أخبار حياتية لزوادتك اليومية
إبدأ يومك بنشرة أليتيا! فقط ما تجدر قراءته
تسجل

لست مستعداً للتبرع؟

إليك خمس طرق يمكنك أن تساعد أليتيا من خلالها

  1. صلي من اجل فريقنا ونجاح مهمتنا
  2. تحدث عن أليتيا في رعيتك
  3. تقاسم مضمون أليتيا مع أصدقائك
  4. أوقف الـ ad blockers عندما تقرأ أليتيا
  5. تسجل في نشرتنا المجانية واقرأ المقالات يومياً

شكراً!
فريق أليتيا

تسجل

أليتيا

من الميلاد إلى الصلب…رجاء المشرق

مشاركة

نهجر من أراضينا تسلب ممتلكاتنا تسفك دمائنا ، وكأننا غرباء في هذا المشرق فيما نحن المشرق كله بعزه وحضارته

علمتنا المسيحية عبر تاريخها الطويل والشاق ، أن حياة الإنسان المؤمن هي بحد ذاتها انعكاس لحياة الناصري الثائر في كل مراحلها وتفاصيلها.

لم تعرف المسيحية أبداً لحظة استقرار، بل على العكس آلام وأحزان كانت عنوان لتاريخ شعوبنا في المنطقة ورحلة بحث عن موطن خال من العنف والفوضى.

فمنذ اللحظات الأولى بعد ولادة السيد المسيح بدأت مشقات العائلة المقدسة . لا أدري لماذا تحضر في مخيلتي كثيراً صورة  مسيرة يوسف النجار ومريم العذراء ومعهم طفل المغارة وهم يبتعدون عن بلدهم الأصلي ، و أكثر من ذلك حسب كلمات الانجيل لا فقط يبتعدون بل يهربون خوفاً من بطش هيرودس . ليجدوا السلام في مصر وهل كان سلامهم هناك دائم؟ كلا ! ولكنهم استمروا في رحلتهم التي أعادتهم لمواجهة المصاعب المقبلة والتي سوف تتوج بالصلب .

هذه إذاً هي رحلتنا في الحياة ، نسير في دروب لا نعرف نهايتها أين او كيف ستكون . ولكن عندما نؤمن بمشروع الله الخاص لكل واحد مننا نسير بخطى ثابته حتى لو كانت نهاية دروبنا الاستشهاد !

“نَوْحٌ وَبُكَاءٌ وَعَوِيلٌ كَثِيرٌ. رَاحِيلُ تَبْكِي عَلَى أَوْلاَدِهَا وَلاَ تُرِيدُ أَنْ تَتَعَزَّى

ان الأحداث التي نختبرها وأحياناً نكون نحن أبطالها في الحرب ، تجعلنا نصمت ونتأمل بعمق في صفحات التاريخ ونحن نعيش الحزن ونبحث عن رجاء يعزينا .

تارة نقتل في سورية ، وتارة في العراق وفلسطين وكل البلدان . نهجر من أراضينا تسلب ممتلكاتنا تسفك دمائنا ، وكأننا غرباء في هذا المشرق فيما نحن المشرق كله بعزه وحضارته .

ومن هذا البحث في صفحات التاريخ الأليم نتأمل في كلمات الانجيل ، فنحن لسنا سوى رسل وتلاميذ للمسيح ، والمسيح لنا هو المثال والقدوة في عالمٍ بات مظلم بسواد الحقد والكراهية .

تجسد المسيح وآتى إلى هذا العالم وذاق كل أنواع الأوجاع من طرد وشتم واضطهاد واهانات كثيرة وحتى وهو في أرضه بين شعبه وصحبه .

هو الذي طرد من المدن من قبل الناس الذين لم يريدوا سماع الحقيقة وكانوا يجتمعون ليوقعوا به من سفح الجبل ، هو من شفى بمحبة المرضى من أوجاعهم وقالوا ان عمله من الشرير ! .

نعم تألم المسيح لهذا الحد ليعزينا في كل مراحل حياتنا ويقول لنا مهما شعرنا بالخوف والوحدة والضعف ، لقد غلبت العالم ثقوا وآمنوا بي .

كابدت الكنيسة الأرمنية الكاثوليكية قبل أيام ومعها العالم كله ، مرارة استشهاد ورحيل الأب الحبيب والشهيد هوفسيب بيدويان ووالده ، وهذا الكاهن هو خادم رعية القديس يوسف للأرمن الكاثوليك بالقامشلي ومرشد شبيبتها النابضة بالحياة .

نتيجة عمل ارهابي جبان صباح يوم الأثنين في 11/11/2019 صدم العالم كله بفظاعته ، والحزن والألم يعم مدينة القامشلي الحبيبة . الناس وأصدقاء الكاهن لا يستطيعوا تصديق نبأ الوفاة . غلبتني لحظات الألم على فراق الصديق ومرشد الشبيبة التواقة للعمل والحياة . جعلتني هذه اللحظات أسير ساعات وساعات من الصمت والتفكير وبعدها إلى التأمل من جديد في رسالتنا في هذا المشرق على مثال المعلم الأول ؟ .

