لست مستعداً للتبرع؟

إليك خمس طرق يمكنك أن تساعد أليتيا من خلالها

  1. صلي من اجل فريقنا ونجاح مهمتنا
  2. تحدث عن أليتيا في رعيتك
  3. تقاسم مضمون أليتيا مع أصدقائك
  4. أوقف الـ ad blockers عندما تقرأ أليتيا
  5. تسجل في نشرتنا المجانية واقرأ المقالات يومياً

شكراً!
فريق أليتيا

ساعدنا لنحافظ على الشعلة. تبرع الآن
أليتيا

البعض يقولون لا دخل للعقل بإيمان المسيحي…هل يعتمد المسيحي في إيمانه على العقل؟

Rome 29 December 2012 Pope Benedict XVI meets the Taize community
Frere Aloise


Roma 29-12-2012
Piazza San Pietro, il Papa Benedetto XVI incontra la comunità di Taize

Ph: Cristian Gennari/Siciliani
مشاركة

لبنان/ أليتيا (aleteia.org/ar) يأثر لنا التقليدُ اللاهوتيّ أنّ بونافنتورا كان يعيب توما الأكوينيّ فيُنكر عليه أن يخلط ماء العقل بخمرة الحكمة الإلهيّة، ممّا حمل الأكوينيّ على الردّ بأنّ الماء لا يلبث أن يتحوّل إلى خمر، على نحو ما جرى في قانا الجليل. من عبر هذه الرّواية اللّطيفة الوقع التيقـّنُ من أنّ الفكر المسيحيّ، وشأنه في ذلك شأن كلّ فكر دينيّ مبنيّ على الإيمان بالغيبيّات، اجتهد منذ نشأته في استجلاء مقام العقل في عمارة التصوّر اللاهوتيّ الأرحب. ونشأ من هذا الإجتهاد الحثيث اختلافٌ في المناهج والمذاهب والمدارس.  ومن أصدق الآراء في تبرير هذا الإختلاف القول بأنّ أصل التباين اللاهوتيّ ناشبٌ في تعيين هويّة الإنسان وتعيين هويّة العقل. ومن ثمّ، فإنّ تنوّع السبُل في ترسّم طبيعة الإنسان العقليّة هو الذي يُفضي إلى تنوّع المواقف اللاهوتيّة التي وقفها الفكرُ الدينيّ المسيحيّ. وقد يجوز تصنيف هذه المواقف اللاهوتيّة من مسألة العقل والإيمان في مقولات ثلاث من المقاربة الوصفيّة، عنيتُ بها مقولة التصارع والتنابذ، ومقولة التطابق والتماهي، ومقولة التمايز والتكامل. ومن وراء كلّ مقاربة من هذه المقاربات إدراكٌ ضمنيٌّ للعقل في أصله ونشأته وطبيعته ومقامه ووظيفته وحقل معرفته وحدود صلاحيّته.

 

 

وقبل الشروع في استطلاع ضروب العلاقة التي نشأت بين العقل والإيمان في منفسحات الفكر اللاهوتيّ المسيحيّ، يجدر الوقوف على هذين المفهومين والتحرّي عن العناصر الأصليّة اللصيقة بهويّتهما. في تعيين هويّة العقل سار الفكرُ المسيحيّ اللاهوتيّ على التّمييز الفطن بين طبيعة العقل ووظيفة العقل. فقال في العقل إنّه من حيث طبيعتُه ملكةٌ في الإنسان تؤهّله للإدراك والتنظيم والتنسيق والرّبط والحساب. وتخالف هذه الملكةُ ملكةَ العاطفة المبنيّة على حركة الهوَى والشّعور والقلب. ووفاقـًا لهذه المداناة الأولى يتجلّى العقلُ من حيث طبيعته بنيةً مجرّدة من المبادئ والأطر والقواعد التي ينسلك فيها ويتّسق وينتظم الإختبارُ المعرفيّ المبنيّ على التحرّي والتقصّي والتفكيك والتحليل والإستخراج.

 

 

وأمّا المقاربة الثانية فهي تتناول العقل في وظيفته وعمله وأدائه، فترسم أنّ العقل مفطور على إدراك معاني الوجود، وعلى ربط هذه المعاني بعضها ببعض، وعلى بنيان العمارة المعرفيّة الإنسانيّة، وعلى استخراج قواعد الأحكام واستنباط سنن المسلك. ولذلك ارتبط العقلُ منذ تفتّح الفكر اليونانيّ بصورة الكلام المتّزن، المتّسق، المنتظم، القابل للفهم والإدراك، المعبّر عن سمة الوجود المنطقيّة وقابليّة هذا الوجود بعينه للإنتظام في مقولات الإدراك العقليّ.

