Aleteia logoAleteia logo
Aleteia
الخميس 26 نوفمبر
home iconمواضيع عميقة
line break icon

الأب بشارة إيليّا الأنطونيّ في فلسفة المثال والحياة والحبّ

الأب مارون الحايك الأنطونيّ - تم النشر في 28/01/18

لبنان/ أليتيا (aleteia.org/ar)  يبحث الأب بشارة إيليّا الأنطونيّ عن المطلق ليبرِّر سعيه الفلسفي وإيمانه بأن الحياة في جوهرها هي بحث دائم عن المطلق أو المثال الأعلى.

فعلى خلفيّة فلسفيّة ولاهوتيّة، تأثَّر بالمتعالي المطلق بحسب الفلسفة المدرسية scolastica، وهي الواحد، والموجود، والحق، والخير، والجمال. وهذا المطلق هو السموّ الفنّي أو الأخلاقيّ أو العقليّ أو الروحيّ.

واعتاد المؤلِّف في جو روحيّ ولاهوتي أن يعيش في سبيل المثل العليا، متأثِّرًا بما يومئ إليه أفلاطون بأن المجرَّدات صور مجرَّدة في عالم الإله، وهي تسمّى المثل الإلهية التي لا تَدثر ولا تَفسد، ولكنّها باقية، وإنّما الذي يَدثر ويفسد إنّما هو الموجودات التي هي كائنة، كما يقول الفارابي في “كتاب الجمع بين رأيي الحكيمين”؛ وهي الفكرة عند أفلاطون النموذج العقلي أو المثال أو الصورة العقلية المجرَّدة التي لا تدثر. وهذه المثالية تقرّر أن جميع الظواهر من دون استثناء هي تصوّرات أو تمثيلات عقلية، وتُعدُّ كلاًّ من الزمان والمكان صورة محسوسة متعلّقة بالمدركات الحدسيّة، لا صورة قائمة بذاتها، ولا صفة من صفات الشيء بذاته، وتسمّى المثالية الابستمولوجيّة.  

فالحياة في كتاب “أمل اللقاء” هي لقاء وأمل واكتشاف ومفاجآت مع الذات والآخر، وفي النهاية مع الله الحاضر في الذات وفي الآخر.

بهذا المعنى وهذا الكلام، انطلق الأب إيليّا على الرُّغم من اعترافه بأنّه اعتاد على الصعوبات في الحياة وعلى إرهاصاتها الموروثة عبر التاريخ. فهو يجاهد ويغامر ويتفاعل ويعاني، لعلّه ينتصر في بحثه عن السرّ الأسمى.

لقد أدرك الأب إيليّا في وعيه أن الانسان نُطفةٌ تنمو وتكبر في الوجود المرئيّ والملموس، لتكوّن كينونتها، وتبحث عن سرّ وجودها، وتظلّ تبحث مستعينة بمن حولها وبما حولها، فتكوّن ثقافة عن الوجود وعن الحياة وعن سبب الحياة، وهذا ما حاول طرحه في جدليّة فلسفية وروحية

ولاهوتيّة واجتماعية، لعلَّها ترشده إلى ما يصبو إليه.

لقد حاول أن يستعين بالطبيعة، كما استعان الفيلسوف القدّيس توما الاكويني لكي يبرهن وجود الخالق. وحاول أن يستعين بالانسان الذي يلتقيه، فاصطدم بما يقترفه الانسان منذ آدم، من ويلات وحروب، تقتل الإنسان على مرّ التاريخ، أو تشوِّه كلّ ما خلقه الله.

وواكب الأب إيليّا تقلّبات الانسان والحياة والطبيعة، ولم ينس أنّه مؤمن مسيحيّ وأنّه يصلّي يوميًا إلى المثال الحاضر في كيانه، لأنّه مؤمن أنَّ المثال قد يغيِّر ما في الانسان فيوحي إليه ويلهمه في مسيرة حياته الانسانية والاجتماعية.

وتوقّف الأب إيليا عند مسألة الموت، بعد أن اصطدم به كأنّه صخرة لا تتزعزع، من خلال موت والده الذي طرح على حياته أسئلة وجودية، كما يقول. فاعتبر الموت سرّاً كسائر الأسرار، لأنّه يأتي في ساعة لا نعرفها ولا نخالها ولا نريدها كما قال السيّد المسيح.

واعتبر أن الموت لا يحترم الانسان في حاضره ومستقبله ولا يحترم سائر الناس الذين يحتاجون إلى بعضهم بعضًا. والموت أيضًا يأخذ من يريد، ولا يميّز بين غنيّ وفقير، وبين صغير وكبير، وبين مذهب أو دين، وبين مؤمن وكافر. (أمل اللقاء صفحة 39).

واستعاد الأب إيليا ما تعلّمه في الكتاب المقدّس بأنه مؤمن لا يخاف الموت، مؤمن بالمثال الذي يبحث عنه وهو سيّد الحياة والموت. وهو لا يخاف الموت، لأنّه مؤمن بما قاله الانجيل: “لا تخف ممّن يقتلون الجسد بل خف ممَّن يقتلون الروح”…

لقد مثَّل الأب إيليا دور كل إنسان يعيش في خضمّ الحياة، من الأب والأم إلى الأخت والأخ والعامل والفلاّح والبطل المدافع والشهيد الذي سقط دفاعًا عن الحرية والكرامة والقيم في مجتمعه ووطنه. فتذكَّر ما قاله السيّد المسيح: ما من حبّ أعظم من أن يضحّي الانسان بنفسه من أجل الأحبّاء، ليس بالضرورة أن يموت الموت النهائي، بل أن يضحّي الأب والأم أمام أولادهما والأخت والأخ، أمام بعضهما وأمام الوالدين، والعامل في الكدّ لكي يحصل على لقمة عيشه، والفلاّح في أرضه لكي يسهم في إنتاج الأرض لخير الناس، والبطل لكي يبقى الواطن والمجتمع مصانًا من أي تعدٍ أو إهانة أو احتلال…

وأدرك الأب إيليا أن أعظم خلق الله هو الانسان، وعظمة الانسان دعوته إلى الحبّ أو اللقاء المنشود.

واستمرّ الأب إيليا في نِشْدانه اللقاء، من خلال الطبيعة والأرض، متأمِّلاً خالقها ومبدعها، بروح متواضعة، كأنّه شعر بالراحة والطمأنينة، وكأنّه يقرأ في الطبيعة لغة الخالق وجماله، لعلّه يشاهد حقيقة الوجود بأبعاده الروحية والاسكاتولوجية (ص 65).