وبالفعل بدأ هذا التأمل ، نحن لسنا سوى شهادة في بلاد مضطربة ، شهادة ان عشنا او حتى رقدنا على رجاء القيامة . فمجرد ان نكون هنا في بلادنا ، يعني ان تكون القيم المسيحية حاضرة من خلالنا في عمل وخدمة وعطاء وحتى البذل.

نعيش اليوم مرحلة انتظار مجيء طفل مغارة بيت لحم ، هذا الطفل الذي ينتظره الكثير من الناس وهو المخلص الذي وعدنا الله به منذ آلاف السنين .

لحظات من الرجاء ينتظرها كل متألم ووحيد في ذاك الزمان وزماننا اليوم أيضاً ، هذا المجيء هو علامة محبة الله لنا بأن أرسل أبنه الوحيد من أجل كرامة الإنسان وخلاصه . وهنا تبدأ رحلة جديدة هي رحلة البحث عن السلام الحقيقي ، الذي لن نجده بكل تأكيد في قصور او بيوت فخمة هادئة . بل على العكس سنجد هذا السلام في فقر وبساطة وبرد لكن بدفء المحبة ، في مغارة لا أبواب لها او حراس، بل عائلة بسيطة لم تجد مكان لها في كل هذا العالم سوى مغارة متواضعة .

لقد كان هذا ما نتوق إليه من سلام حقيقي ببساطه ومحبة وتواضع يغمر القلوب!.

ما الذي يعزينا برحيلك أيها الأب الحبيب ، هل هو أن المسيح ولد اليوم ليصلب غداً ؟ .

هذا هو رجائنا وتعزيتنا الحقيقية فرح القيامة !، لقد كانت خدمتك في الكنيسة ولادة جديدة لنا ورجاء بمثل رجاء ميلاد طفل المغارة . خدمت في الكنيسة لسنوات وحملت الفرح لنا معك برسالتك من خلال تواضعك وبساطتك وطيبتك ومحبتك الصادقة .

لم يكن لديك لا قصور او بيوت ، فقط كنت تسكن في قلوبنا البسيطة المعتمة ، كنت فرح الميلاد للشبيبة وللأطفال ، نعم لقد كنت عنوان الفرح .

تصلب اليوم وأنت شهيداً في خدمة الكنيسة ، وأيضاً على مثال المسيح فالحب لا يعرف خوف او سلام مؤقت ، بل تضحية وشهادة وبذل في غمر ما نخوضه من حروب تفتك بحضورنا في مشرق يشتاق للرجاء والعزاء .

تغيب عنا ، وألم الفراق يدمي قلوبنا والأعياد على الأبواب والميلاد غداً قادم ، وأنت تموت لتولد في السماء من جديد مع شهداء الكنيسة . ترحل عن هذا العالم ومرارة فراق الأحبة لا يخففها سوى الرجاء بما نؤمن ، نبكي نحزن لكن لنا رجاء بالقيامة .

نودعك اليوم في زمن انتظار ولادة المخلص ، وباستشهادك تكون لنا الولادة الجديدة

تغادرنا في هذا الزمن المقدس لتقوم غداً في القيامة ، وبهذا تمنحنا الرجاء والمحبة التي تجلت بك في أبهى الصور وهي التضحية .

هذا هو رجائنا في هذا المشرق ، تضحية وشهادة ولا سلام لنا سوى في السماء وحضورنا يظهر في أمانة حمل رسالتنا التي تعمدت بالدماء الطاهرة .هو الاستشهاد الذي يرسم صفحات تاريخ شعبنا الأرمني منذ إيماننا بالمسيحية سنة 301 إلى اليوم وقوافل شهدائنا تملأ الأرض عزاً وشرفاً .

نصلي لك نحن أحبائك ، وكلنا أمل أن دمائك ستزهر سلاماً وسيكون استشهادك علامة محبة لقبول الآخر ، فهذا ما تعلمناه من قيم الغفران والتسامح في المسيحية .

أيها الأب الحبيب والصديق هوفسيب بيدويان ارقد بسلام وتراب كنيستنا يحضن جسدك الطاهر الآن في مدينة القامشلي الحبيبة  ، و روحك معنا وهي ترتاح هناك في السماء حيث لا حزن ولا ألم فقط  محبة الآب السماوي، الذي خدمة من أجله واستشهدت فداء لكنيسته .

سنشتاق لك كثيراً ، وستبقى معنا في قلوبنا وفي قلوب كل من أحبك من أهل الرعية وكل الأصدقاء ، أنت اليوم تغيب بجسدك ولكن ابتسامتك ستبقى حاضرة وتذكرنا بالكاهن البسيط المحب الشهيد .

كنتَ راعيا صالحا أمينا، وأعطاك الرب “الراعي الصالح الأكبر” أن تكون حمَلا شهيدا… رحمك الله ، ومبروك عليك ملكوت القداسة.

النشرة
تسلم Aleteia يومياً