 

 

فإذا تبيّن أنّ العقل هو في منتهى قوامه سبيلٌ إلى المعرفة، فإنّ الإيمان هو بالأحرى موقف ذاتيّ شامل يقفه الإنسانُ المؤمن من الوجود في روح من الإخلاص والأمانة والثقة. وعلى تنوّع المعاني الرّوحيّة التي يستلّها المؤمن من موقف الإيمان، ومنها معاني الوعد والعهد والميثاق والحلف والشهادة، لا يبرح هذا الموقف ينطوي على ثلاثة من عناصر التأصيل الأولى، عنيتُ بها عنصر التصديق، وعنصر التصوّر، وعنصر الإلتزام. وعلى حسب هذه العناصر الثلاثة، يتجلّى الإيمان في المسيحيّة تصديقـًا لوعد الخلاص الذي أنجزه الله في سيرة يسوع المسيح، أي في أقواله وأفعاله ومواقفه وموته وقيامته وحضوره السرّيّ في التاريخ. ويتجلّى، ومن ثمّ، تصوّرًا شاملاً للوجود به تُستضاء هويّةُ الكائنات والحقائق والأحداث والمعاني، وبه تُرسم طرُق التعاطي ومناهجُ المعاملات وأنماطُ التفاعل. ويتجلّى الإيمان أخيرًا إلتزامًا حيًّا في معترك النّضال الإنسانيّ الأرحب يروم بناءَ الإنسان في كامل أبعاده. وفي أصل هذه التجلّيات الثلاثة للموقف الإيمانيّ تقوم وتنبسط وتنشط علاقةٌ شخصيّة بين الإنسان والله وقوامُها الثقة والأمانة والإخلاص. وبسبب من طبيعة هذا الإرتباط الشخصيّ تُفرِد المسيحيّةُ في مداناتها لمفهوم الإيمان، تُفرد مقامَ الصدارة لمعنى الإيمان الشخصيّ بالله تؤثِره على معنى اعتقاد الحقائق الدينيّة تعجيزه يضع الوجود الإنسانيّ برمّته في غربة عن معناه الأصيل ويربِك الإيمان أيّما إرباك.

 

 

هذا في محنة العقل. أمّا محنة الإيمان فترتبط إرتباطًا وثيقـًا بما يسري إلى العقل، إذ إنّ التفكّر الإيمانيّ مبنيّ في قسط عظيم منه على أصول التفكّر العقليّ. وكلّ ما يصيب التفكّر العقليّ يصيب بالضرورة التفكّر الإيمانيّ. وعلاوةً على القربى في تحسّس المحنة عينها، فإنّ الإيمان ينفرد بامتحان أشدّ عسرًا من امتحان العقل لأنّ الخطاب الإيمانيّ يعتمد على النظر العقليّ ويُعرِض عنه في الوقت عينه. وفي هذا ذروةُ العسر فيه. فمنذ الإستهلال الفكريّ الإغريقيّ ارتبط الإيمانُ بالخطاب اللاهوتيّ، إذ كان اللاهوتُ خطابًا (لوغوس) في مبدأ الكون الأعلى، وما عتّم أن انقلب مع المسيحيّة خطابًا (لوغوس) في إله يسوع المسيح. وظلّ الإيمان على هذا الإلتصاق بالخطاب اللاهوتيّ حتّى قيل في اللاهوت إنّه فلسفةٌ لا تهاب الحدود.  وفحوى هذا القول أنّ الخطاب اللاهوتيّ المستند إلى الإيمان يلتمس لنفسه قوامًا عقليًّا وتماسكًا منطقيًّا هما غير القوام العقليّ والتماسك المنطقيّ الناشطين على سبيل المثال في مجال الفلسفة وسائر العلوم الإنسانيّة. وطالما أنّ الخطاب اللاهوتيّ مبنيٌّ على حقيقة الإعتناق الإيمانيّ، فإنّ عقلانيّة هذا الخطاب تظلّ عقلانيّة التصديق والثقة والأمانة، لا عقلانيّة التحرّي والبرهان والقياس، ممّا يجرّ على الخطاب الإيمانيّ محنتين، محنة الصدقيّة، ومحنة المعنى.

 

 

منشأ المحنة الأولى أنّ الخطاب الإيمانيّ يروم في الوقت عينه أن يظلّ أمينًا لمنطق الخطاب النظريّ المبنيّ على قواعد التفكّر العقليّ والتثبّت الموضوعيّ والتحقّق العلميّ، وأن يظلّ أمينًا لمنطق الإستدعاء أو الإستنهاض الوجوديّ الإلزاميّ الذي يحرّض الإنسان على الإختيار والإنتماء والتأييد. وليس يكفي، دفعًا للإعضال، تمييزُ موضوع الخطاب الإيمانيّ من أدوات صياغته، إذ إنّ الإختبار الكشف الإلهيّ، وهو موضوع اللاهوت، قد يستكره الإنسلاك في مقولات التفكّر العقليّ الذي يتحرّى الدقّة والموضوعيّة والتحليل ويراعي مبادئ الإستنتاج العلميّ القاهر، ممّا يبرّر بعضَ التشكيك في صدقيّة المضامين التي يذيعها الفكرُ اللاهوتيّ. وأمّا المحنة الثانية فمصدرُها أنّ المعاني التي يروم  أن يبلّغها الخطابُ الإيمانيّ، وقد استلّها من تضاعيف الكشف الإلهيّ، لا تحظى في مقام البداهة الأوّل بسند المدلولات الواقعيّة التي تحظى بها المعاني الإنسانيّة المستخرجة من معين التفكّر العقليّ البحث. وجوهر المحنة أنّ الخطاب الإيمانيّ إمّا أن يكون خطابًا عقلانيًّا فيُعرض عمّا ينطوي في طبيعة الكشف الإلهيّ من عناصر المخالفة لمسرى التثبّت العقليّ، وإمّا أن يعترف بفرادة الحقائق الإلهيّة التي يبلّغها الوحيُ فيُعرِض عن مقتضيات المعقوليّة اللصيقة بالكلام الإنسانيّ.