ووعى الأب إيليا في صلاته صوتًا يناديه من كهف كيانه، ومن كهف الآخر، ومن كهف الله، كأنَّه تأثَّر بفلسفة الكهف وأهل الكهف الأسطورية، والتي تناولها ميخائيل نعيمه في كتابه “مرداد”. فسأل نفسه عن مثله المنشود، فكان الجواب هو “الأنا”، أناه القريبة منه والبعيدة، التي يعرفها ولا يعرفها، ولكنّها من الله.

وخاف الأب إيليا أن يعتريه شعور بالأنا المثلى فيه فيقع في الغرور والكبرياء والكآبة والضعف ورفض الآخر والانفرادية والتقوقع والتوحّد السلبيّ واليأس والخوف. بل آمن بأن مثاله الأعلى هو في الانسجام مع الذات، على الرُّغم من تناقضاتها، وفي لقاء الآخر والاكتساب منه، أي الاكتساب من الانسان ومن الله الحاضر أبدًا في الانسان على أمل اكتشاف أعماق الله.

ويكمل الأب إيليا رحلته البحثيّة في اكتشاف الآخر المختلف عنه، من خلال معايشته والتفاعل معه في صعوباته وآلامه، فيرتقي معه بالمعاناة إلى ذلك اللقاء الذي اختبره في كتابه الأوّل.

فوضع يده على الجرح، الجرح الإنسانيّ بحسب كل إنسان يولد في الألم، ويعيش في الألم. واعتبر أن الجرح أو الألم هو واقع ملموس، محسوس، وليس خيالاً أو فكرة نسمع عنها.

هذا ما حاول إظهاره على الورق بعد اختبار لا بأس به عاشه مع أطفال تولَّى الاهتمام بهم منطلقًا من ترتيلة الميلاد المجيد: أرسل الله ابنه الوحيد لكلّ واحد منّا، وليس إلى البشرية جمعاء وحسب. فالله، نسبةً إليه يعرف كل إنسان باسمه قبل أن يولد.

ويخبر عن بدء خبرته مع “أطفاله” في المدرسة: يكتشف أن الأطفال يتعاونون في العطاء،

فيسأل: فكيف إذا تعاون ناضجان؟ فيتيقَّن أن ما يزرعه في كل طفل يكون كحبَّة الحنطة التي تقع في الأرض الطيِّبة، لأن كل طفل بريء في طبيعته، يتلقَّى ما يوجَّه إليه، فيبني مستقبله (الجرح الأبدي ص 17).

وشعر بقوَّة في داخله مصدرها طفلة، كالمسيح الذي شعر بقوَّة خرجت منه. وهذه القوّة هي الشعور بحنان الأبّ الذي يضمّ أولاده ويحميهم عندما يشعرون بالخوف، وقد شعرت هذه الطفلة بالرعب والخوف عندما انقطع التيار الكهربائي وسط الأمطار والبروق والرعود.

ثمّ تعجَّب من طرح أسئلة الأطفال حول النور والظلام وكيف أن الأرض تدور حول الشمس لأن الشمس كوكب ثابت لا يتحرّك. فهذه الأسئلة طرحها الأطفال من تلقاء أنفسهم كأنّهم اطَّلعوا على عالم الفلك والجغرافيا الايطاليّ غاليليه!

ثم تساءلوا عن وجود الله ومن خلق الله؟ فإذا هو في مأزق، لأنّه صعب عليه أن يعرّف الله بأنّه أبدي أزليّ ولا بداية له ولا نهاية، وهو خالق الكون، وأن يشرح لهم هذه المعضلة الفلسفية واللاهوتية! ثم استعاد إيمانه متذكِّرًا ما قاله سابقًا: أؤمن أن الله الآب أرسل ابنه الوحيد يسوع المسيح في ملء الزمان، ليكشف لنا عن ذاته، ويفهمنا على قدر استيعابنا، كما حاول أن يُفهم الأطفال على قدر استيعابهم.

واستمرّ يدور حول الله، الذي خاض غمار لاهوته، وحول نفسه، التي تمرّ بين الخير والشر، والظلام والنور (ص 22- 25).

ولا شكّ في أن الأب إيليا قد تأثّر بالقديس توما الاكويني أيضًا الذي بحث في صفات الله وقال بأنّها تدرك إدراكًا حقيقيًا بعقل خالص خالٍ من كل ما هو ماديّ، وخالٍ من شواغل المادة. فكل الموجودات عند الأكويني تفسد. والله لا يفسد، لأن صفات الله لا تصف الطبيعة الالهية قدر ما ترفع عن الذات تصوّرات فاسدة قد تُسيء إلى ذاته.

وإذا بالأب إيليّا يحتفل بالذبيحة الالهية مع أطفاله المصلّين المتخشعين ويتلو الانجيل بحسب (لوقا 26/14): “من أتى إليّ ولم يفضّلني على أبيه وأمّه وامرأته ونسيبه وأخواته، بل على نفسه أيضًا، لا يستطيع أن يكون لي تلميذًا.

فأغفل عن شرح الآية لئلاّ يجرح الأطفال خصوصًا وأنهم في المدرسة الداخلية وفي الميتم. فتكلّم على محبّة الله وكيف يريد أن نحبّه فوق كل شيء. ثمّ استوقفه طفل وطلب منه أن يتكلّم في مكان بعيد عن وجه الله. فاستغرب الأب إيليّا وقال له: “إن الله موجود في كل مكان”.. ثم خاطبه الطفل بقوله: “أبت لا أريد أن أكون مسيحيًّا بعد اليوم!”. فسأله: “لماذا هذا القرار وماذا حصل لك؟!”. فأجابه: إن يسوع الذي أؤمن به، يطلب منّي الكثير، وأنا لا أستطيع أن ألتزم بكل كلامه! إنّه متطلّب جدًا.. لأنّي أحبّ أمّي كثيرًا ولا أريد أن أحبّ أحدًا في حياتي أكثر منها، وعلى الرّغم من أنّها وضعتني في مدرسة داخلية.. فإنّي أحبّها كثيرًا. وكما تعلم إن والدي في السجن، وأمّي تعمل ليلاً نهارًا من أجلي ومن أجل إخوتي. ستكون حزينة إذا علمت أني أحبّ أحدًا أكثر منها. فهي تعاتب الله كثيرًا، إذ سمعتها عدّة مرّات وهي تصلّي وتقول: “لماذا تركتنا يا الله؟ فكيف تريدني أن أحب يسوع خصوصًا وأنه يطلب منّي أن أحبّه أكثر منها؟ ثمّ قال له الأب إيليّا: أنا أحاول أن أحبّ يسوع أكثر من أيّ كان، وحتى الآن لم أصل إلى الحب المطلق له. فردّ عليه بسرعة: أنت راهب. أمّا أنا فلا. واتّخذت قراري. لا أريد أن أكون مسيحيًا بعد اليوم. ساعدني لأحقّق غايتي!”

