Aleteia logoAleteia logo
Aleteia
الخميس 26 نوفمبر
home iconمواضيع عميقة
line break icon

يتعلم المواطن معزوفة مملة فيها "نوتة" واحدة يعزفها وينشدها لأن الزعيم ألفها ولحّنها

libano manifestazione

pierreNehman

الخوري كامل يوسف كامل - تم النشر في 21/11/19

فيها كلمتين متناقضتين : الموت والحياة، الموت لأعداء الزعيم والحياة له ولنسله الى الابد

إن سبب مأساة الإنسان في هذا الشرق الحزين وفي دول العالم الثالث هو أنانية الحكام وجشعهم وطمعهم وفسادهم وخلافاتهم مع بعضهم البعض وجهل الناس لأبسط حقوقهم وهو أنهم مصدر كل السلطات إضافةً الى تبعيتهم العمياء للزعيم كائنا من يكون.

إذا اتفق من في السلطة مع بعضهم ينعم المواطن المسكين بالسلام ولكنه يعيش تحت خط الفقر مسلوب الإرادة والحرية والعدالة والكرامة الإنسانية ولا يستطيع التحرك أو الخروج من طبقته المقفلة عليه بغلاظة الأقفال والاثقال والاحمال المفروضة فرضاً وكأنها أمراً إلهياً لا يستطيع مناقشتها أو رفضها أو تعديلها وإلا أصبح بنظر الحاكم شيطاناً وعدواً أو عميلاً خبيثاً يجب رجمه وقتله واستئصاله من بيئته…

استفحلت هذه المأساة الإنسانية في الدول المتخلفة عن النمو بعد حصولها على الاستقلال. فما إن خرجت تلك الشعوب المستعمرة من حكم الأجنبي المباشر الذي استغل مقدراتها ومواردها الطبيعية والبشرية حتى وقعت في فخ الزعيم الوطني الذي أخذ لنفسه صفة المقدّس والالهي والمنزل، ليس هو فقط بل كل نسله وأهله وأتباعه ومحازبيه وخدامه وجواريه…

في تلك الدول يبقى الحاكم في السلطة مدى الحياة وينتقل الحكم بالوراثة الى أبنائه، فهو الأب الروحي والنفسي والمعنوي وعلى أبنائه من عامة الشعب الهتاف له في الساحات والشوارع والأزقة والدعاء له بالصحة والراحة والعافية وطول العمر والبقاء مدى الحياة فهم “غنم مرعاه” و ” دبوسة عصاه” و “خرطوشة فرده” يتأرنبون أمامه وأمام أتباعه ويستأسدون على الضعيف فيما بينهم…

أطلقت صفة “الأبوة” على أغلبية حكام الدول المتخلفة عن النمو، وهي وسيلة رخيصة وفارغة لإخضاع العقل الباطني ومنعه من التفكير الإبداعي وتغيير واقعه، فالأب لا يناقش بل يُحترم ويُطاع لأنه لا يُخطىء ويعمل لمصلحة أبنائه في كافة أرجاء الوطن…

لكن في نهاية حكمه الدموية ينقلب عليه أولاده الطبيعيين والغير طبيعيين فيحتلون قصوره العديدة ويصادرون أملاكه الواسعة وثروته الطائلة ويكتشفون أنه سبب فقرهم وجوعهم وبؤسهم وتأخرهم وهجرة أبنائهم إلى بلاد تحترم الإنسان كما هو وتقدره على إنجازاته وليس على إنتمائه…

في تلك البلاد يُسمى الحاكم موظفاً يتقاضى أجراً معروفاً يعمل لمصلحة الشعب ويخضع لقوانين الدولة ولا يستغل موقعه لخدمته الشخصية. ويسمى الإنسان مواطناً يعرف حقوقه المشروعة ويقوم بواجباته المفروضة دون تململ أو تأخر أو مواربة.