 

 

هذا كلّه يُفضي بنا إلى معاينة مبلغ المحنة التي تُلمّ بالعقل والإيمان. غير أنّ تاريخ العلاقة الناشطة بين العقل والإيمان جعل أثر هذه المحنة يتفاقم، إذ أضاف عليها محنة التخاصم والتصارع والتنابذ. فكما أنّ العقل سعَى وما فتئ يسعى إلى تجريد الخطاب الإيمانيّ من ادّعاء الجدارة الموضوعيّة والصدقيّة الفكريّة والصحّة العلميّة، كذلك الإيمان جدّ وما زال يجدّ في تعرية الخطاب العقليّ من مطامح الصّواب القاطع في النظر والسّداد الجازم في الرأي والجودة المطلقة في الإصابة، فيُغلظ عليه اللائمة ويُنكر عليه عجزه عن تطلّب نور اليقين في معاينة ما يتجاوز ظاهر الموجودات. فصارع العقلُ الإيمان ليهيمن عليه، وصارع الإيمانُ العقل ليهيمن عليه. ولمّا كانت معاداة العقل للإيمان تبسُطها في كثير من الدقّة والوضوح والإستفاضة موجزات تاريخ الفكر الإلحاديّ، فإنّ معاداة الإيمان للعقل ظلّت هي موضع الدّهشة والإستنفسار في نطاق البحث اللاهوتيّ الحديث. لذلك يعنيني في هذا المقام أن أستطلع سبُل التطويق والمحاصرة التي أتى بها الإيمانُ يضيّق على العقل ملتمسًا أن يسلُبه شرعيّة مقامه.

 

 

فلقد آن الأوان للفكر اللاهوتيّ المسيحيّ أن يطهّر خطابه من تجربة السّعي إلى قهر العقل.

 

وهذا بعينه ما سارعت إلى استجلائه الوثيقة اللاهوتيّة الكاثوليكيّة (الإيمان والعقل) التي أصدرها يوحنّا بولس الثاني منذ بضعة أعوام ينجد فيها العقلَ في معترك محنته من بعد أن يخاصم عقلُ الحداثة الإيمان وندّد بمقولاته وسفّهه وعاداه.

 

لقد قيل في المسيحيّة إنّها ما عُنيَتْ أصلاً بتدبّر طبيعة الإنسان العقليّة، بل أولت عنايتها الإنسان من حيث إقباله على اعتناق تدبير الخلاص الذي جاءه به بقوّة الرّوح القدس السيّدُ المسيح من لدن الله الآب. فكان الإنسان المفتدى المبرّر المرتدّ، لا الإنسان المتعقّل المتفكّر المكتسِب هو موضوع العناية اللاهوتيّة المسيحيّة. ذلك أنّ الرأي اللاهوتيّ السائد في الزمن الآبائيّ كان يملي على الفكر المسيحيّ ضرورة الإقرار بأنّ سلطة العقل واستقلال ناموسه الذاتيّ لا ينسلكان انسلاكًا بديهيًّا في دائرة التدبير الخلاصيّ القائم على طاعة الإيمان ومشروع الرّجاء وعمق الفعل في مبادرة الحبّ الإلهيّ. فقال اللاهوتُ الآبائيّ بمرجعيّتَين فكريّتين، المرجعيّة العقليّة والمرجعيّة الإيمانيّة، ولا سيّما من بعد أن أجاز هذا اللاهوتُ الناشئ لنفسه أن يأتي مُسعِفًا أو مكمّلاً للفلسفة اليونانيّة التي كانت في معظمها لاهوتًا معقودًا على التبصّر في أصل الوجود والموجودات. والحال أنّ تصارع العقل والإيمان في الفكر المسيحيّ الناشئ كان أشبه بتصارع العقل والهوى في الفكر اليونانيّ الآفل. فكما أنّ الإنسان كان في الزمن اليونانيّ يصارع بعقله المحسوسات ليضبطها ويستخرج من شتيتها وحدةَ المقصد والمعنى، كذلك كان الإنسان في الزمن المسيحيّ المستهلّ يصارع بإيمانه القلبَ الفاسدَ الذي يُضلّ العقل ويرمي به في في لجّة الخطيئة والموت. ولا عجب، ومن ثمّ، أن يطلب الفكرُ المسيحيّ من القلب أن يصدّق الوحي الإلهيّ، حتّى لو امتنع العقلُ عن هذا التصديق، وذلك لكي يستقيم للعقل، من بعد هذا التصديق، نشاطُ الإدراك الصائب.