فقال له الأب إيليا: “أتعرف أن أمّك مؤمنة؟. أتعرف أن الله يحبّك. أعطاك أمّك لتكون لك أمّاً حقيقية على هذه الأرض. فهل شكرته يومًا على ذلك؟.. ثم ناوله الأب إيليا كتابًا طالعه.. ثم قال الطفل: أريد أن أقول لك إنّي لست مستعدًا أن أخسر والدتي على الأرض ولا أمّي الثانية في السماء. وإذا كان والدي على الأرض بعيدًا اليوم عنّي. فإنّ أبي الذي في السماء سيرافقني دائمًا. وإني على كامل استعداد لأبقى مسيحيّاً. وكل مرّة أحب فيها الله، سأحبّ أمّي وأبي وإخوتي.. حتى أعدائي أكثر من قبل”.

في ضوء هذا الحوار، ترك الطفل جرحًا في قلب الأب إيليّا، ليسأل نفسه: “هل أنا حقًا مسيحيّ؟”، وذلك لأن الطفل ترك أثرًا في قلبه، كأنّه كبير ناضج يملك العلم والمعرفة والبساطة واللاهوت، وهذا ما كان يريده يسوع عندما قال: “لمثل هؤلاء ملكوت السماوات!” (الجرح الأبدي ص 28-32).

واختبر الأب إيليا الله في طفل يتيم، من خلال عينيه وحركاته ونومه بطريقة متقوقعة. وأخبره ذلك اليتيم كيف تهتمّ به أمّه وبأخوته، عندما يعود إلى البيت من المدرسة الداخليّة. وكيف يكون حزينًا عندما يرى رفاقه يرون آباءهم وأمّهاتهم، وهو يرى فقط أمّه، فتتساقط الدموع من عينيه.

وبادله الأب إيليا مسألة اليُتْم. لكنّ الطفل قال له: أنت كبير ولا حاجة لك إلى والدك. وكيف أنت كاهن وكيف تحبّ الله. وهل تعتقد أن الله هو حقًا الله؟ فإذا كان هو بحاجة إلى والدي فهو أضعف منّي إذًا. وإذا كان هو الأضعف فهو ليس الله. وتطلب منّي والدتي أن أصلِّي، لأنّها دائمًا تصلّي لله كي يرحم والدي، وتأخذنا كل نهار أحد إلى الكنيسة. أنا لا أستطيع أن أتحمّل هذا. لماذا أنا يتيم؟ لماذا أنا فقير؟ لماذا أنا في مدرسة داخلية؟ أليست هذه إرادة الله؟ لماذا رفيقي ابن عائلة غنيّة وأبوه وأمّه يؤمّنان له كل ما يطلب؟.. ولماذا لم يعط الله أبي بعض السنين لنعيش معه أكثر.. (ص 48- 51).

فأجابه الأب إيليا: “أتعلم أن الله يحبّنا نحن الأيتام ويعطينا نعمًا ليعوِّض لنا عن فقداننا لآبائنا؟ ستكتشف يومًا بعد يوم حبّ الله لك. أمّا أبوك فهو يرافقك من السماء.. هل تعرف هذا؟ أجابه الطفل: “لا وكيف ذلك وأبي غير موجود. إنّه ميت!” فأجابه: “إنّما هو موجود دائمًا في قلبك وفكرك، وتستطيع أن تتواصل معه في الصلاة.

وذهب الطفل، وصلّى له الأب إيليا. ثم أتى الطفل في الغد، وقال له: “رأيت والدي في المنام وطلب منّي أن أصلّي للربّ دائمًا وهو سيرافقني وسيفرح بنجاحي”. وشكر الطفل الأب إيليا، وهذا جرح آخر في اختبارات الأب إيليا مع أطفاله المجروحين في نفوسهم، إذ إن الله وحدَهُ يعرف كيف يحقّق حكمته فيهم. (ص 52).

وتناول الأب إيليا في كتابه أيضًا موضوع الأمومة، من خلال أُمٍّ تعمل في المدرسة الداخلية ليلاً ونهارًا ودائمة الحضور. ولها ولدان يتعلَّمان في المدرسة، وتسكن في المدرسة بسبب وضع زوجها في السجن.

وذات يوم سألها الأب إيليا عن سرّ ابتسامتها في أثناء عملها وخصوصًا عندما تقدّم القهوة له: فقالت له: “حزني”. فقال لها، وعلى الرّغم من كثرة انشغالاته: “إذًا عليّ أن أفرح أنا أيضًا”. فقالت: “ولم لا؟ ولو كنتُ مكانك لأسمعتُ ضحكتي للملائكة”. فقال: “بل هم يرون ابتسامتك”. فقالت: “لا، بل هم يرون دموعي كلّ يوم”. وسألها عن قصّتها، فأخبرته بأنّ أمّها تركت البيت وتزوّجت رجلاً آخر، ثمّ تزوّج أبوها مجدّدًا ليظهر لها أنّه غير مهتمّ بهجرها له. فاهتمّت بها جدّتها. ثم هربت هي من الضيعة إلى المدينة، حيث عملت في فرن لعائلة مؤلّفة من أب وأم وأربع فتيات. فلم يعتبروها عاملة، بل ابنة وأختًا لهم. إلى أن علم أهلها بمكانها. فرضي والدها بوضعها. ثمّ تزوّجت وأنجبت ولدين، لأنّها شعرت بأهميّة العائلة. لكن حُكم عليها أن تعيش في تشرذم، إذ وقع زوجها في ورطة ودخل السجن لثلاث سنوات. فقرَّرت أن تعمل في المدرسة كي تؤمِّن العلم لولديها. وعلى الرّغم من هموم الحياة، ظلّت الابتسامة بادية على وجهها أمام الجميع في نهارها، ودموعها تواسيها في لياليها، متأمّلة أن يكبر ابناها ويحقّقا ما لم تستطع تحقيقه، وهي تشكر الله على نعمة الأمومة. بعد هذه القصّة شكر الأب إيليا الربّ على أمّه، وصلّى لكي يعطي الرب أمّهات صالحات (ص 56- 59).

وهكذا، نرى الكاتب يؤمن بالابتسامة في قلب الجرح، لأنّها هي أيضًا عطيّة من الله للإنسان في هذه الحياة.

وهنا يبدو الأب إيليا يمارس كهنوته في سرّ الاعتراف، عندما يستمع إلى خبرات الأطفال والأمّهات والعاملات، فيحاول مداواة جروحهم النفسية والروحية والانسانية، ويمارس كهنوته أيضًا في سرّ التثبيت، عند يجد علاج الايمان لكل شكّ أو ارتياب أو ارتباك، فيستشهد بآيات من الأناجيل المقدّسة.

