أخبار حياتية لزوادتك اليومية

لست مستعداً للتبرع؟

إليك خمس طرق يمكنك أن تساعد أليتيا من خلالها

  1. صلي من اجل فريقنا ونجاح مهمتنا
  2. تحدث عن أليتيا في رعيتك
  3. تقاسم مضمون أليتيا مع أصدقائك
  4. أوقف الـ ad blockers عندما تقرأ أليتيا
  5. تسجل في نشرتنا المجانية واقرأ المقالات يومياً

شكراً!
فريق أليتيا

تسجل

Aleteia

بالصور الرئيس العام للرهبانيّة اللبنانية المارونية يحتفل بالذبيحة الإلهية بعيد مار عبدا في كنيسة مار عبدا – معاد – جبيل – لبنان

Share

لبنان/ أليتيا (aleteia.org/ar) احتفل قدس الأب العام نعمة الله الهاشم رئيس عام الرهبانيّة اللبنانية المارونيّة بقداس عيد مار عبدا نهار الخميس في الثلاثين من شهر آب بمناسبة عيد القديس عبدا.

 

دير مار عبدا – معاد

 

على تلّة متقدّمة مميّزة بجمال موقعها وطبيعتها، يقع دير مار عبدا – معاد (جبيل – جبل لبنان)، محطّ أنظار من يبتغون الوحدة والنّسك في سكينة وسلام.

تؤكّد الوثائق التارخيّة الموجودة في دير مار عبدا – معاد بأن السيد درويش شربل عيسى، من قرية معاد، أوقف إلى مار عبدا – معاد سنة 1770 كامل أرزاقه وممتلكاته، بموجب حجّة وبموافقة السّلطات الكنسيّة والزّمنيّة. تسلّم هذه الوثيقة أوّلا رئيس دير مار عبدا – هرهريا _ القطين – كسروان) لينشئ عليها ديرا مشتركا للعباد. ولكن رئيس الدير المذكور تخلّى عن الوثيقة. عند ذلك، تسلّمتها الرّهبانيّة، بموجب حجّة جديدة سنة 1773، في عهد الأب العام عمّانوئيل الإبراهيمي وجعلت من البناء الموجود عليها مدرسة مجّانيّة لجميع أبناء المنطقة. دامت هذه المدرسة 13 سنة. وقد بيعت محلتها (الصليب) في أواخر القرن التاسع عشر، ونقلت المدرسة إلى جوار الدّير، وتسمّى اليوم (مدرسة الحرش).

فصلت الرّهبانيّة عقارات عن دير القدّيسن قريانوس ويوستينا – كفيفان، واشترت بعض الأملاك من القرى المجاورة، وقرّرت، سنة 1787، في عهد الأب العام مرقس الحدّاد، إنشاء دير مار عبدا – معاد، واعتباره من الأديار القانونيّة في الرّهبانيّة. وكان يسمى آنذاك (دير الراس)، لأنّه بني في محل الراس ومركزه أعلى قمّة في المنطقة. ثم دعي بعد ذلك بدير مار عبدا – معاد. وفي سنة 1797، انتهى ببناء كنيسته الحاليّة على اسم القدّيس عبدا، كما يفيد التاريخ المنقوش فوق بابها الغربي. واستمرّ الرّهبان في شراء الأملاك للدير حتى سنة 1840.

ولكثرة الدعوات المتدفّفة على الرّهبانية، في أواسط القرن التاسع عشر، كانت الرّهبانيّة تعمد إلى استقبال بعض الرّهبان الدارسين – الذين كان يضيق بهم دير كفيفان – في دير معاد، حيث تؤكد السجلات أن عدد المبتدئين في الدير حتى سنة 1868 كان اثنين وعشرين مبتدئا، وعدد الذين أبرزوا النذور الرّهبانيّة حتى سنة 1934 ثلاثين راهبا؛ وأنّ أربعة ارتقوا إلى درجة الشماسيّة حتى سنة 1847؛ أما عدد الذين رسموا كهنة على مذبح كنيسة الدير حتى سنة 1896، فستة وخمسون كاهنا.

رمم الدير سنة 1938، وأدخلت عليه إصلاحات حديثة سنة 1965. وعمل الرّهبان المتعاقبون على إدارته على استصلاح أراضيه واستثمارها في جوار الدّير وفي (نهر الجوز) و (حنّوش) في من البترون.

أسّس الدّير، سنة 1997، مركزا للثقافة الدينة يعنى بتنشئة شبيبة المنطقة لتأكيد استمرار رسالته التربويّة، منذ تأسيسه، وللعمل بالإرشاد الرّسولي، (الرجاء الجديد للبنان)، وبتوجيهاته القاضية بتأمين (مناهج تنشئة في التعليم واللاهوت والرّوحانيّة )…

كان هذا الدير، يؤمن الخدمة الرّعوية لبلدة معاد وللجوار، وما زال ملتزمًا بها، علاوةً على نشاطات أخرى اجتماعية وثقافيّة وزراعيّة، جعلت منه مركز إشعاع في المنطقة كلّها.

نقلاً عن “صفحة الذاكرة ان حكت”.

 

حياة القديس عبدا بحسب الأب عبدو رعد

 

 

لا يهم أن نعرف أصل اسمه << عبدا >>؛  هل هو من أصل سرياني << عْبَد >>:

عَبَدَ؛  أو من العربية << العبادة >> أي الصلاة لله والتكرّس له والعمل لخدمته.

وهل سُمّي << عبدا >> لكثرة ما كان يصلي ويعبد الله ليلَ نهار؟  ربّما.  فان ما

يهمّنا أن نعرف من هو هذا الرجل؟  وفي أيّ عصر عاش ومات؛ ومن أيّ بلد هو؟

ممّن أخذ قداسته وكيف عمل بين الناس ولربّه وماذا جرى على يده من عجائب

وكيف نَشَرَ دين المسيح وما هو نوع الرّسالة المسيحية الّتي مارسها في حياته

حتى وصل ﺇلى ما وصل ﺇليه.

 

وُلد عبدا في بلا د فارس في أواخر القرن الأول للمسيحية؛  تعرّف ﺇلى يَهُوَذا الرّسول، أحد تلاميذ المسيح؛  ومنه أخذ كل تعاليم

الانجيل واستمدّ القوّة والنعمة للعمل الرّسولي، مُزَوّدا ً بسلاح فضيلتَي التواضع

والجرأة، بالاضافة ﺇلى الغيرة في نشر الانجيل وزرعه في كل مكان حيث كان يردّ

الوثنيين ﺇلى عبادة المسيح ويعمّدهم ويسهر عليهم ويرافقهم في مسيحيّتهم

الجديدة.

 

وهذا ما دفع معلمه الرّسول يَهُوَذا ﺇلى أن يرفعه ﺇلى درجة الأسقفيّة ويُطلق يده

هكذا في التجوال والتبشير.  فعيّنه أسقفا ً على مدينة خشكار في أرض بابل:

فتسلمَ الأسقفيّة ونظم أمور المدينة أحسن تنظيم وأقام الكنائس فيها ورسَمَ كهنة

عليها يسُوسُونها ويرعون شؤون مسيحيّيها ويثبتون ﺇيمانهم ويُطلقونهم للتبشير في

ﺇيمان المسيح.

 

ولكي لا يبقى عمله مقصورا ً على مدينته خشكار، وبعد أن وطد فيها دعائم الايمان

ورسم الكهنة رعاتها، فكر في أن يذهب ﺇلى البعيد حيث لا ذِكر للمسيح وحيث

مملكة الأوثان وعبادة العجول وعناصر الطبيعة، فقَصَََدَ مدينة نَوَا في تُخُوم الهند،

مارا ً في مدن وقرى كثيرة عُرف أهلها بالكفر والزندقة وعبادة الأوثان.  ولدى محاولته

تبشيرهم ورَدّهم ﺇلى ﺇيمان المسيح لحقوه ورَجَموه بالحجارة؛  فارتدّ نحوهم يقول

لهم:  “أهذه هي تعاليم آلهتكم؟  كيف تعبدون آلهة يحرّضونكم على قتل الناس؟  ألا

تَرُون الفرق بين من يُحَرّض على رجم الانسان وقتله وبين من يدعو ﺇلى المحبّة

حتى محبّة الأعداء والمسيئين ﺇلينا؟”

 

بعد هذا الكلا م اقتنع منه قومّ فتبعوه واستشاط غيرهم غيظا ً عليه فازدادوا حنقا ً

ورجموه مرّة أخرى. ولكنه جازَ في ما بينهم ومضى يُصلي، ويطلب العون من الله.

وعندما وصل ﺇلى جوار مدينة أخرى ولم يكن يعرف ماذا في ذلك الجوار، ﺇذا هو يُفاجأ

بتنين رهيب كان يَرُوُعُ الآهلين والرعاة وكل صاحب حاجة يَمُرّ من هناك، فيهجم

عليهم وينهش من ينهش، حتى حَرّم على سكان المدينة الخروج منها والمرور في

تلك الأدغال التي يعيش فيها التنين المُخيف.   وكما كان التنين يفعل مع سكان

المدينة والمارّة، هجم على القدّيس عبدا يريد ابتلاعه.  بَيْدَ أن القدّيس التجأ ﺇلى

الله وطلب المعونة من معلمه السيّد المسيح؛  ثمّ استَلّ رمحه ودفعه نحو التنين

فاذا به يُصيب قلبه فتنزف الدماء ويخُرّ التنين صريعا ً أمام القدّيس.  وهكذا نَجَت

المدينة من هذا الحيوان؛ فأتى سكانها نحو القدّيس عبدا يطلبون شفاعته، فقال

لهم:  “أنا لا أريد منكم مكافأة ولا أجرا ً.  ما أنا الذي قتل التنين هو يسوع الذي

قتله.  لذلك تعالوا آمنوا به وأنا أعمّدكم باسم الآب والابن والروح القدس.”  كانوا أربعة

آلاف؛ تجمّعوا قرب نهرٍ وبكلّ خُشوع وﺇيمان اقترب منهم القدّيس واحدا ً، واحدا ً

وعمّدهم وأطلقهم ليكونواهكذا خميرة صالحة في بلادهم.

 

أما لدى عودة القدّيس من هناك ﺇلى مدينته خشكار ليستأنف مهام أسقفيّته

ورسالته، ففاجأته ثعبان عملاقة، تزحف نحوه ملولبة كأنها وجدت فيه طريدة شهيّة.

فما كان منه ﺇلا أن وقف أمامها حاملا ً صليبه، مصليا ً قائلا ً:  ” باسم هذا الصليب

أقول لك اذهبي بسلا م ولا تعودي تروعين الناس والمارّة …”   وﺇذا بالثعبان تجفل

أولا ً كمن مسّت بشيء ثم هي تتململ في ذاتها وتعود أدراجها لتدخل في خرق

أرضي وتختفي من هناك ﺇلى الأبد.

 

لقد أعطي عبدا نعمة الجلد والصبر فتابع مسيرته دون توقف ولا خوف.  صحيح أنه

رأى من بعيد أعداء الدين والمسيح يتربّصون به وينتظرون وصوله لينهالوا عليه ضربا ً

ولكما ً ورجما ً.  وصحيح أن كهّانهم بدأوا يغتاظون منه لكثرة الارتدادات التي كانت

تحصل على يده وألوف العمادات التي كان يجريها في كل مدينة وقرية دخل ﺇليها

فوَعظ واجترح العجائب، فقلل من نفوذهم في مجتمعهم، فمال عنهم بعض أتباعهم

ومحازييهم …  ولكنه مشى؛  بل مشى معه سيّده يسوع المسيح فقوّاه وشدّد

عزيمته.    ومن جديد دخل عبدا في ضاحية ﺇحدى المدن الكبرى فاستقبله أناسٌ

كانوا قد سمعوا به وبأعماله وهرب غيرهم منه خوفا ً على أنفسهم من كهّانهم؛  ثم

هو يرى من بعيد جمهورا ً كبيرا ً مضطربا ً يهرب أفراده من هنا ومن هنا ومن هناك،

فيصرخون ويَعُولون هلعين، مرتعبين.  فتقدّم عبدا يسألهم عن السّبب فأومأوا ﺇليه

بالاختفاء لئلا يتعرّض مثلهم للرجم بالحجارة.  فما أبه لتحذيرهم، وتقدّم أيضا ً فرأى