 

 

وأمانةً للحقيقة التاريخيّة، ليس يمكن جزمُ الأمور وإثباتُ المعاداة الشاملة للعقل ينهج على منوالها الخطابُ الإيمانيّ على تعاقب أزمنة الفكر اللاهوتيّ المسيحيّ. والأصحّ القولُ بأنّ المسيحيّة تنازعها تيّاران لاهوتيّان اجتهدا في تعيين موقع العقل من عمارة التصوّر المسيحيّ الأرحب. ذهب أصحابُ التيّار الأوّل، وعلى رأسهم أغوسطينوس ولوثر ومن حذا حذوهما من أهل المذاهب البروتستانتيّة والكاثوليكيّة والأورثوذكسيّة، ذهبوا إلى أنّ فساد الخطيئة والسّقطة الأولى يُصيب العقل الإنسانيّ فيُقعده عن إدراك جوهر الحقائق ويُضعف فيه مقدرَته على البلوغ إلى المعرفة الصحيحة، ممّا يضعه في حال العوز الفطريّ إلى سند الألوهة تُصوّب عملَه وتوجّه نشاطَه في قصد الإخضاع والهداية. وبالرغم ممّا كان يسوقه أوغسطينوس في امتداح العقل القابل للإستنارة، فإنّ السّمة الغالبة في فكره اللاهوتيّ تشاؤمٌ صريحٌ وإصرارٌ بيّنٌ على بؤس الإنسان وانعطاب مقدّراته العقليّة الذاتيّة.

 

 

واقتداءً بهذه الواقعيّة اللاهوتيّة المتشائمة، حرّر لوثر إصلاحه الدينيّ من قبضة العقل، فجعله يستمسك بالشعور الدينيّ، منبع الإيمان والإعتناق والإلتزام، وجلُّ مقصده أن يُعفي فكر الإنجيل من صحوة العقل الحديث الناقد. ومع أنّه كان يعترف بأنّ العالم صنيعة الله، فإنّه كان يفصل بين المعرفة الإيمانيّة والمعرفة العقليّة للعالم. وبما أنّ يد الله عادت لا تظهر في الخليقة، وجب على الإيمان أن يرتدّ إلى الباطن الإنسانيّ يحياه الإنسانُ في قلبه ووجدانه ومشاعره حضورَ إشراقٍ واستنارةٍ يجاري العقيدة اللاهوتيّة ويصاحبها من غير أن يقضي عليها لحاجة الجماعة المؤمنة إليها. وطالما أنّ السّقطة الأصليّة تجعل الإنسان كائن الرغبة العمياء وكائن الخضوع لامتحان الضلال والفساد، فإنّ الإيمان وحده والنعمة وحدها وكلام الله وحده هي قادرةٌ على نجدة الإنسان وانتشاله من وهدة الإنعطاب اللّصيق بطبيعته وإكسابه المعرفة الصحيحة في تجاوزٍ مستمرّ لتجريدات العقل النظريّ.

 

 

وأمّا أصحابُ التيّار اللاهوتيّ الثاني، وفي مقدّمتهم توما الأكوينيّ وكلّ من نحا نحوه من أهل المذاهب الكاثوليكيّة والأرثوذكسيّة والبروتستانتيّة، فيستطلعون في معاني التصميم الإلهيّ تفاؤلاً عظيمًا بجمال الطبيعة البشريّة وثقةً ثابتةً بمقدُرات العقل الإنسانيّ. ولذلك يُقرّون لهذا العقل بنور طبيعيّ يستوطنه ويؤهّله للفوز بمعرفة صحيحة للوجود والموجودات، ولو أنّ إدراك معاني الوحي يَضطرّه إلى الإستعانة بأنوار العون الإلهيّ. ولا غرابة، من ثمّ، أن ينهض ما بناه توما الأكوينيّ من عمارةٍ في التفاؤل اللاهوتيّ على قاعدة الإعتراف بأنّ كلّ ما يُسلَب من كمال الخليقة يُسلَب حتمًا من كمال الخالق.

 

 

وممّا تجدر الإشارةُ إليه في هذا السّياق أنّ التصارع اللاهوتيّ بين العقل والإيمان واكبه أيضًا تصارعٌ فلسفيٌّ أسهم في إذكائه فلاسفةٌ انتموا إلى مختلف الكنائس المسيحيّة. فها هوذا باسكال، لؤلؤةُ الفكر الكاثوليكيّ السّلفيّ، يخاطب العقل فينهره قائلاً: “أيّها العقل العاجز، اتّضع”. وها هوذا كانط، درّة الإيمان البروتستانتيّ المحافظ، يقضي بإبطال متناقضات المعرفة العقليّة لاقتبال واجب الإيمان في الوجدان الأخلاقيّ. وفي جميع الأحوال ظلّ الفكر المسيحيّ، اللاهوتيّ منه والفلسفيّ، ظلّ يحذَر من العقل حذَرَه من سلطة قد تناقض بعضًا من مضامين مسلّماته وبديهيّاته ويقينيّاته وتخالفه في شيء من اجتهاداته ورسومه وآرائه. ولذلك لا بدّ في ختام هذا البحث من أن أتأوّل مضامين الكشف الإلهيّ ومباني التصوّر اللاهوتيّ المسيحيّ الأرحب تأوّل الجرأة المبتكرة لأستنطقهما عن مكانز ودائعهما الخليقة باستجلاء مقام العقل في سياق الإختبار الإنساني الإيمانيّ.

 

 

يُجمِع علماء المسيحيّة على القول بأنّ الأساس اللاهوتيّ الأبعد غورًا في استجلاء هذا المقام إنّما هو إثبات القربَى الأصليّة بين العقلانيّة الإلهيّة والعقلانيّة الإنسانيّة. فالإنسان يعاينه البصرُ الإيمانيّ المسيحيّ منغرِسَ الأصل في حضن الحبّ الإلهيّ. لذلك يؤكّد بطرس في رسالته الثانية أنّ القدرة الإلهيّة تحرّض أبناء البشر على التحرّر من فساد الخطيئة ليصيروا شركاءَ في الطبيعة الإلهيّة. ويحمل اللاهوتُ المسيحيّ هذه الشركة على معنَى الإنجاز الثابت يضمنه تصميمُ الله في إشراك الإنسان في حياته الإلهيّة، وعلى معنى الإمكان المقبل يرعاه الإنسانُ بفعل الحريّة الموهوبة له. ولهذه القربى الأصليّة سندٌ أيضًا في بشارة يوحنّا الإنجيليّ الذي يُعلن في مستهلّ شهادته أنّ الكلمة الإلهيّ هو في أصل الوجود وفي مسرَى الوجود وفي غاية الوجود: “في البدء كان الكلمة، والكلمة كان لدى الله، وكان الكلمة الله. كان ذاك في البدء لدى الله. به كوِّن كلُّ شيء، وبدونه لم يكن شيءٌ واحدٌ ممّا كُوِّن”. فالكلمة هو العقل الإلهيّ الذي به وفيه ومنه قوامُ كلّ الموجودات. ولذلك يُصرّ بولس في رسالته إلى الكولُسيّين على أنّ المسيح في سرّ حضوره يستوطن الواقع كلّه، إذ إنّ الحقّ هو المسيح. فإذا كان الكلمة الإلهيّ أو اللوغوس الإلهيّ أو العقلُ الإلهيّ أصلَ الوجود وعمق الكيان وأساس العالم، فإنّ الموجودات كلّها، على تفاوت مراتبها، عقليّةُ الجوهر والباطن والقوام.

 

 

 

وفي نصّ النبيّ أشعيا يستطلع الفكرُ المسيحيّ اللاهوتيّ عناصر الأساس في إثبات عقلانيّة الكون والوجود، وهي عقلانيّة مثلّثة الأضلاع. يبلّغ أشعيا كلام الله فيكتب: “هكذا قال الربُّ خالقُ السّماوات، الله جابلُ الأرض وصانعُها الذي أقرّها ولم يخلُقْها للخواء، بل للعُمران جبلها. إنّي أنا الربُّ وليس آخرُ. إنّي لم أتكلّم في الخُفية في موضع مُظلم من الأرض، ولم أقلْ لذريّة يعقوب التمسوني عبثًا. أنا الربُّ المتكلّمُ بالصدق المخبِر بالإستقامة. إجتمعوا وهلمّوا وتقدّموا جميعًا يا أيّها الناجون من الأمم”.

 

في الجانب الأوّل من هذه العقلانيّة المنغلّة في ثنايا الخلق أنّ للوجود معنًى يناقض الفراغ والخواء والعبث.

 

وفي الجانب الثاني من هذه العقلانيّة أنّ الكلام البشريّ يعضده وضوحُ الكلام الإلهيّ الذي لم يعتلن في موضع نظلم من الأرض.

 

وفي الجانب الثالث من هذه العقلانيّة أنّ استقامة المسلك البشريّ يؤيّدها الصدقُ الإلهيّ. وعلى هذا النحو، تتجلّى العقلانيّة الإلهيّة أصلاً لعقلانيّة الكون المجبول على المعنى، وأصلاً لعقلانيّة الوجود المفطور على الوضوح، وأصلاً لعقلانيّة الكيان المعقود على الإستقامة.

 

 

وأمّا السند الثالث والأخير الذي يؤيّد صلة القربى الأصليّة بين العقلانيّة الإلهيّة والعقلانيّة الإنسانيّة، فمادّتُه أنّ الفكر اللاهوتيّ المسيحيّ، وقد سار على نهج بولس في رسالته الأولى إلى الكورنثيّين، ينسب إلى الصّليب حكمة الخطاب العقليّ. والعبارة البولسيّة تنبئ في أصلها اليونانيّ أنّ كلام الصّليب عند الهالكين جهالة. فللصّليب في اللاهوت المسيحيّ، والصّليبُ منتهى تجلّي الحبّ الإلهيّ، كلامٌ يُدرك معناه أهلُ الخلاص، أي جميعُ الذين إعترفوا بهذه القربى الأصليّة بين الله والإنسان وسلكوا بمقتضى إلهاماتها ورسومها. وليست الجهالةُ في هذا السّياق اللاهوتيّ نقصًا في المعرفة، بل رفضٌ حرٌّ لمعقوليّة هذه القربى الأصليّة. ولا غرابة، من ثمّ، أن يكون للصّليب عقلانيّةٌ هي عينُ العقلانيّة الإلهيّة، وقد أُسنِد إلى العقل الإنسانيّ واجبُ التبحّر في معانيها. فلا يجوز على الإطلاق أن يُستخرَج من هذا النصّ ومن سواه من النصوص الكتابيّة التي تحذّر من غرور الفلسفة الباطل أيُّ انتقاص لمقام العقل الإنسانيّ وأيُّ تبرير للتعطّل العقليّ والتبطّل الفكريّ والتبلّد الذهنيّ.

في حِسباني أنّ هذه الأسانيد اللاهوتيّة الثلاثة تُعزّز القولَ بتلازمٍ صريح بين العقلانيّة الإلهيّة والعقلانيّة الإنسانيّة، وتُعزّر القولَ بتفاعل حيّ متفوّر مثمِر ما فتئ ينشط بين العقل والإيمان حتّى ليغدو العقلُ عقلَ الإيمان والإيمانُ إيمانَ العقل. فحين يحرّض بولس الكورنثيّين على إنشاء خطابٍ في الرّوح يقوَى الوثنيّون على إدراكه إدراكًا عقليًّا، وهو خطاب الصّلاة التي ترفعها الجماعة الملتئمة بتدبير الكلمة الإلهيّ الحاضر في وسطها، وحين يحثّ بطرس في رسالته الأولى جميعَ شهود الإنجيل على الإجابة العقليّة عن الرجاء الذي يحيون فيه، فإنّ الإختبار المسيحيّ الإيمانيّ في أعمق دلالاته الرّوحيّة يصبح هو بعينه قابلاً للإبلاغ لأنّه سبق واكتسى حلّة الخطاب العقليّ المبنيّ على عقلانيّة الكلمة الإلهيّ. وحقيقةُ الأمر أنّ الكلمة الإلهيّ هو أصل العقلانيّة في الرجاء المسيحيّ. وبمثل هذا القول سأكلّل خاتمة توسّعاتي اللاهوتيّة فأسوق بعضًا من الخلاصات التي أستخرجها من جرأة الإعتراف بحقيقة القربى الأصليّة بين العقلانيّة الإلهيّة والعقلانيّة الإنسانيّة.

 

 

في الخلاصة الأولى أنّ التصوّر الإيمانيّ المسيحيّ يعتبر الكون كلّه مفطورًا على العقلانيّة لأنّ مهندسه الأوّل هو عقل وحكمة وتدبير. ويعاين في العقل نورًا يقذفه الله في فطرة الإنسان ليدرك به الحقّ في مجرى الزمن المتوقّل إلى الكمال، ممّا يجعل الإنسان ذاتًا حرّة عاقلة يؤهّلها صلبُ طبيعتها لأن تتعرّف هباتِ الجود الإلهيّ من حقّ وخير وصلاح وجمال وحبّ وفيض حياة. في بنية العقل أنّه مصوّبٌ نحو الحقّ، به يستطيع الإنسانُ أن يدرك ما يحتجب وراء الظواهر من أبعاد التسامي التي تنطوي عليها الخليقة في صميم عقلانيّتها.

 

 

وفي الخلاصة الثانية أنّ العقل الإنسانيّ، مهما امتدح فعلَ التجسّد الإلهيّ الذي به تجلّت صلةُ القربى بين العقلانيّة الإلهيّة والعقلانيّة البشريّة، لن يبلغ حدّ التطابق الكلّيّ مع العقل الإلهيّ لعلّتين اثنتين. العلّةُ الأولى أنّ الإنسان ما برح ينسلك في نطاق الإنتساب الزمنيّ والمكانيّ. فالإنتماء إلى مجرى التاريخ البشريّ هو علامةُ المحدوديّة الإنسانيّة التي أصوبُ ما قيل فيها أنّها تضع الإنسان في حدود النسبيّة القاهرة. والعلّة الثانية أنّ الإنسان خلقه الله حرًّا في اختيار الإيمان فعلَ ثقةٍ بإمكان هذا التطابق في المقبل من زمن الملكوت، وحرًّا في الإعراض عن هذا الإيمان والإكتفاء بحبس كلّ الطاقات الإدراكيّة في حدود الإكتساب العقليّ المحض. والرّجاءُ أنّ فعل الثقة بإمكان هذا التطابق يُكسِب العقلض البشريّ، على محدوديّته، جرأةً على استقراء تجلّيات الرّوح الإلهيّ في مطاوي الوجود.

 

 

وفي الخلاصة الثالثة أنّ الإيمان، في مفهومه المسيحيّ، هو عقلٌ باحثٌ ارتضى البحث حالةً ثابتةً به، وفي هذا جوهرُ الإنفتاح في عقلانيّته، وهو عقلٌ مِقدام اجترأ فوثق بانكشاف الحقّ الإلهيّ في المقبل من زمن الملكوت فتوطّدت حالةُ البحث المستمرّ فيه، وفي هذا جوهر الإنفتاح في سعيه. ولا ريب أنّ أفضل ما وُصِف به الإيمان أنّه إيمان البحث عن العقل (Fides quaerens intellectum). ومن معاني هذا القول البديع الذي أرسله القدّيس أنسلموس (في كتابة خطبة Proslogion) أنّ البحث هو الذي يجمع الإيمان بالعقل والعقل بالإيمان فيجعل العقل الإنسانيّ، وقد سكنه ضياءُ العقل الإلهيّ، هو مهوَى الإيمان وغايته القصوى. وفي البحث ضنًى في تعشّق المساءلة وشفاءٌ في انكشاف الحقائق. ولذلك قال الفيلسوف الألمانيّ لسّينغ ما معناه أنّ الله، إذا شاء أن يعطينا الحقيقة بيد، وعشق البحث الدائم عن الحقيقة بيد أخرى، وجب علينا أن نأخذ باليد الأخرى. ولمّا كان الإيمانُ المسيحيّ، في وجهٍ من وجوهه، ثقةً بحضور الله في صميم الوجود الإنسانيّ، فإنّ التفكّر الإيمانيّ في هذا السرّ، على ما يذهب إليه كارل رانر، لا يأسر البتّة عمل العقل، إذ إنّ السرّ في الكتاب إنْ هو إلاّ سرُّ العلاقة الإنسانيّة المشرّعة الآفاق، والعلاقةُ منبت السرّ ومِهمز البحث.