كل ذلك يحصل دون أعاجيب  لأن الجميع ينعم بالسلام والأمان والإستقرار والإزدهار فيصل المجتمع إلى مرحلة الاستهلاك الجماهيري حيث تنعدم تقريباً الطبقة الفقيرة من خلال إعادة توزيع عادلة للثروة الوطنية وردم الهوّة بين الطبقات بفعل السياسات الاجتماعية والاقتصادية الفعالة.

في البلدان العربية، التي ينتمي معظمها إلى البلدان المتخلفة عن النمو، يتعلم المواطن معزوفة مملة فيها “نوتة” واحدة يعزفها وينشدها مع كل أقاربه ومعارفه في كل الفصول والظروف، يظنّ أنها الوحيدة في العالم ولها طابعاً سماوياً مقدساّ لأن الزعيم ألفها ولحّنها وأطلقها فيها كلمتين متناقضتين : الموت والحياة، الموت لأعداء الزعيم والحياة له ولنسله الى الابد.

يختار الزعيم أعداءه وفقاً لمصالحه الخاصة ويقنع الجمهور أنها لمصلحة الأمة والشعب والدين والهوية والتاريخ والجغرافيا والنضال وأنه الوحيد القادر على الدفاع عنهم والحفاظ على حياتهم وضمانة حاضرهم ومستقبلهم.
يتهم الزعيم خصومه بالخيانة والعمالة والارتهان للخارج، أما الشعب فيردد “المعزوفة” ذاتها دون تفكير،  متورطاً ومقاطعاً ومندفعاً لعداوة أشخاص وأحزاب وبلدان وشعوب لا يعرفها ولمصلحة زعيم لا يعرفه، كما حصل بعد الحرب العالمية الثانية، عندما استقلت أغلبية الدول العربية باستثناء لبنان الذي كان سبّاقاً واستقل سنة ١٩٤٣. اضطرت تلك الدول أن تأخذ موقفاً صريحاً إما مع المحور الشرقي أو مع المحور الغربي فنشأت الثنائيات المتعادية سراً وعلناً خدمةً للزعيم فيما الشعب يُنشد لحن “الموت والحياة” ويغرق في الحرمان!!! والأمثلة كثيرة في الوطن العربي…

نشأت العداوة بين الشعبين المصري والسعودي  لأن الرئيس المصري جمال عبد الناصر اختلف مع ملك السعودية سعود بن عبد العزيز وكانت ساحة الصراع بينهما حرب اليمن فأرسل عبد الناصر جيشه إلى اليمن فيما دعمت السعودية النظام الملكي اليمني. حين انهزم الجيش المصري في اليمن رد عبد الناصر في خطاب هجومي سنة ١٩٦٢ في بور سعيد واصفاً سعود بن عبد العزيز بملك “الجواري” وكان الشعب يهتف وينشد الموت للسعودية أي للملك والحياة لمصر أي لعبد الناصر!!!

كانت علاقة عبد الناصر والملك الأردني الحسين بن طلال “مليئة بالتوتر والخلافات والعداء الشخصي” فانتقلت العداوة الى الشعبين المصري والأردني!!! وكان عبد الناصر يرى في الملك حسين ‘عميلاً للاستعمار وخائناً للقضية العربية”

في خطابه المذكور سابقا ً، عدّد عبد الناصر خسائر مصر في اليمن وقال: “عندنا خساير، أنا حاقول لكم عدد الخساير بالكامل، ومن أول يوم لغاية امبارح. الخساير اللي عندنا 136 ضابط وعسكري، الضباط 21 والجنود 115. كل واحد فيهم جزمته أشرف من تاج الملك سعود والملك حسين”… والشعب صفّق وأنشد لحن “الموت والحياة”.
كان الموقف من القضية الفلسطينية السبب العلني للعداء بين عبد الناصر والرئيس التونسي الحبيب بورقيبة…
أما سبب العداء بين عبد الناصر وملك المغرب الحسن الثاني فيعود إلى مساندة مصر للجزائر في حربها ضد المغرب التي عُرفت بحرب الرمال عام 1963…
نشأ العداء بين الملك حسين ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات بسبب منافسات قديمة على تولي الملف الفلسطيني، وصراع على الزعامة عام 1970 وانتهى الأمر بمذبحة أيلول الأسود…
نكتفي بهذه الأمثلة لأن اللائحة تطول في الوطن العربي وبقية دول العالم الثالث إذ تنشأ العداوات والحروب بين الزعماء “الآباء” والشعوب “الأبناء” تدفع الثمن من أرواح أبنائها ولقمة عيشها…(الآباء يأكلون الحصرم والابناء يضرسون(