ويتوقّف الأب إيليّا عند معضلة الحياة والموت. فإذا به يسمع الناظر في المدرسة يقول له: “فتاة حاولت الانتحار!”. فخرج من مكتبه فرأى فتاة يغطّي الدم وجهها، لأنَّها قطعت شرايين يديها. ثم نقلت إلى المستشفى وقد فقدت وعيها وأصبحت بين الحياة والموت. فصلّى لها.. ثمّ خرج الطبيب ليقول له إن صلاته استُجيبت. فشكر الربّ على نعمه وشكر الطبيب على تعبه. وبعد ثلاثة أيام عادت الفتاة إلى المدرسة، فقالت: “شكرًا، إن الحياة فعلاً أجمل من الموت. ولم يجرؤ الأب إيليا على كشف سبب الانتحار، بعد أن تحادث مع الفتاة (ص 108- 110).

وهذا أيضًا جرح عميق، اختبره الأب إيليا اختبار المؤمن المتأمِّل في كلمة الله، والمؤمن بالأبوّة التي يمنحها الله للمجروحين في نفوسهم وأرواحهم، وهم بلا أب أو أم، أو الاثنين معًا، فيرسل أناسًا يؤهِّلهم للقيام بدور الأب أو الأم. وهذه هي حال من أحبّ المسيح وترك كل شيء من أجله، بعد أن يكون قد اختبر الحياة وعاش فلسفتها الوجوديّة.

ولم يتعب الأب إيليا في بحثه عن المطلق، فطرح مسألة الحبّ، معتمدًا على قول الفيلسوف ديكارت: “أنت تحبّ، إذًا أنت موجود”. فالحبّ إذًا يُحْمَل إلى الآخر لكي يشعر به، أي يحمله إلى أبعد من ذاته، نحو المطلق، الذي يؤمن به الأب إيليا إلهًا وربّاً وخالقًا وفاديًا ومحبّاً. وهذا ما يعنيه بالعبور إلى ما وراء الحبّ، أي الحبّ الميتافيزيقيّ، وهو ما تعرفه المسيحيّة في إيمانها، أن الله هو الحبّ الحقيقيّ الذي يجعلنا نحن البشر نحبّ كما هو أحبّ (ص 6-7).

طرح الأب إيليا فلسفة الحبّ في كل إنسان على أنَّها عطيّة من إله الحبّ للإنسان، لكي يحبّ بدوره، في كيانه، ويختبر الحبّ في ذاته تجاه الآخر. فيصير مبرِّر وجود الإنسان هو الحبّ الذي هو الله.

يعالج الأب إيليا الحبّ كدعوة إلهيّة، لكي يسعى الانسان إلى الاتّحاد بالحبّ الإلهيّ. فيختبر الأب إيليا من خلال أبطاله في كتابه “ما وراء الحبّ”، تجربتين: تجربة الراهبة وتجربة الكاهن. ويُضيء على خبرة الحبّ الانساني في الحبّ الإلهيّ، وعلى ثبات الحبّ الانساني في الحبّ الإلهيّ، إذ هما متكاملان في الجوهر، لأن مصدر الحبّ الحقيقيّ، كما قلنا، هو الله، الحبُّ الأسمى والأكمل والأجمل.

نحنُ أمام كاهن شاب مؤمن، واثق بنفسه، هاجسه إيصال عظاته بشجاعة وعمق ومحبّة. لعلّه هو الأب إيليا نفسه في مزايا هذا الكاهن الروحية والرهبانية والكهنوتية، وليس في تصرُّفاته وحالته التي يضعها فيه الكاتب في هذه القصّة. لكنّ هذا الكاهن يطرح إشكاليّة في عظاته، وهي تساؤلات وجوديّة، فيها من الشكّ ومن اليقين، عندما يقول على سبيل المثال في شرح إنجيل العذارى الحكيمات والجاهلات: “كم من مرَّة أردت أن أكون أنا الإله، وأشرح كلمة الله، كما يوافقني أن أضع لومي على الله، فأُبرِّر نفسي من مسؤوليّتي.. (ص 28)..

ونحن أمام راهبة مسنّة تكنز في قلبها قصّة حياتها، ولكنّها تعيش مثل العذارى الحكيمات، ساهرة على نفسها، وتقول: “العمر مشوار ونزهة ولقاء، لا يكتمل في هذه الدنيا. ويا ليتني أعرف، اليوم، الليلة، الساعة، لأستعدّ أكثر للقاء الحبيب إلى الأبد”. (ص 29).

هذا الكلام دليل على الايمان والرجاء والمحبّة، وهي الفضائل الالهيّة الثلاث التي يعيش فيها ومنها المؤمن بالمسيح رجاءَ حياةٍ جديدة بعد الحياة الدنيا، ومحبةً متبادلة بين الله والانسان، وبين الانسان والآخر مثله.

ولا شك في أن الأب إيليا قد تأثَّر بطريقة غير مباشرة، وربّما على ثقافة لاهوتية، بالقديس أغوسطينوس الذي قال: “قلبنا لن يرتاح إلاّ بك يا ألله”.

ويركّز الأب إيليّا للمرة الثانية على أهميّة البسمة أو الابتسامة في العلاقات الانسانية والاجتماعية، لأنّه كما يقول: “كم من ابتسامة تختصر كل الكلمات، تولِّد الأمل والفرح والسلام! وكم من ابتسامة رَبَّت قلوبًا وحلّت مشكلات”.. (ص 34).

ويقول أيضًا في الصفحة عينها: “العذراء مريم تحتضن بين يديها الطفل يسوع، والاثنان يبتسمان”. وكم من مرّة وردت كلمة ابتسامة ومشتقّاتها في هذه القصّة!

وتخفي الراهبة أسرارًا تظهر ملامحها “في خَدِّها الذي أنهكته الأيام ونحت الزمان في وجهها النحيل تجاعيد تختصر حياتها بإزميل الأيام والأشهر والسنين، تاركًا آثار تجارب الحياة. هذا ما وضعه الكاتب بصورة بهيّة، تجلَّت فيها الاستعارات والتشابيه:

“أنهكته الأيام، نحت الزمان، تجاعيد تختصر حياتها بإزميل الأيام والأشهر والسنين”.

ولم تخفِ الراهبة عن الكاهن ما سمعته من ردّات فعل على عظته حول إنجيل العذارى، إذ قالت له: “عظتك اليوم كانت مثيرة للجدل.. ولا أخفيك أن أخواتي الراهبات قد انقسمن بين مؤيِّدة لك ومعارضة”. هذا الكلام دليل تأكيد ما قلناه بأن الكاهن يطرح اشكالية في عظاته. وإضافة إلى ذلك هو يحاول أن يعرف سيرة حياة الراهبة العجوز التي تحيط بنظرتها للحياة أسرارًا وأسرارًا (ص 36). وهذا ما تؤكِّد في القصّة رئيسة الدير للكاهن عندما قالت له: “لا تتعب نفسك! لا أحد منّا يعرف سرَّها. فهي الأقدم في هذا الدير. تتألّم ولا تتكلَّم”. (ص 36).

وهنا تعجَّب الكاتب بشخص الكاهن كيف أن الراهبات يعشن في دير واحد ولا يعرفن بعضهنَّ بعضًا، وكيف أن لكل واحدة أسرارها الخاصة ولا تتقاسمها مع أحد إلاّ مع ربِّها. وكيف يستطعن أن يكتمن خبرًا؟ وتذكَّر الكاتب قصّة قيامة المسيح من الموت والذي ظهر أوّلاً على النساء، لكي يعلن الخبر بسرعة!(ص 37). وردَّد الكاهن في نفسه “لا أخاف ممَّن ضحَّى بنفسه من أجلي، بل أخاف ممَّن يريد أن يأخذ من ضعفي قوّته ويجعل من رسوبي نجاحه” (ص 38).

وطرح الكاتب مسألة الدعوة الرهبانية وكيف أن هذه الراهبة دخلت الدير ولم تخرج منه خلال ستّين سنة. وكأنّي بالكاتب يشدِّد على الدعوة لأهميّتها، لأنّها من الله، وتتطلَّب الأمانة والإخلاص من المدعو.

ومرَّ الكاهن بحالاتِ حَيْرة واضطراب، ساعيًا إلى معرفة سرّ شخصٍ ما. وهنا أهميّة الحوار الذي جرى بين الكاهن الذي اسمه جيلبير والانسان في الكاهن جيلبير. وفي هذا الحوار شدَّد الكاتب، بصفته كاهنًا، على أهميّة سرّ الاعتراف، وأهميّة سرّ الكهنوت. إذ كانت الخطايا التي يعترف بها أصحابها، تقلق الكاهن الذي كان يستمع إليها وتمنع عنه النوم، كما يقول الكاهن جيلبير في نفسه (ص 41). وشدَّد أيضًا على أهميّة الصلاة في حياة الكاهن، وعلى أهميّة سرّ الافخارستيا عندما يقدِّم القربان على نيّة كلّ معترف، نظرًا لأهميّة سرّ الاعتراف وصعوبته، لأنَّ فيه تمييز خطايا المعترف وإرشاده بكلمة الحياة.

لكنَّ الإنسان جيلبير سأل الكاهن فيه لماذا لا يعترف الانسان إلى الله ويريح الكاهن؟ فكان الجواب أن الكاهن يمثّل الله والآخر والخاطئ وفي هذه الثلاثيّة عليه أن يحفظ سرَّ الاعتراف حتى الموت. (ص 42).

وكما حاور الكاهن نفسه، كذلك حاورت الراهبة المسنَّةُ نفسها حول الحياة التي عاشتها ولكنَّها بلا خطيئة تذكر. واعتبرت البشر سخفاء لأنّهم ينتظرون أن تعطيهم الحياة معنى لوجودهم، ويغيب عن بالهم أنّهم هم من يجب أن يعطوا الحياة رونقًا. وما قيمة الحياة بلا فرح وحزن، وبلا نجاح ورسوبة، وبلا مشكلات وحلول.

في ضوء هذه الثنائيّات الوجوديّة المتضادّة، يشير الكاتب إلى أن الحياة جميلة بإيجابيّاتها وسلبيّاتها، كأنِّي بالكاتب قد تأثَّر نوعًا ما بما قاله ميخائيل نعيمه في كتابه “مذكَّرات الأرقش” حول جمال الحياة بتناقضاتها.. (ص 46).

ويوحي الكاتب في كلامه على دير مار يوسف وكنيسته إلى أنَّ قصَّته “ما وراء الحب”، هي قصّة واقعية بشخصيّاتها وأمكنتها وأزمنتها عندما يقول “الكنيسة من أجمل الكنائس المارونية بهندستها البسيطة، وأن الدير جدَّده الرهبان في القرن التاسع عشر”.

إنّ ما يقوله الكاهن هو حقًا كلام واقعيّ، لأن الموارنة ما بنوا في تاريخهم إلاّ الكنائس البسيطة المتواضعة الشكل والهندسة وليس الكاتدرائيّات أو الكنائس الضخمة والفخمة، وذلك لأسباب وأسباب.

وبعد أن أقام الكاهن القدّاس الإلهيّ في الكنيسة خرج ولم يسلّم على أحد. لكنّه كان يحدّق في عيني الراهبة اللتين كانتا لامعتين تشعّان بالفرح والحزن معًا. وطرح عدّة أسئلة في نفسه لماذا ولماذا؟ وهل تبوح له بسرّ حياتها؟ فالجميع يريد أن يعرف قصّتها قبل دخولها إلى الدير.

وعندما كان الكاهن في سيارته، اتّصلت به رئيسة الدير وطلبت منه موعدًا للاعترافات، لأنّ عظته شجّعت الراهبات على الاعتراف.

وفي اليوم التالي اعترفت جميع الراهبات، ثم غادر الكاهن إلى ديره. (ص 47- 49).

ولكنّ الراهبة المسنِّة تدهورت حالتها الصحيّة، فطلبت الأم الرئيسة من الكاهن أن يعطيها سرَّ مسحة المرضى. فدخل الكاهن غرفتها في المستشفى وصلّى عليها بكل حرارة وظلّ هو في غرفتها. فشعر بأنّه بالقرب من أمّه التي توفيت وهو كان مبتدئًا في الدير، فلم يستطع أن يرافقها في لحظاتها الأخيرة.. وبكى بكاءً مرّاً، لأنّها المرّة الوحيدة التي تذكَّر فيها أمّه.

وقال الكاهن في نفسه: “إنّها الخسارة الأكبر. ستأخذ سرَّها معها”..

لكن الراهبة استيقظت وصلَّت بخشوع. فصلّى معها الكاهن. ثم طلبت الراهبة أن تنقل إلى ديرها، فتمّ لها ذلك وشعرت أنّها محبوبة، واطمأنَّ قلبها. هذا ما قاله الكاتب مضيفًا: “إنه الإنسان. هو دائمًا بحاجة إلى الآخر وخصوصًا في حالة ألم مفارقة الحياة، التي يظلّ يتعلّق

بها، على الرّغم من أنّها فانية، وذلك لخوفه وقلّة رجائه برحمة الله القدير (ص 50- 52).

يشير الكاتب هنا إلى تعلّق المكرَّس بديره وإلى اطمئنانه إلى محبّة إخوته الرهبان له، وهنا أهميّة الآخر وعطفه وعنايته، وهنا تواصل فكرة الكاتب وفلسفته بين ثلاثيّته “المثال والحياة والحبّ”.

ودخل الكاهن غرفة الراهبة في ديرها وسط جوّ خشوعيّ تملأه شمعة مضاءة وإيقونة العذراء تحتضن الطفل يسوع، وصليب من دون المصلوب. وهنا لفت الكاتب إلى أن يسوع ربّما اتّخذ قرارًا بألاّ يصلب في عصرنا على خشبة، بل على أجساد المكرَّسين والمرضى والمجروحين والأيتام والمعذّبين..

وتساءل الكاهن في نفسه لماذا هو في الغرفة، وفي دير الراهبات، ولماذا أمام راهبة تنازع، ولماذا الوجود، ولماذا الحياة، ولماذا ترك وراءه أمور الدير، وغيرها من الأسئلة الوجوديّة، حول الحياة والحب والموت، ولكن في نظر الكاهن الحب هو أن تُحبَّ، والأجمل أن تكون محبوبًا ومخلصًا وعاشقًا.. إلى حدّ أن تضحّي لأجل هذا الحبّ!

وهذا ما ردّده الكاتب أكثر من مرّة متأثرًا بقول الانجيليّ يوحنا “ما من حب أعظم من أن يبذل الانسان نفسه عن أحبّائه”. وهذا ما أراد الكاتب التركيز عليه هو الذهاب إلى “ما وراء الحب”، الحب الحقيقيّ. (ص 56- 57).

وأشارت الراهبة إلى المكتب في غرفتها، ففتحه الكاهن فوجد صندوقًا صغيرًا، فتحه فإذا هو ممتلئ برسائل قديمة وجديدة ودفتر صغير. فطلبت منه أن يبدأ قراءة الرسالة الأولى.

المرسل: جوزف. المرسل إليها: هدى. فسألها الكاهن عن هويّة هدى ومن تكون. فأشارت الراهبة بيدها ليكمل.

ثمّ قرأ الرسالة التالية: المرسل جوزف. المرسل إليها: هدى. وقرأ سائر الرسائل وحتى الرسالة الثالثة عشرة. وأمّا الرسالة السابعة عشرة فلم تكن سوى جملة واحدة: سأتزوّج، ماذا تقولين؟. فقالت الراهبة للكاهن، أسرع إلى الرسالة التالية: أنتظر مولودًا. إذا كانت فتاة فسأسمِّيها هدى”.. فأشارت الراهبة بيدها بأن يتوقَّف. ثمَّ شربت ماء. ثم قالت: إقرأ. إقرأ! حتى وصل إلى الرسالة الأخيرة: أيتّها الأمّ الحنون.. أنت من أعطيتني معنى لحياتي. إنك اخترت النصيب الأفضل؛ ولكل إنسان دعوته.. نعم إن الحبّ الذي لم يجمعنا تحت سقف واحد في هذه الدنيا، سيجمعنا بالحبّ المطلق في الآخر في قلب الله”…

دمعت عينا الراهبة كأنّها تعيش كل لحظة من تلك اللحظات في دقائق النزاع. ثم طلبت من الكاهن أن يضع كل الرسائل في حقيبته، وأن يحرقها في أقرب فرصة من دون العودة إليها.. وطلبت منه أن تعترف!.. ثم ختمت اعترافها بالقول: أعترف بحبِّي المطلق لله. فرفع الكاهن يده فوق رأسها وطلب لها الغفران من الرب الإله. بالسلطان المعطى له وحلَّها من خطاياها.. (ص 60- 64).

وهنا أيضًا يشدِّد الكاتب على أهميّة مغفرة الخطايا المعطاة للكاهن في سرّ الاعتراف، وعلى أهميّة سرّ مسحة المرضى. واستمرّ الحوال بين جيلبير الانسان وجيلبير الكاهن أمام الراهبة المسجَّاة، متأثرًا بما قاله بولس كما يقول في (ص 69): “الموت ربح لي”. وكذلك كما يقول القديس لوقا في الانجيل (16/19- 21): الغنى والفقر والموت والحياة، هي نعمة من الله وأمانة.. فإذا قبلنا هذه النعمة المجانيّة، والحال التي وُجدنا فيها، وعملنا بالوصايا وعشنا الحياة بملئها، تكون لنا الحياة الأبدية”..

إنّ ما تأثّر به الأب إيليا هو ما قاله أغوسطينوس: “لولا العناية الإلهية، ولولا اللطف الإلهيّ نعجز من إدراك الله والبرهنة عليه. ونعرف أن أول حركة تنبّهنا إلى التماس الحكمة، إنّما هي من فضل نعمة الله، وإن نعمته هي التي تجعلنا نعرف الحكمة ونتعمّق في معرفتها”. وهنا جمع أغوسطينوس في فلسفته بين العقل وبين القلب، بين الوحي الديني، وبين البراهين العقلية، لأنّه لم يكتفِ بالايمان فقط، ولا بالتعقيل فقط، بل كان إيمانه ينشد العقل، وكان العقل عنده عقلاً مسيحيًّا مؤمنًا.

وتساءل الكاهن كيف استطاعت الراهبة أن تحتمل الحياة الرهبانية؟ كيف استطاعت أن تسجن قلبها، وخارج هذه الأسوار شخص متيَّم بها؟ ألم تحبّه؟ أكان هذا الحب من طرف واحد؟ ولماذا كانت تحتفظ بهذه الرسائل؟ وهل تعرَّضت إلى صدمة في حياتها؟ وهل كان الحبّ مسيّرًا

حياتها؟ وهل يقدر الإنسان أن يدجِّن حواسّه؟

هذه الأسئلة للدلالة على أن الكاهن مؤمن بالنعمة الإلهية التي تحدَّث عنها أغوسطينوس، والتي فسَّرها في ضوء ما قاله بولس: “نعمتي تكفيك أيّها المؤمن”.

وتساءل الكاهن إذا كان بإمكانه كشف السرّ؟!

ويضيف الكاتب بأن أفكار الكاهن لم تكن سوى الحرب المشتعلة في داخله بين الانسان والكاهن!

وخلال الجنّاز، أعطى الكاهن عظة ركِّز فيها على حياة الراهبة في الدير التي كانت حياة تواضع ومحبّة وحكمة وغيرها من الفضائل الانجيلية.. ثمّ صلّى لكي يعطي الرب الاله دعوات قدِّيسات..

وضع الجثمان في المقبرة حتى يوم القيامة، كما يقول الكاتب، بعيدًا عن عالم المادّة، على أمل اللقاء في دار الخلود.

هنا شدَّد الكاتب على الايمان بالله وبالحياة الأبدية، في العالم المنزَّه عن المادّة، كما أشرنا إلى ذلك، سابقًا، في كلامنا على القديس توما الاكويني.

وبعد الجنّاز، عاد الكاهن إلى ذاته يسترجع شريط حياته، ويردِّد ما قاله الشاعر شكسبير: الحياة مسرحيّة.

ثمّ غادر الكاهن ديره إلى دير آخر حيث احتفل بالقداس الإلهيّ، وألقى عظة عن الموت والقيامة وقال: “ما نفع الحياة إن كانت تبدأ وتنتهي هنا”. للدلالة على أن الكاهن لم يغب عن باله موت الراهبة، وظلَّ هاجس الموت في كيانه، إلى أن خرج إلى الطبيعة، إلى الهواء والأشجار والأزهار، وإلى نبعة ماء، حيث وضع الرسائل أمامه وسأل نفسه إذا كان سيحرقها، وعاد الصراع إلى كيانه: لا تحرقها. لهذه الرسائل قيمة ثمينة. وهي أوصته بأن يحرقها. ثم أشعل النار وأحرق كل رسائل الحبّ. وشعر بالفرح والسلام، لأن إرادة الراهبة الأخت ماري جوزف قد تمَّت. (ص 69- 77).

وعندما عاد الكاهن إلى الدير، قرأ ردّات فعل الراهبة على رسائل المرسل جوزف:

“أعرف مدى حبّك لي، وأنت تعرف مدى حبّي لك.. إن حبَّنا هو قمّة الأنانيّة. فأنت تريدني أن أكون لك وحدك، كما أردتك لي وحدي. لكن الحبّ الحقيقي هو أن تسعى إلى مساعدة حبيبك.

بمعنى آخر، أن تحبَّه إلى ما وراء الحبّ، أي أن تحبّه من دون أنانية، وتتمنّى له السعادة حيثما يكون ومع من يكون. لا أقول لك إني رأيت المسيح كبولس الرسول، لكنّي شعرت بحضوره القويّ في قلبي. نعم إني أحبّك وحبّك جعلني أتذوّق الحبّ، وأتوق إلى الحبّ الأكبر.. ستبقى كل يوم وفي كل ساعة في صلاتي، ولا تفكّر يومًا بأني نسيتك، لأنِّي سأحمل اسمك ما حييت. نادني من اليوم وصاعدًا الأخت ماري جوزف. وسأحمل هذا الألم لا كزوجة بل كراهبة”.

وتساءل الكاهن: كيف استطاعت؟ وكم كانت قويّة؟ ثمّ رفع نظره إلى المصلوب، وقال في نفسه لجيلبير الانسان: “إن لم تفهم إنسانًا ترك حبًّا أرضيًا من أجل السماء. كيف تستطيع أن تفهم تجسّد ابن الله من أجل الانسان؟

“ما أعظم إيمانها؟”

ثم قرأ الردّ على الرسالة الثانية عشرة: لقد عرفتك رجلاً عظيمًا. وأقرأ رسائلك فأراك رجلاً عظيمًا له قلبان، قلب يتألَّم وقلب يتأمّل.. الله لم يأخذني منك، بل أعطاني لكل إنسان، بحاجة إلى الصلاة والمحبّة والمساعدة. الله الذي حوّل عشقي لك، إلى عشق الانسانية، وأنا تجاوبت مع دعوته. ألله لا يجبرنا على عمل الخير، بل يترك لنا حرّيتنا.

وقرأ الكاهن الردّ على الرسالة الثالثة عشرة: “إذهب حيثما تشاء. وافعل كل ما تشاء، فلا بدّ لنا من لقاء، مهما طال الزمان، وتغيّرت الأحلام.. لقاؤنا في بيت الآب. سأصلّي من أجلك”..

ركع الكاهن ثم وقف وفتح يديه وقال: لم أقرأ ولم أسمع بمثل هذه الكلمات في حياتي..

ثم عاد وسجد مردِّدًا مع داود: إرحمني يا ألله بحسب رحمتك.. ثم حنى رأسه على الأرض.

ثم أكمل الكاهن في اليوم التالي قراءة الردود على الرسائل. وتذكر سؤال شاب له: كيف يستطيع كاهن شاب أن يعيش بلا علاقة عاطفية؟.. وتذكَّر جوابه له: إذا امتلأ قلبك بحبّ الله

فهو يقوم بالمستحيل!

وقرأ الكاهن ردّاً على رسالة لا تتعدّى السطر الواحد: سأتزوّج ماذا تقولين؟ فكان جواب الراهبة: إنها لفرحة كبيرة أن تبدأ حياتك من جديد مع شريكة تبني معها مستقبلك، فإنّي أصلّي لك لكي تحبّها أكثر بكثير ممّا أحببتني. أرجو منكما أن تؤسِّسا عائلة مميّزة مبنيّة على الايمان والثقة والقيم المسيحية والإنسانية. نعم إن الزواج لسرّ عظيم، أن نشارك الله في الخلق”..

تمدّد الكاهن على الأرض وتذكَّر مشاركته في زواج صديقته التي كان يحبّها قبل أن يدخل إلى الدير.. وشعر بالألم في داخله.. وقال في نفسه: نعم إن جمال الروح هو الشيء الوحيد الذي لا تستطيع العيون التي لا تبصر بالقلب أن تراه.

وتذكر الكاهن كيف كان يعتبر نفسه أنه الأعظم بتخلّيه عن الحبّ من أجل الله. (ص 82- 88).

وأقنع الكاهن نفسه بأن ليس المهم في الحياة البقاء، بل الارتقاء. وأقنع نفسه بإيمانه أن الراهبة باقية في قلب الحبّ مع من تاقت إليه نفسها، مردِّدًا قول جبران خليل جبران في كتابه “النبي” لا تقل الله في قلبي، بل قل أنا في قلب الله”.

ولم يعرف الكاهن لماذا تركت الراهبة هذا الحبّ! ولكنّه حلّل ذلك بقوله: هل يستطيع الانسان أن يعطي ما ليس له؟ فمن لم يختبر الحبّ الأرضيّ، يصعب عليه فهم الحبّ الإلهيّ.

واستعاد الكاهن سفر حزقيال: “وأعطيهم قلبًا جديدًا وروحًا جديدًا في أحشائهم، وأنزع منهم قلب الحجر وأعطيهم قلبًا من لحم”، وذلك ليشير إلى أن على المكرَّس أو الراهب أو الراهبة أن لا يكون بلا قلب ويزرع قلبًا من حجر!