 

 

وفي الخلاصة الرابعة أنّ العقل الإنسانيّ، إذا وثق بأنّ الإنسان هو أبعد من إنجازه التاريخيّ، تهيّأ له أن يستجلي آفاق الحضور الإلهيّ في صميم التاريخ الإنسانيّ. وطالما أنّ الله يتجلّى للإنسان المؤمن مُنبسطًا من العلاقة الحرّة، فإنّ الحقيقة الإلهيّة لا يستطيع الإنسانُ أن يتملّكها تملّكه لغرض من أغراض المعرفة البحتة. وفي صدد هذا الموضوع يقول أوغسطينوس إنّ “الله محجوبٌ بحيث نبحث عنه حتّى نجدَه؛ ولكنّه غيرُ محدود بحيث نظلّ نبحث عنه حتّى حين نكون قد عثرنا عليه“. وإذا ثبت أنّ الإيمان هو في أساسه تبريرًا للبحث الإنسانيّ المستمرّ، فإنّ العلاقة التي أنشأها الفكرُ المسيحيّ بين البحث والإيمان تصبح هي التي تُنير علاقة العقل بالإيمان. ومعنى ذلك أنّ البحث المستمرّ هو صلة الوصل بين العقل والإيمان. فإذا كان العقل ملكة البحث الأرحب في الكيان الإنسانيّ، كان الإيمان الباعث الأوّل على مثل هذا البحث. وكما أنّ الإيمان ليس مرادفًا لامتلاك الحقّ، كذلك البحث ليس مرادفًا لاقتدار اليقين.

 

 

في الخلاصة الخامسة أنّ الفرق بين العقل المؤمن والعقل غير المؤمن يُظهره الإختلافُ على استخراج معنى البحث. فالعقل المؤمن يرَى أنّ للبحث الإنسانيّ معنى السّعي الصائب إلى الحقيقة التي لا تني تتجلّى في ثنايا الوحي الإلهيّ، فيما العقل غير المؤمن يقطع بأنّ البحث الإنسانيّ لا يُخرج الإنسان من دائرة التاريخ المغلق، إذ لا يعقل أن يبحث العقل في ما يتخطّى حدودَ الإنتماء التاريخيّ. ولذلك استنبط الفكر المسيحيّ قاعدة التلازم الحتميّ بين العقل والإيمان، أي بين إدراك معاني الوجود والوثوق بانفتاح هذه المعاني وإطلالتها على آفاق الحضور الإلهيّ. فقال أوغوسطينوس، وفي قولته هذه عينُ الحقيقة، إنّ الإنسان ينبغي له أن يدرك الأمور حتّى يؤمن وأن يؤمن حتّى يدرك الأمور. واستنادًا إلى هذه القولة اللاهوتيّة تعترف المسيحيّة بأنّ الإيمان لا يأتي من غير تبصّر عميق في قوام الأشياء وبواطن الأمور، وأنّ التبصّر لا يستقيم فيبلغ غايته إلاّ إذا صاحبه إيمانٌ بأنّ عقلانيّة الوجود مرآةُ العقلانيّة الإلهيّة. ولذلك انبرى اللاهوتيّون يحدّدون علمَ اللاهوت عقل إيمانٍ أو عقلَ الإيمان أو عقلاً في الإيمان أو تبصُّرًا عقليًّا بمقولات الإيمان (Intellectus fidei) ؛ وفي جميع هذه التعابير أخذوا يرون في اللاهوت تبصّرًا إيمانيًّا في حقائق الوجود.

 

 

واستنادًا إلى مثل هذا التبصّر الإيمانيّ يمكن القول في الخلاصة السادسة والأخيرة بأنّ المسيحيّة لا يمكنها أن تتصوّر إيمانها بمعزل عن مسعى الإدراك العقليّ تحمله على أوسع مدلول له. صحيحٌ أنّ الوحي الإلهيّ لا يصبح انكشافًا لسرّ الله في وعي الإنسان إلاّ إذا تقبّل الإنسانُ هذا الوحي في فعل إيمان حيّ يُلزم كلّ كيانه. غير أنّ الإيمان يحمل في ذاته تطلّب المسعى العقليّ لأنّه إيمان البحث المستمرّ عن أفضل إدراك لمعاني الكلام الإلهيّ. وبما أنّ الله في المسيحيّة لا يكتب كتابًا، فإنّ الإيمان هو إيمان البحث العقليّ عن كشف الله لذاته في الأشخاص والأحداث والأفعال وسير التاريخ برمّته. الإيمان هو لغة التأويل التي بها يتناول الإنسانُ المؤمنُ ظهورَ كلام الله في التاريخ. وهذا الإيمان المتعقّل المؤوّل هو جزء صميمٌ من الوحي الإلهيّ المستمرّ في مجرى الزمن الإنسانيّ. وبما أنّ موضوع التعقّل الإيمانيّ، أي موضوع خطاب التأويل الإيمانيّ هو الكشف الإلهيّ عن سرّ الله وسرّ الإنسان وسرّ لقاء الاثنين في شخص يسوع المسيح، فإنّ المسعى اللاهوتيّ الأبرز في المسيحيّة يظلّ مسعى التنوّع الشرعيّ في استطلاع سبُل الإدراك الممكنة لمعاني هذا الكشف الإلهيّ.