ونحن في لبنان، المنتفض دائما في وجه الآخر، إلى متى سنبقى ندفع من دماء أبنائنا فواتير خلافات زعمائنا؟ هذه الخلافات الشخصية والغامضة تغلفها عناوين وطنية وقومية ودينية تعمل لمصلحة الزعيم وليس لمصلحة الوطن أو المواطن!!!

ماذا لو كانت هذه الثورة على الولاءات الأولية وكل أنواع التضامن الاجتماعي الميكانيكي – الالي – الغرائزي السابق لإرادة الفرد وخياره الحر والواعي…؟!
ماذا لو كانت هذه الثورة على طريقة التربية المنزلية التي تنمي لدى الفرد روح الاستزلام للزعيم وطلب حمايته ورعايته وكسب رضاه والعداوة للآخر المختلف في رأيه أو عقيدته…؟!
ماذا لو كانت هذه الثورة على تمجيد القوي والمستقوي بالآخر الغريب على أبناء بلده والذي ينهب المال العام لإثرائه الشخصي مستغلاً الوظيفة العمومية لتحقيق أهدافه وليس لخدمة المجتمع…؟!!
ماذا لو كانت هذه الثورة على التنافر بين الأقارب والأصدقاء والزملاء والجيران من أجل زعماء يغذّون بينهم روح العداوات من أجل بقائهم…؟!
ماذا لو كانت هذه الثورة في تربية الأطفال على الصدق والأمانة والإخلاص وتحمل المسؤولية والعمل الصادق دون التشجيع من قبل الأهل والأصدقاء والزملاء والجيران على “الغش في المدرسة” بغية النجاح الزائف، والواسطة في الوظيفة العامة بغية الإثراء السريع والغير مشروط…؟!
ماذا لو كانت هذه الثورة على نصرة الضعيف بدل الاستقواء عليه، على بناء جسور التواصل مع الآخر بدل بناء جدران الفصل الطائفي والمذهبي والديني…؟!
ماذا لو كانت هذه الثورة على التحرر من التدين الزائف والالتزام في قضية الإنسان كائنا من يكون…؟!
ماذا لو كانت هذه الثورة على التحرر من التبعية للخارج وبناء شخصية وطنية مخلصة للوطن تأخذ من حدود الوطن مجال ولائها ومن أبناء الوطن مصدر قوتها..؟!
ماذا لو كانت هذه الثورة لولادة الإنسان في وطننا!!!

Tags:
لبنان
ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

Top 10
غيتا مارون
ما تفسير "من ضربك على خدّك الأيمن، فأدر له ال...
أليتيا
في ظل المآسي المخيّمة على لبنان... صلاة يرفعه...
AVANESYAN
أنجيليس كونديمير
صوت تشيلو يصدح في احدى الكنائس الأرمنيّة المد...
MAN IN HOSPITAL
المونسنيور فادي بو شبل
إذا كنتَ تُعاني من مرضٍ مستعصٍ… ردّد هذه الصل...
غيتا مارون
أمثولة شديدة الأهميّة أعطانا إيّاها مار شربل
TIVOLI
ماريا باولا داوود
على أرضيّة بعض الكنائس في روما رموز سريّة
زيلدا كالدويل
رائد الفضاء الذي جال الفضاء مع الإفخارستيا
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً