أليتيا

هكذا تخطئ النساء بكونهنّ متواضعات

OBSTACLE
Wavebreakmedia | Shutterstock
مشاركة

قد يبدو التقليل من شأن الإنجازات بمثابة أمر جيد للقيام به، ولكنه في الواقع يمثّل العكس تمامًا

 

في عطلة نهاية الأسبوع الماضي، ذهبت إلى أوستن لأكون الحكم في مسابقة اللياقة البدنية لجميع الأعمار. وبكوني مدربة رياضة، كانت مهمتي تقتصر على التحكيم وتشجيع الرياضيين والرياضيات في النشاط الذي دعيت إليه وهو تسلق الشبك.

وكان على الرياضيين تسلق الشبك، عبورها، ثم النزول من الجانب الآخر. إن لم يسبق وتسلقت الشبك، قد تعتقد أن الأمر سهل للغاية، ولكن صدقني، ليس كذلك. فالشباك فضفاض وفيها مسافات بعيدة بين الحبال- بعيدة بما يكفي لتعلق ذراعك أو ساقك. وفي حين كان طولها يبلغ 9 أقدام فقط، إلا أنّ الرؤيا تبدو أبعد من الأعلى.

عانت العديد من النساء في تسلق الشبك، وكان الخوف يسود أعماقهن، ولكن الرياضيات الأكبر سنًا عانين أصعب الأوقات. وبين عدم التوازن والطول، كنّ يواجهن تحديًا جسديًا أكبر بكثير من الرياضيات الأصغر سنًا. في الواقع، أقرّت معظمهن بخوفهن من المرتفعات. وبعد أن تسلّقت النساء اللواتي يبلغن من العمر 60 و65 و68 عامًا الشبك، وعبرنه، ونزلن منه، كانت يداهن ترتجف وعيناهن مليئة بالذعر- ولكن، كان يشتعل فيهن لهيب التصميم. وعندما وصلن إلى الأرض، كنت أقفز من كل قلبي من الفرح وكنت أشعر بالحماسة وقد ألهمني هذا الإنجاز. وكنت أصرخ: “حسنًا فعلتن!”.

وقد تفاعلت جميع النساء بالطريقة نفسها. وباستهجان وقلق أجبن: “حسنًا، لقد حاولنا”.

لقد رأيت مئات الرياضيين وهم يتسلقون الشبك. رأيت الرجال والنساء وهم يشعرون بالخوف من إيذاء أنفسهم، ورأيت الرجال والنساء وهم يتحركون بحذر. كما رأيت رجلًا يبلغ من العمر 30 عامًا وهو يسحب كتفه من المقبس بعد أن انزلقت في الشبك. ولكن، كانت النساء مَن قللن من شأن إنجازاتهن بشكل كبير. والأسوأ، أنهن كن اللواتي كافحن الأكثر، وقد حققن فوزًا مهمًا للغاية.

أصارع هذه المعركة مع ابنتاي البالغتين 13 و10 أعوام في المنزل. فتأتيان بعلامات أعلى بكثير من العلامات السابقة، نتيجة لزيادة جهودهن في الدرس، ولكن عندما أحاول الاحتفال بذلك، تقولان لي: “نعم، ولكن…”.

“نعم، ولكن لم أجب عن 4 أسئلة بطريقة صحيحة”؛ “نعم، ولكنني رسبت في امتحان آخر”؛ “نعم، ولكن العلامة ليست ممتازًا”. لديهما دائمًا طرقًا للتقليل من شأن نجاحاتهما الحالية، وبإجاباتهما لي ترسلان الرسالة نفسها: “نعم، ولكنني لا أزال غير مثالية”.

أعترف بأني أقوم أحيانًا بالمثل. فعندما يوجّه أحدهم لي الإطراء حول قدراتي الرياضية أو على أدائي المهني، أشير سريعًا إلى انتشار الفوضى في المنزل. وكثيرة هي الحالات المماثلة.

ولكن، لماذا نتصرف بهذه الطريقة؟ عندما نُنجز شيئًا، بدءًا من التغلب على خوف ما إلى نيل نتائج أو علامات جيدة، لماذا ندمّر فورًا هذا الفوز من خلال التركيز على أيّ شيء لم ننجزه بجدارة؟

كنت أعتقد أنه من الطبيعي أن أقلل من أهمية إنجازاتي. ففي النهاية، يُعدّ التواضع فضيلة، أليس كذلك؟ وهو فضيلة نعلمها في وقت مبكر، للفتيات بشكل خاص. ولكن، كثيرات هنّ مَن ورثن مفهومًا خاطئًا حول التواضع، بما فيهن أنا.

وتأتي كلمة تواضع من الفرنسية وتعني “التحرر من المبالغة، السيطرة على النفس”، وباللاتينية تعني “الاعتدال”. كلتا الكلمتين تعنيان التصرف بشكل مناسب في الزمان والمكان. ويرتبط التواضع ارتباطًا وثيقًا باللطف والنعمة- وهتين الفضيلتين قليلتي الارتباط بالرأي الشخصي، وتتعلقان باحترام الآخرين.

عندما يلاحظ أحد إنجازاتك ويمدحها، يُعد المديح هبة. وهو هبة مجانية، وعدم تقبلها أو رفضها أو التقليل من شأنها، يُعتبر نقيض النعمة، ونقيض التواضع، خصوصًا عندما تقول: “نعم، لكن…”. إنّ رفض المجاملة ولفت الانتباه إلى نقاط الضعف هو في الواقع سلوك يسعى إلى جذب الاهتمام. وكأنه نوع من التوسل لسماع مزيد من الإطراء أو طريقة لإيجاد الطمأنة. وما من دلالة على التواضع في هذه الحال.

قد نشعر بأن هذا ما علينا القيام به، ولكن التقليل من شأن النجاحات أو الانجازات هو في الواقع جريمة مضاعفة ضد الفضيلة. وهي ليست مجرد تواضع زائف فحسب، إنما خيانة لشرفنا وكرامتنا. عندما نأدي شيئًا، سواء كان تسلق الشبك أم تعلم الخياطة، يُعدّ ذلك إنجازًا. يجب علينا أن نفتخر بنجاحاتنا وتقديرها، بدلًا من الشعور بالذنب إزاء كل ما لم نستطع إنجازه والتقليل من أهميته.

إليكن الحقيقة، أيتها النساء: لن نكون أبدًا مثاليات. إن السيطرة على كل شيء، من تنظيف الغرف وتوضيب الغسيل وكيّه وغيرها من الأمور لن يحدث. وهذا أمر طبيعي. ففي الواقع، هذه هي الحياة- كلنا لدينا في حياتنا ذاك الشبك الذي يثير ذعرنا، فنحاول بعزم التغلب عليه. وهذه الإنجازات هي مهمة وحقيقية ورائعة وعلينا الافتخار بها. فعندما لا نظهر امتناننا، نقول للآخرين بأن العمل كله هذا غير مجدي- والأسوأ أننا نعلم أنفسنا ورُبما أولادنا أيضًا القيام بالمثل.

 

 

مساعدة أليتيا تتطلب دقيقة

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

النشرة
تسلم Aleteia يومياً