أليتيا

عظة عيد الميلاد لسيادة المطران مار بشار متي وردة في عنكاوا

مشاركة

قداس عيد الميلاد الاحتفالي في كاتدرائية ماريوسف الكلدانية في عنكاوا

عشية عيد ميلاد مخلصنا يسوع المسيح ترأس مساء  الثلاثاء 24 كانون الاول 2019 سيادة المطران مار بشار متي وردة رئيس أساقفة أبرشية أربيل الكدانية القداس الاحتفالي في كاتدرائية ماريوسف الكلدانية في عنكاوا بمعية الاباء الكهنة والشمامسة وجوق الكاتدرائية وسط حضور رسمي وشعبي كبيرأمحتفلين بولادة ربنا يسوع المسيح .

عظة عيد الميلاد لسيادة المطران مار بشار متي وردة بحسب ما نقلها موقع عنكاوا

“وإِلَيكُم هذِهِ العَلامة: سَتَجِدونَ طِفلاً مُقَمَّطاً مُضجَعاً في مِذوَد”

الميلاد: البساطة والتواضع والفرح

يدعونا الله الآب إلى لقائه أمامَ مذودٍ في إسطبلٍ للحيواناتِ، في مشهد فقير وبسيط ومتواضعٍ، فيبعث فينا سلاماً وفرحاً، إذ قرر أن يزورنا ويحّل بيننا طفلاً يتطلّع إلى محبتنا وقبولنا وأحضاننا، ليُعلّمنا كيف لنا أن نقبل واحدنا الآخر من دونِ خوفٍ، نقبلهُ إنساناً بحاجةٍ إلى محبتنا ونُقدِم له ما هو بحاجةٍ إليه من العطف واللطف والود والمحبّة. ففي تجسدّه وميلاده رسالة وتعليم وتوجيه، لأننا نتعرّف على عُمق محبته لنا، وفرحهُ في أن يكون معنا، من دون أن يطلُب منّا شيئاً، فقط أن يكون معنا لأنهُ يُحبنا، وأن يكون هذا الحب الذي يجمعه بنا دعوة لقبول الآخر بالمحبّة التي أحبنا هو بها، فننضم إلى عائلتهِ التي تجمع كلَّ مَن يؤمِن بيسوع المسيح، مُخلّص العالم مثلما أعلنت الملائكةُ اليوم.

“سَتَجِدونَ طِفلاً مُقَمَّطاً مُضجَعاً في مِذوَد”، ما أهميةُ هذه العلامة؟

هي علامةٌ مميزة، فالأقماط كانت مُستخدمةً، ولكن أن يكون المذود مهداً للرضيع فهذا أمرٌ غير متوقَع، وهو يُشيرُ إلى فقرِ العائلة التي لم تجد لها مكاناً للمبيت والسُكنى، ولم تحظى بالإستقبالِ في ظرفِ الولادة التي اختبرتها مريم، فلجأت إلى حظيرة للحيوانات لتقضي الليل هناك، وحينما وُلدَ الطفل قُمّطتهُ مريم بالأقماط التي هيأتها لهذه الولادة، ووضعتهُ في مذودٍ حيث يضعون العلفَ للحيونات. وفسّر آباء الكنيسة على نحو رائع دلالةَ هذا المذود، وهو مكان علفِ الحيواناتٍ، الذي يُشير إلى رغبة ربنا يسوع المسيح في أن يُقدِم ذاتهُ طعاماً، فهو الخبز الحي النازل من السموات. كما هو يُشير أيضاً إلى حضورِ طفلٍ ينتظر محبةّ الآخر وقبولهِ له بلطفٍ.
هنا نسأل: هل الله بحاجةٍ إلينا حتّى يأتينا طفلاً فقيراً؟ أليسَ الله كاملاً، فما الذي يحتاجهُ من الإنسان؟ أوليسَ لديهِ ملائكةٌ يمجدونه بصدقٍ فما الذي سيُضيفُه تمجيد الإنسان لنشيد الملائكة له؟ لماذا اختارَ الله أن يزورنا اليوم ويكون معنا ويرافقنا عارفاً أننا بشرٌ يُخطئ ويُسيءُ إليه؟

“سَتَجِدونَ طِفلاً مُقَمَّطاً مُضجَعاً في مِذوَد”، المذود هو علامةٌ تُشيرُ إلى الطفل الوليد، فالطفل هو المُهم في هذا اللقاء وليس العلامة، واختارَ الله أن يزورنا طفلاً يُحبَ ليبدأ معنا مسيرة إصلاح صورتهِ في الإنسان التي أُفسدَتَ بالخطيئة. الله الآب يُريد الإنسان، ويُريدهُ كلّهُ، فمثلما نحملُ الطفل الرضيع ونظمهُ إلى أحضاننا، ونُقربّهُ من قلوبنا ونحبهُ حباً برئياً وصادقاً، عارفينَ أنه ليس بمقدورهِ أن يُؤذينا أو حتّى أن يُعطي لنا ما نحن بحاجةٍ إليه، هكذا يُريد الله أن نقبلهُ ونُحبهُ من كل القلب والفكرِ والذهن والقوّة من دون أن نُفكّر ما الذي سيُقدمهُ لنا. إلهنا هو كاملٌ وليس بحاجةٍ إلى شيءٍ من الإنسان، ولكنهُ يُريد الإنسان كلّه، أن يكون مع الإنسان. لا يُريد من الإنسان شيئاً، ولن ينتظر من الإنسان الخاطئ والعنيد طاعةً كاملةً، بل يُريده كلّهُ، ويُريد أن يكون مع الإنسان. ومن أجل أن يقبل الإنسان هذا الحضور من دون خوفٍ، يأتيهِ طفلاً مُقمطاً ومُضطجعاً في مذودٍ.