 

 

وكلّما استند المسعى اللاهوتيّ إلى مقتضيات البحث العقليّ أمكن الخطابُ الإيمانيّ أن يتحرّى عن صحّة مقولاته وعن قدرتها على استنطاق الأحداث الأصليّة في الوعي المسيحيّ وقدرتها على تقويم مسلك الإنسان المؤمن في التزامه معاني الوجود الإنسانيّ القويم. المسيحيّة الحقّة لا ترهب مساءلات العقل الرّصينة، بل تستثيرها لئلاّ يقع الخطابُ الإيمانيّ في تجربة الإنكفاء الكتابيّ والتقوقع العقائديّ والإستنجاد الرّوحيّ بالمشيئة الإلهيّة.

 

 

فعلُ التفكّر العقليّ هو من صلب المسعَى الإيمانيّ في المسيحيّة. وهو الذي يقي الخطابَ اللاهوتيّ مخاطر التشبّث المتحجّر بعناصر المقاربة النّسبيّة في تحديد الهويّة الدينيّة، وهي العناصر التي نشأت في أصلها ثمرة تفاعل حرّ بين ما انكشف من كلام الله في تاريخ الوعي الإنسانيّ الدينيّ وما أتاحته ثقافات الأجيال الإنسانيّة المتعاقبة من مقولات الإصغاء الإنسانيّ والتجاوب الإنسانيّ والإلتزام الإنسانيّ. ومعضلة المعضلات في الخطاب الإيمانيّ أنّه غالبًا ما يخلط بين مقاييس الحقيقة ومصالح السّلطة الدينيّة، فيبتعد ابتعادًا فاضحًا عن مقتضيات المسعى العقليّ النّزيه. وعلى قدر ما يتجلّى الإيمانُ في المسيحيّة إيمانَ الثقة بصدق السيّد الذي كشف للإنسان عن وجه الله، يسهل على الخطاب الإيمانيّ المسيحيّ أن يثق بالعقل محكّ اختبار وتحقّق وتثبّت لما يُنشئه هذا الخطاب من استجلاء لحقائق الوجود الإنسانيّ ومن استنان لمناهج المسلك الإنسانيّ القويم. فإذا كان الباحثُ اللاهوتيّ هو الإنسان الذي يؤمن بالله إيمانًا يضعه في حال الإستنفار العقليّ الأقصى وحال الإستفسار العقليّ الأرحب وحال الإستزادة العقليّة الثابتة، فإنّ البحث العقليّ ينزل من الخطاب الإيمانيّ منزلة العماد والقطب والمحور.

 

 

قُصارى التفكّر في هذه المسألة أنّ المسيحيّة، في جرأة حيويّتها اللاهوتيّة، تثق بالعقل ثقة الإعتماد المطلق على ما يُعينها في بناء إنسانيّة الإنسان الباحث عن إدراك معاني وجوده القصيّة. وعلى قدر ما يلتزم العقلُ قضيّة الإنسان، وهي القضيّة الأقدس في مشروع السيّد المسيح، يحظى العقلُ بنصرة الخطاب الإيمانيّ، وهو الخطابُ الذي تستنهضه دعوته اللاهوتيّة إلى الحفاظ على العقل والذود عنه وصونه من غُلْواء ذاته. فالإيمان حارسُ العقل وضابطُه كلّما سعى العقلُ إلى إفناء ذاته، والإيمان حافزُ العقل ومُنشّطه كلّما هبّ العقلُ ينجُد الإنسان في بناء إنسانيّته بناءَ التقدّم الحثيث شطر الملكوت. وعلى وقع هذا التوفيق الحفر بين الحراسة والحفز، أي بين الضبط والتنشيط تقوم الخدمةُ التي يقتضيها العقلُ منّا (logikè latreia)، بحسب ما أبانه لنا بولس في رسالته إلى الرومانيّين.

نقلاً عن المركز الدائم للتنشئة المسيحية

العودة إلى الصفحة الرئيسية

أليتيا Top 10
  1. الأكثر قراءة
النشرة
تسلم Aleteia يومياً

الملايين من القراء حول العالم - ومنهم الآلاف من المسيحيين في الشرق الأوسط - يأتون الى أليتيا للمعلومات، والتشجيع والإلهام. الرجاء ان تأخذ بعين الاعتبار مساعدة القسم العربي بتبرع بسيط.