاص ضدّ العنصريات والديكتاتوريات والحكم الفردي في سبيل الحصول على الديمقراطية، سبق أن سلكه الموارنة منذ ألف سنة تقريباً، لكن من دون عنف وقتال ودماء بل بالمحبة والخدمة والصبر على المحن، وبالعمل الحثيث مع مكوّنات المجتمع اللبناني كافّة. وقد عبّر عن هذه الحقبة الكاتب كمال الصليبي بوصف رائع في بحثه عن الموارنة إذ قال: لقد تمكّنوا وهم الشعب الصغير، من المحافظة على هويتهم التاريخية عن طريق الثبات في الموقف والكفاح المستمر مع الغير، والوفاء لمن أظهر نحوهم التفهّم والعطف، كما تمكّنوا من المحافظة على حق الانسان في الحرية، حريّة كل انسان والعيش الكريم، ومن المساهمة في خلق وطن يضمن هذا الحق لأبنائه. ألجمهورية التي تجمع اللبنانيين اليوم، تستمر عن وعي في حمل الرسالة التي حملها الموارنة في الماضي تلقائياً

فالشعب الماروني، شعب بسيط يحب الحرية والآخر، يعرف الاختلاط مع الغير، وجاءت نبوءة الصليبي تأكيداً على دور الموارنة هذا: “تأتي ظروف تسمح للبنانيين بأن ينقلوا هذه الرسالة إلى غيرهم”، فما يحدث في العالم العربي، عشناه منذ ألف سنة من دون ثورات. طالبنا بالحرية بالحرية والتعددية والديمقراطية وحصلنا عليها، وبنينا لنا ولغيرنا وطناً يعشق ممارسة هذه القيم الانسانية

إذا أردنا الدخول في صميم التحديات المقبلة على الموارنة، كيف تصف هذه التحديات وكيف نواجهها؟

الموارنة هجروا الجبل وتركوا المعقل وعملوا في المدينة، وفي حال لم يتوافر مورد رزقهم في المدينة، هم يسافرون بحثاً عن لقمة العيش خارجاً. هذه الهجرة المارونية ليست وليدة الاضطهاد وحده، إنما هي وليدة شحّ الوظيفة، وهذه الهجرة قديمة وليست حديثة. لم يسمح لنا ببناء الوطن على أسس متينة لخلق فرص عمل في الجبل والوسط، فازدهار لبنان وبقاء أبناء الجبل والوسط حصلا من خلال الزراعة وتربية دود القزّ والمتاجرة بالحرير

إذاً الأرض هي رمز الصمود الاقتصادي، والموارنة جلّلوا الأرض وزرعوها للبقاء فيها؟

صحيح، وللأسف لا نرى اليوم رجل دولة يعيدنا إلى الوسط والجبل، و”الماروني شجرة سنديان إذا اقتلعتها من جذورها ماتت”. قلت يوماً للمغتربين وهم فرحون ومرتاحون يفاخرون بمارونيتهم ولبنان، إنّه إذا زال لبنان أو موارنته فيه معاذ الله، فلا قيمة لكم في الاغتراب. قيمتكم هي ببقاء هذا الوطن الرسالة، بقاء المؤسسات، مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية التي تتعدّى نطاق الفرد وبناء خطة عمل واضحة عملية لتثبيت الحضور المسيحي وتجذيره في الأرض اللبنانية

التعاون مع اصحاب الشأن والمال في لبنان والانتشار لإقامة مشاريع انتاجية تثبّت اللبناني في أرضه، ولا بد من بناء مؤسسات منتجة في الجبل لتثبيت الماروني في أرضه عبر مواكبة العصر وإقامة مشاريع انتاجية لاستعادة المجتمع الريفي بطريقة متقدمة بواسطة الاختراعات التي أعطانا إياها الرب والعقل الانساني. فالمارونية كما المسيحية المشرقية من دون الارتباط بالأرض تبقى دائماً مهددة بالزوال، والثبات هو عن طريق إيجاد العمل، وعندها لا شيء يدفع المسيحي والماروني إلى الهجرة

لكن المسؤولية لا تلقى على الموارنة فقط، إنما هي مسؤولية الدولة بكامل طاقاتها، اليس كذلك؟

لا شكّ في أنّ هذا الشأن هو شأن الدول طبعاً، لكن على الموارنة التأثير على الدولة والتعاون معها ومساعدتها، وهم يتميزون عن الدولة بشيئين

الأهداف الروحية التي تحرّكهم للثبات في أرضهم

الأرض التي هي الجزء الاساسي من الاقتصاد، لكن نريد المشاريع لنقدّم الأرض. هذه الأرض التي يجب المحافظة عليها وعدم بيعها، لأنها ستصل الى يد أخرى، ونحن محرّم علينا بيع الأرض.

إلى جانب التحدّي الاقتصادي، ما هي التحديات الأخرى التي يمكن أن تواجه الموارنة أيضاً؟

إنّ وضع الموارنة الديموغرافي مهدد، وعلينا وضع خطّة ديموغرافية عملية تعزز نمو العائلات وتدعهما وترفع عن كاهلها أثقال المسكن والتربية، كي لا يتهيّب ابناء الطائفة انجاب الأولاد

هل تطلبون عودة المغتربين إلى لبنان بشكل دائم كي يترسّخ النمو الديموغرافي؟

نحن في حاجة إلى تحويل وجهة رسالتنا من الغرب إلى الشرق، فقد جهدنا كفاية مع المغتربين وسنبقى، لكن علينا تحويل بعض هذا النشاط المؤسساتي إلى إخوتنا المسيحيين في الدول العربيّة والافريقية الذين يحتاجون إلى معنويّات، وهذ ما تقوم به الرهبانيّة اللبنانية المارونية حين تساعد إخوتنا الكلدان في العراق.

هل أنتم مع بقاء لبنان عاصمة للموارنة في العالم؟

الموارنة لديهم ولد وحيد اسمه لبنان، وعليهم المحافظة عليه قبل كلّ شيء. فإذا هجر الموارنة لبنان، فلن تبقى لهم هوية، ومعهم تزول الحضارة في الشرق. وبنيان لبنان قام على عاتق البطريركية المارونية وعليها الحفاظ عليه.

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

النشرة
تسلم Aleteia يومياً