يدعونا فقرُ مشهد الميلاد وبساطتهِ وتواضعهِ والذي ضمّ مريم ويوسف والطفل، يدعونا إلى التقرّب من هذه العائلة والجلوس معهم والحديث إليهم، ولذلك لم يتردد الرُعاة في ترك مواشيهم والذهاب للقاء الطفل المخلص ليكونوا مع العائلة مؤمنين أن الله الآب دعاهم، ويدعونا جميعاً من خلالهم، جميعاً لنكون أعضاء آمنين في عائلتهِ، نقف في حضرة هذا الطفل الفقير والمحبوب، فلا يخافُ واحدنا الآخر، وتكون مريمُ الخادمة الأمينة لتدبيره الإلهي ومعلمتنا في الإيمان، ومثل يوسف البار حُراساً على كلمتهِ، وتلامذة لربنا يسوع أخانا الذي يقودنا إلى أبيه مُصلين: “أبانا” الذي يُحبنا ومحبته تجذبنا إليه على الرُغم من خياناتنا وخطايانا. أن ندعوهم إلى أن يدخلوا بيوتنا ليكونوا معلمينَ لنا في الإيمان، فلا يكفي إكرامهم بل التتلمُذ لهم، فهم يستحقون هذه الدعوة لأنهم لم يحضوا بالاستقبال الذي كانوا يستحقون، وربّنا يسوع علمنا أن خيرَ فعلَ محبّة يكون لمَن ليس له الإمكانية والقدرة ليردَ لنا هذا الخير (لو 14: 12- 14)، بل يُسجَل لنا في سفرِ الحياة، أننا أظهرنا حُبَ الله المجاني، فهكذا هو الله معنا اليوم.

مشهدُ الميلاد هذا يدعونا إذاً إلى التفكير جدياً في دعوتنا المسيحية. فنحن مدعوون إلى الإنضمام إلى عائلة الله الذي بادَر إلى لقاءنا بالشكل الذي اختاره هو: طفلاً فقيراً ومتواضعاً مُضطجعاً في مذودِ، لا يُثيرُ المخاوف في نفوس الآخرين، بل يجذبنا إليه وسطَ عالم عنيفٍ بسبب صراعاتِ الإنسان مع أخيهِ الإنسان. لقاءٌ يُريد فيه الله أن يدعو الجميع القريبين والبعيدين، الرعاة والمجوس ليكونوا حولهُ ليتعرفوا عليه في بصمتٍ وإبتسامة صادقةٍ، وينطلقوا حاملين البُشرى السّارة التي زرعها لله في طفولتنا البريئة من خطايا التكبّر والحسد والمفاخرة، حيث كنّا نجتمعُ فيها جميعاً لنتقاسم فرح اللحظة الحاضرة. الفرح النابع من مقاسمةِ المحبة مع الآخر محتاجٌ إلى محبتنا، الشعور بأننا مهموّن بالنسة للاخر، والآخر مُتكلٌّ على محبتنا، وهو من الضعفِ بمكانةٍ بحيث يدعونا إلى أن نكون حُراساً على سلامةِ حياته وإنتعاشها.

فقرُ حدثُ ميلادِ ربّنا يسوع يدعونا إلى تبني موقف البساطة والتواصع والفرح في حياتنا، فمع أنَّ الملائكةَ أعلنت مجده في السماء، فتوجهت أنظار الرُعاة إليهم ليسمعوا نشيد الحمد: “المجد لله في العُلى وعلى الأرض السلام والرجاء الصالح لبني البشر”، إلا أن هذا التطلّع إلى الأعالي تبعهُ دعوة للقاء الطفل الفقير في بساطته وتواضعه وفرحهِ. فالتطلع إلى الأعالي يجب أن لا يُنسينا أهمية لقاء الآخرين ببساطة وتواضعٍ وفرحٍ، فالبركات والثروة والمناصب ستكون فرصة لنشهَد فيها لمحبّة الله لنا جميعاً، مؤمنين أنها ستزول، ويبقى ذكُرُ الصديق إلى الأبد، والصديق هو الذي له مخافةُ الله ويتعرّف على تدبير الله الأبوي لنا جميعاً، فيكون أخاً للجميع على مثال، بكرِنا، ربّنا يسوع المسيح، ويتعلّم مريم كيف يكون تلميذا مُطيعاً في خدمةِ تدبيره الإلهي، وحارساً أمينا على مثال يوسُف واثقاً أن الله سيرافقهُ بإرشادهِ في كل مراحل حياتهِ.