رجلا ً مُمَزّق الثياب، نافر الأنياب، طويل الشعر، يتساقط على وجهه وكتفيه وظهره؛

عيناه كنار متوقدة؛  في أطراف أصابعه المشنّجة أظافر طويلة تجرح لحوم من يقترب

منها؛  حافي القدمين؛  ما تزال آثار الدماء على ثيابه الممزقة وفخذيه؛  والوحول تصبغ جلده من أخمص قدميه حتى قمّة الرأس.  دائم الحركة؛  ما أن يرى شخصا ً

حتى يهجم عليه بشراسة؛  ثم ينقلب على آخر فعلى ثالث ورابع دون أن يتجرّأ أحد

من القبض عليه.  وشاع صيت هذا الرجل المجنون في المدينة وضاحيتها والجوار؛

فاجتنبه الكثيرون وعلق بشباكه من جهل وجوده حيث هو.

 

ﺇلى أن وصل عبدا فسمع الناس يتنادون:  ” ممسوس من الشيطان، ابتعدوا عنه.

ﺇنه وحش في هيئة ﺇنسان.  ما هذه اللعنة من الآلهة!”  وسمع غيرهم يصرخون منجهة ثانية ويستغيثون بآلهتهم قائلين: “أيّتها الآلهة نجّينا من هذا الرجل الرهيب؛  نجّينا من شياطينه، أقتليه، وخلصي مدينتنا منه.  أيّتها الآلهة أما تسمعين

استغاثاتنا؟”

 

فقال لهم عبدا:  ” ما بالكم أيّها القوم؟  ولِمَ يهدّكم الخوف هكذا؟  من هو هذا الرجل

المجنون.  اني سأصرع الشياطين التي فيه باشارة واحدة! هل توافقون؟”  أجابوا

جميعهم:  “آلهتنا كلها ما قدرت عليه؛  فكيف باشارة منك سيسكن هذا المجنون

الهائج؟”

 

فقال:  “آلهتكم صمّاء وﺇلهي حيّ؛  تعالوا ﺇلى هنا وكفوا عن الصّلاة لأوثانكم.”

ثم هجم على الرجل الممسوس وقبل أن ينشب هذا أظافره الطويلة الجارحة في

جسم القدّيس، رفع عبدا يده الحاملة الصليب وبهدوء كلي أمام الجمهور الذي قطع

أنفاسه وخاف من مغبّة الأمر، وقال عبدا:  ” باسْم يسوع المسيح، باسْم هذا

الصليب أقول لك ﺇهدأ وأقول  لكِ أيّتها الأبالسة أن تخرجي من جسم هذا

المسكين:  باسْم الآب والابن والروح القدس…”

 

وبلحظة واحدة اضطرب الرجل فارتجف وتململ على نفسه وتشنجت أعصاب يديه

ورجليه؛  ثم شيئا ً فشيئا ً عاد ﺇلى نفسه هادئا ً مستكنا ً مذعورا ً من تجمّع الناس

حواليه، مستحيا ً من نفسه ومن عريه، فطلب المعذرة وانصرف من هناك ﺇلى بيته

ليعود رجلا ً عاقلا ً، حكيما ً، وأخيرا ً تابعا ً القدّيس عبدا في رسالته وتبشيره.

أمّا الجماعة فجثت دفعة واحدة أمام هذا الرجل العجيب، الحامل الصليب وقالت له

بصوت واحد:  “أيّها الرجل اننا نريد أن نتبع ذلك الذي تحمله في يدك:  انه ﺇلهٌ  قدير

وهو وحده القدير، الجبّار…”

فقال لهم عبدا:  ” ما تريدون أن أعمل لكم؟”

فقالوا:  ” نحن لا نعرف مَراسمك.  ولكن نريد أن نصير مثلك.”

فقال لهم:  “أنا مسيحي.  فهل تريدون أن تصيروا مسيحيين؟”

فقالوا جميعهم:  ” نعم، نعم، والآن.”

 

ثم قام ومشى أمامهم فتبعوه ﺇلى بركة ماء قريبة فمشى فيها فمشوا هم أيضا ً،

حتى امتلأ ت تلك البحيرة منهم، فراح عبدا يمرّ في صفوفهم ويعمّد واحدا ً فواحدا ً

منهم ﺇذ يحمل في تقويرة يده حفنة من الماء يصبّها على رأسه ويقول:  ” يا فلا ن

أنا أعمّدك باسْم الآب والابن والروح القدس…”

 

وخرجوا جميعا ً معه من مياه البحيرة يهتفون باسْم المسيح وينتشرون في كل مكان

لينشروا حيث حلوا الأعجوبة ويتكلموا عن قدرة المسيح.

كان القدّيس عبدا متقدا ً بالغيرة على دين المسيح؛  يعيش ﺇيمانه في كل لحظة؛

بل انه كان يتصوّر المسيح ويحلم به في كل ليلة فينهض من فراشه ليجثو أمامه

مصليا ً متأمّلا ً قائلا ً في سرّه:  “هل يوجد بشر أسعد مني على الأرض؟  وهل

يؤمن ﺇنسان بالمسيح ﺇيماني به…  اني أشعر به في داخلي وفي كل خلية من

خلا يا جسمي؛  ربّي، أبِق فيّ شعلة الايمان ولا تدع الغرور يدغدع خيالي…”

من أجل ذلك ما كان يهدأ أبدا ً في التبشير بالمسيح وفي التعرّض لأفظع الأخطار؛

بل انه كان يختار الأماكن التي تتهدّده بأخطارها والجماهير التي تضْمُر له الشرّ

وتحيك عليه الكمائن والمؤامرات.

 

 

وها هو يعرف أن مدينة خشكار، مدينة أبرشيّته، المدينة التي أحبّها فعمل لها

الكثير، تصاب في غيابه بنكسة ﺇيمانيّة مخيفة وبتردّي أوضاع الحياة المسيحيّة فيها،

فيقصدها على الفور، غير عابئ بالأشرار وما يضمره له أعداء الايمان والمحبّة.

وبينما هو يدخلها ليتفقدها فيقدّم العون والنصح للمحتاجين ﺇذ جماعة من الملحدين

والكافرين يتصدّون له.  فيصير جدال؛  فيشتمونه ويشتمون ﺇيمانه؛  فيناشدهم أن

يلجموا لسانهم عن الكفر والتجديف قائلا ً لهم:  “أنا هنا بينكم لأعيد ﺇليكم المسيح

“ولأصالحكم مع الله!  فما بالكم تتهيّجون وتجدّفون؟

أجابوه:  ” أبعد من هنا.  ليس لك مكان بيننا!”

فيقول:  ” ولكنني أنا بينكم كأخ لكم يحبّكم ويخدمكم ويدرأ عنكم الشيطان!”

فيقولون:  “أبعد من هنا، وﺇلا قتلناك وجعلنا الأرض ترتوي من دمك.”

فيجيب:  ” ما ذهبت قبل أن أقبلكم من جديد في الحظيرة؛  تعالوا ﺇليّ أيّها الاخوان؛

تعالوا ﺇلى معلمكم يسوع المسيح.”

 

وهجموا عليه يضربونه ويرجمونه بالحجارة؛  فيهرب من أمامهم تحت وابل من

الحجارة المتساقطة عليه.  ﺇلا أن الله وقاه من هذه الجماعة الهائجة؛  فتوارى عنهم

ﺇلى حين؛  بَيْدَ أنهم تمكنوا منه أخيرا ً وقبضوا عليه فزجّوه في سجنهم المظلم

واحكموا ﺇقفال الأبواب.

 

ولكن ما مضى وقت حتى انقلب السّحر على السّاحر، ففتك بالمدينة داء رهيبفقتل الكثيرين وخاف الباقون خوفا ً عظيما ً.  حينئذٍ فكروا بالقدّيس وقالوا فيما بينهم

أن الداء عقاب من الآلهة.  لقد ظلمنا  رجلا ً بارّا ً.  تعالوا نطلب من مليكنا أن يُطلق

سراحه فلعلّ الآلهة تعفوا عنّا فتبعد هذا الوباء القتّال.

 

لم يكن ملك البلا د أقلّ خوفا ً وهلعا ً من الرعيّة.  فاستدعى على الفور السجين

عبدا.  وبعد أن تأمّل به واقفا ً أمامه، مَحنيّ الرأس، مكتوف اليدين؛  خاشعا ً، صامتاً،

سأله الملك يقول:  ” يا أيّها السجين هل بامكانك أن توقف عن المدينة هذا الوباء

الرهيب؟”

– ” نعم، يا جلا لة الملك.  ولكن لا أنا بل سيّدي.”