فلنتقدّم نحو طفل المغارة الحاضر ونقبل منه عطيّة الحياة الجديدة، شاكرين الله على محبتهِ الأمينة لنا، وحضوره معنا ليرافقنا المسيرة ويعلّمنا كيف لنا أن نثبُتَ في محبتهِ. هو حاضرٌ أمامنا اليوم طفلاً يُحبَ ويسألنا أن نقبلهُ بالود واللطفِ والمحبة فُنبدِع في عملِ الخير ونعكس جمال صورةِ الله فينا، ففي تواضعهِ هذا يقفَ أمامنا طفلاً محتاجاً لنا، وهذه روعةٌ المسيحية وجمالها: إلهنا، وهو الكامِل، يطلبُ منّا أن نكون له، فلا نسير الحياة نبحث ونُصارِع لُنكمِل حاجاتنا، بل نتعرفَ على حقيقةِ أنَّ هناك مَن هو بحاجةٍ إلينا، وهو يعرِف أننا قادرونَ على أن نهب له ما هو بحاجةٍ إليه، لأنه هو الذي خلقنا على صورتِ ومثالهِ (تك 1: 26)

نتقدّم إليه اليوم خاصّة حاملين ألمَ بلدنا وجراحه ليشفيهِ بمحبتهِ، ويمُس قلوب المتأملين بالرحمةِ ليعرفوا أنهم ليسوا منسيين، بل هم في صلاتنا. نُصلي إليه اليوم ويُشرِق بنوره الإلهي على كل الذين بيدهم السلطة والقرار يتوبوا إليه ويتعلّموا منه التواضع وروح الخدمةِ، فالله وهبَ لهم هذه المسؤولية من أجل إنعاشِ حياة الإنسان، كل إنسان، وهو يعرِف أنهم قادرون على ذلك إنّ آمنوا به وجعلوا أمنهم فيه وإتكالهم عليه، فهو الربُّ الإله.

لنُصلِ جميعاً أمام طفلِ المغارة ليعمَّ السلام القلوب والعقول ويُزيل المخاوف عنّا فنمُدَ يدَ السلامِ للجميع، فنحن أهلُ رضى الله، ومدعوون لنهتِفَ مع الملائكة: “الـمَجدُ للهِ في العُلى! والسَّلامُ في الأَرضِ لِلنَّاسِ فإنَّهم أَهْلُ رِضاه”.
في حدث ميلاد المسيح ربّنا يُرشدنا الله الآب إلى الطريق إلى الإنتماء إلى عائلتهِ، وإلى كيفية الثبات فيها من خلال المحبة الصادقة التي يكنّها الواحد للآخر، فنكون على مثال يوسُف حُرساً أمناء على حياة الآخر، ونحملهُ للعالمِ فرحاً. ففي هذا العالم الذي جعل “أوغسطس قيصر” إلهاً يُكرَم، إنموذجاً يُحتذى به، والذي يُسبب في العادة مآسٍ وصراعات وحروب، ويدفع الإنسان إلى التشبّث بكل الطرق والوسائل للحفاظ على حياتهِ، فيقطع التواصل مع الآخر، لأنه يخافهُ، فلا ثقة ولا طيبة بينهما، ولا خيرَ يُذكرَ في علاقتهما، فيظحى الإنسان عدوّا لأخيه الإنسان عوضاً ان يكون حارسا ًعلى حياتهِ. ولأنّ الله يُحبُ الإنسان وهبَ له الشريعة وأرسل له الأنبياء ليكونوا معه في هذه المسيرة ليتحرر من مخاوفه ويكون خيراً وطيّبا مثل الله، ولكنَّ مخاوف الإنسان تغلّبت عليه وتاهَ عن الله، فلم ييأس الله من الإنسان، ولم يحزن لأن الإنسان لم يتعلّم أن يكون صالحاً على الرُغم من أنه له الشريعة والأنبياء، بل صارَ قلقاً على مصيرنا، فزارنا اليوم ليبدأ معنا المسيرة طفلاً ويُعلّمنا كيف لنا أن نُحب ولا نخاف من الحب، وعندما نعرِف أن الله يُحبنا فلا يُمكن أن نكون سبب ألمه وإنزعاجهِ أبداً، فعندما يعرِف الإنسان عمقَ محبّة الله له، لن يكون سببَ ألمِ الله، لا خوفاً من أن يخسرَ إمتيازاتٍ أو مكافأتٍ، بل خوفاً من أن يخسَر هذه المحبّة.

ويأتي الميلاد هذا العام والبلاد تسير نحو مُستقبلِ مجهول، فالشعبٌ مُرهقٌ من جراء الصراعات والحروب والأزمات، وإنعدام الشعور بالآمان في نفوس المواطنين يجعل من الصعب التنبؤ إلى أين سيكون التوجه. لذا، ليس أمامنا اليوم سوى التأمل في بساطة مشهدِ الميلاد

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

النشرة
تسلم Aleteia يومياً