– ” من هو سيّدك، يا هذا؟”

– ” سيّدي يسوع المسيح الذي قال:  أنا معكم، لا تخافوا.”

– ” ومن هو يسوع المسيح هذا الذي بيَده القدرة على حماية مدينة بأكملها من

وباء متفشّ يفتكّ بالألوف؟”

– “ﺇنه ﺇبن الله؛  ﺇنه من قال ذات يوم:  أنا هو النور والحق والحياة…  هو ذلك الّذي

شفى الأعمى والمقعد وأخرج الشياطين من الممسوسين!  ﺇنه الذي خاطب الأبجر

الملك وجالس الفقراء والخاطئين وجادل العلماء ورؤساء الكهنة…  أجل, يسوع

المسيح هو الذي دعا الناس ليحبّوا بعضهم بعضا ً وليحبّوا حتى أعداءهم…   هذا هو

سيّدي يا جلا لة الملك.”

 

حينئذٍ التفَت الملك صوب حاشيته ووزرائه وتلك الجموع التي تنتظر بفارغ الصبر

النتيجة:  فقرأ في عيونهم الرّغبة الشديدة في أن يأمر الملك عبدا بالتدخل لدى

معلمه يسوع فلعله ينجّي المدينة من هذا الخطر الذي يحصد الناس حصدا ً؛  وقال

له:  “أيّها البارّ، ﺇفعل ما تشاء ونحن من تبّاعك، أنا والرّعيّة وكل المملكة، ولكن  حذار

من خداعنا، أمامك الموت المؤكد”.

 

وما كان من عبدا ﺇلا أن جَثا أمام الملك والحاشية والحشد الغفير؛  ورفع يديه نحو

السماء بعينين تستغيثان بالدموع وقال:

” يا سيّدي يسوع، هؤلاء الناس الذين يموتون بالوباء ﺇخوتنا؛  وأنت كنت الرحوم

والمحب، أبسط يمينك عليهم وبارك المدينة وأوقف الوباء …  أما قلتَ:

تعالوا ﺇليّ أيّها المتعبون والثقيلو الأحمال وأنا أريحكم؟   فهؤلاء متعبون.  باركهم وادرأ

عنهم الخطر …  آمين.”

 

ثم انحنى عبدا حتى لامست شفتاه التراب، فقبّله ثلا ثا ً؛  ونهض أمام دهشة

الجميع؛  ثم أخذ وعاءً من الماء، باركه بالصلاة وراح ينضح به الحاضرين ويرش الأرض

التي يدوسونها، وحواليهم، ويلتفت نحو قلب المدينة ليباركها أيضا ً ويكرّسها للثالوث

الأقدس…

 

وانطلق القدّيس من بينهم كما ينطلق الأنبياء من بين أيدي الملوك، وقد ساد

الصّمت والرّهبة والحيرة، وكأنما الجماعة كلها على يقين بما سيجري على يدي

الرجل العجيب …  وفرغت السّاحة والقصر ﺇلا من الايمان…

كان يومٌ ويومان وثلا ثة وﺇذا العافية تدبّ في الأجسام وﺇذا جوّ المدينة خشكار يصفو

ساعة بعد ساعة وﺇذا الوباء ينحسر شيئا ً فشيئا ً…

 

وطابت المدينة وسكانها والجوار …  وﺇذا بأولئك الكفّار والملحدين يهرعون ﺇلى

القدّيس، يطلبون أن يتعمّدوا ليصيروا مسيحيين، فلبّى القدّيس عبدا طلبهم بكل فرح

وغبطة؛  وكان المعتمدون نحو ألفين أنهوا حفلتهم بصلاة جماعيّة علمهم ﺇيّاها

القدّيس، فإذا خشكار مسيحيّة برمّتها، وﺇذا القدّيس عبدا أب المدينة ومرجعها،

يطلبون نصحه وخاصة ً الأمّهات يقدّمن له أولادهنّ فيباركهم ويكرّسهم لله.  حتى

عُرفَ بشفيع الأطفال وصديقهم الحميم.

 

ﺇلا أن أيدي السوء لم تتوارَ كليا ً من الجوار؛  وﺇن الشيطان بات متخفيا ً في الزوايا

وفي بعض النفوس فجاء المندسّون يروجون في المدينة الأخبار الملفقة عن

الأسقف عبدا؛  حتى عمّت تلك الأخبار، فشاعت فوصلت ﺇلى الملك.  وراحوا

يختلقون الخبر تلو الخبر فيقولون أن الأسقف يعمل بالخفاء لقلب الملك واحتلا ل

القصر وأن عبدا هذا يعمّد الناس بالقوّة أو بالاغراء … فما كان من عبدا ﺇلا أن صمت

أمام هذه الافتراءات والأكاذيب، مكتفيا ً بالصلاة والتأمل والرسالة.  ﺇلى أن استدعاه

الملك ﺇلى بلا طه متشكيا ً من تصرّفه متوعّدا ً مغتاظا ً فقال القدّيس للملك:

– “أدعوك يا سيّدي للصلاة؛  فيها وحدها ترى الحقيقة.”

– ” ولكن الشهود عليك كثيرون وبيدهم صور عن الاتهامات؟”

– “أنا لا أعمل ﺇلا ما يريده الله منّي.  وﺇلهي لا يريد منّي سوى محبّة القريب والعمل

لخيره.”

– “هل صحيح أنك تمنح سرّ العماد بالقوّة لغير من يطلبه؟”

– ” سر العماد مقدّس والمقدّس لا يُعطى ﺇلا لراغبيه.”

– ” والألوف التي تعمّدها من حين ﺇلى حين؟”

– ” يا سيّدي، أنت مليك البلا د ولديك محققون.  فليسألوا من يشاؤون ﺇذا كان

الاتهام هذا صحيحا ً!”

 

وعندما لم يلمس الملك أيّة حقيقة من الاتهامات؛  خشي المتهمون على نفوسهم

فازدادوا ﺇصرارا ً وحنقا ً وراحوا يصرخون ويعولون ويتهدّدون؛  ﺇلى أن شعر الملك

بالحرج منهم فأمر بسجنه مرّة ً ثانية. فسجنوه وأمعنوا بتعذيبه.

تناوب عليه في السجن الجلا دون فساموه كلّ ضروب القهر والعذاب؛  كان هو دائما ً

أمامهم يصلي ويطلب لهم الصفح والغفران.  فما ازدادوا هم ﺇلا كفرا ً وحقدا ً

وغضبا ً.  وبأمر الملك أخرجوه ﺇلى باحة السجن ليعذبوه أمام الشعب.  فالتحق به

كثيرون من تلاميذه ومن الأطفال والعذارى.  يحتجّون على تعذيب هذا الرجل

القدّيس الذي نجّى الشعب من كوارث كثيرة ومن التنين والثعبان وشفى المرضى

وأعطى البصر للعميان…  فاهتاج الجلا دون على استغاثة التلاميذ وبراءة صراخ

الأطفال.

 

وخوفا ً من أن يزداد مريدو القدّيس وتتكاثف النقمة عليهم ساعة بعد ساعة، سارع

الجلا دون ﺇلى قطع رأسه وقتلوا معه سبعة من رهبانه وتسع عذارى من تلميذاته…

وحدث بعد استشهاد عبدا صمتٌ رهيب، انتشر حتى أقاصي المدينة؛  فبكى

الكثيرون وازدادوا تعلقا ً به حتى بات عبدا رمز المحبّة، وبات المكان الذي سقط فيه

تحت سيف الجلاد مزارا ً  يتبرّكون منه.   وما يزال مار عبدا ﺇلى الآن شفيع الكثيرين

ورمز الايمان والصمود وأمثولة المحبّة والخدمة.

 

كما أنه حبيب الأطفال وملاذهم وفرحهم؛  ﺇليه يعودون ومنه يطلبون الشفاعة

فيلبّيهم دائما ً ويلبّي أمّهاتهم.  وهذا ما يشهده كل زائر لمار عبدا وأبناء المنطقة

وألوفٌ من الأمّهات والنساء الآتيات ﺇلى كنيسته ومغارته حافيات الأقدام، مشعّات

العيون بالأمل والحياة، عائدات ﺇلى بيوتهنّ يملأهنّ الايمان ويغمرهنّ جو الفرح

والرّجاء.

 

وصلتنا الصور عبر الأب نعمه نعمه ر.ل.م

 

العودة إلى الصفحة الرئيسية

Newsletter
Get Aleteia delivered to your inbox. Subscribe here.