واستعاد أيضًا كلام المسيح: أحبّوا بعضكم بعضًا.. ما من حب أعظم من أن يبذل الانسان نفسه في سبيل أحبائه”.. إنّ كلام المسيح هذا تفاعل معه الأب إيليا عندما عاش الأمل في بحثه عن المثل الأعلى، وفي خبراته اليوميّة مع حاملي الجروح، وفي إيمانه ورجائه بالحبّ وبما وراء الحبّ (ص 92- 93).

وكأنّ الأب إيليا عاد بمخيّلته إلى كتابيه “أمل اللقاء”، و”الجرح الأبدي”، ليجدِّد إيمانه بالحبّ

المطلق، فيتذكّر الأطفال الذين لم يشعروا بالحبّ.. (ص 93- 94).

وأعاد الكاهن ثقته بنفسه، عندما عاد إلى ديره الذي كان فيه، ممتلئًا من عطلته القصيرة، عظمة الحياة الروحيّة والكهنوتيّة، بل الحياة الإنسانية بعمقها. واتّخذ قرار النسيان والعودة إلى واقع الحياة. لأنَّه آمن بنعمة النسيان والمغفرة (ص 95).

وبعد مدّة، طلب إليه أن يحتفل برتبة سرّ الزواج في كنيسة الرعيّة، فتلا الانجيل وبدأ بما قاله السيد المسيح: “ما من حب أعظم من أن يبذل الانسان نفسه في سبيل أحبائه”..

وروى لهم أسطورة الحب المجنون في بلاد اليونان وكيف أن زيوس إله الآلهة حكم على إله الجنون، لأنّه لا يستطيع أن يرى، وأصبح الحبّ أعمى مجنونًا”.. وأضاف الكاهن بأن الحب ليس مؤقتًا.. والحبّ يبدأ في لحظة ولا تمحوه السنون”.. وأنتم تفاعلتم من نعمة الله. فالنعمة دائمًا بحاجة إلى طبيعة لتحلّ فيها.. فليبارككم الله وليحفظ حبّكم الأبديّ إلى ما بعد الحبّ”.

هذا الكلام يدلّ على أن الكاهن استشهد بالأسطورة لأنَّ فيها منفعة لكي يتبصَّر من يعيش الحبّ فلا يغمض قلبه وعقله وعواطفه ويسير كالأعمى أو كالمجنون، وأنه استشهد أيضًا بنعمة الله التي أشرنا إليها عند القديس أغوسطينوس والتي هي نسغ التفاعل بين المؤمن والله. وأنه شدَّد على أن الحبّ يأتي من الله فيكون أبديًا بين الحبيبين، لأنّه يوصل إلى ما بعد الحبّ، أي الله الذي هو الحبّ الأبديّ (ص 102- 106).

وتناول الأب إيليا، موضوع الهاتف الخلويّ الذي صار في متناول الجميع وخصوصًا الكهنة والرهبان. وتناول أيضًا حُصن الدير وكيف صارت النساء تدخل إلى الدير وتخترق الحصن من دون استئذان، وعبر جهاز التلفزيون والكومبيتر والانترنت. وكيف حلّ الهاتف الجوّال محلّ الكتاب. وهذا ما جعل رئيس الدير يرفع صوته في وجه الكاهن جيلبير قائلاً له: لا أريد أن أرى بعد اليوم الهاتف في يدك وإلاّ منعتك من اقتنائه. تغيّر لون وجه الكاهن جيلبير، ثم انصرف الرئيس من مكتبه قائلاً: “الرهبان بطَّلوا رهبان!”

ودار صراع في نفس الكاهن حول المرأة التي اتّصلت به عبر الهاتف. وشعر أنه محطّم بسبب ألم الحبّ. ثم اعتذر منه الأب الرئيس لأنّه يحبّه. ثمّ أعلمه بأن رئيسة الدير تطلب منه أن يحتفل بالقداس في ذكرى أربعين يومًا على وفاة الراهبة ماري جوزف. وسأل الكاهن رئيسه هل مضى أربعون يومًا؟ فأجابه: نعم إن الأيام تمضي ولا يشعر بها من يعيش خارج المكان والزمان. (ص 107- 110).

وطرح الأب إيليا موضوع الزمن متأثِّرًا بالقديس أغوسطينوس الذي عالج هذا الموضوع واعتبر أن الله هو خارج الزمان والمكان، وهو الحاضر الدائم وليس له أمس أو ماضٍ.

وعندما ذهب الكاهن جيلبير ورئيس ديره إلى الاحتفال بالقداس الإلهيّ، شعر الكاهن برائحة الأخت ماري جوزف كأنّه كان ينتظر أن يراها، لا بل كأنه رآها في كل شيء وفي كل مكان.

وأطلّت الأم الرئيسة مرحّبة بابتسامة مشرقة بالأب جيلبير وبرئيسه. فاحتفل بالقداس وقرأ الانجيل من يوحنا (13/31- 35) وخلاصته كلام المسيح لتلاميذه لكي يحبّوا بعضهم بعضًا كما أحبّهم.. ثم ألقى عظة بدأها بقوله: أسأل الله أمامكم لماذا عرَّفني إلى الأخت ماري جوزف؟ ألم يكن من الأفضل ألاّ أتعرّف إليها؟ لماذا أحببتها وما هو السرّ الذي جذبني إليها؟ لماذا نأتي إلى هذه الحياة، لماذا نرحل؟.. هل علينا أن نحبّ بعضنا كما أحبّنا السيّد المسيح، أن نبذل حياتنا في خدمة من نحبّ؟ وغيرها من الأسئلة. وأضاف الكاهن: لقد تعلّمت الكثير من الأخت ماري جوزف. تعلّمت منها الانجذاب المطلق نحو الله وحبّ القريب كنفسي، لا بل أكثر.. وهكذا تعرفت إلى ذاتي.. إنّها لي علامة مميّزة..

وتوقّف الكاهن عن الردّ على الهاتف الجوّال، وعاد إلى خلوته، إلى صلاته، وشعر أنه ولد مجدَّدًا، وأنّه تأثّر بسيرة الأخت ماري جوزف التي انتصرت على الحبّ الأرضيّ، واقتنع أن الحبّ هو ما وراء الحبّ السماويّ!.. (ص 114- 124).

وهكذا، أراد الأب إيليّا أن يظلّ الفكر مشتعلاً على الأثافي الثلاث: المثال والحياة والحبّ!

العودة إلى الصفحة الرئيسية

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

Top 10
غيتا مارون
ما تفسير "من ضربك على خدّك الأيمن، فأدر له ال...
أليتيا
في ظل المآسي المخيّمة على لبنان... صلاة يرفعه...
AVANESYAN
أنجيليس كونديمير
صوت تشيلو يصدح في احدى الكنائس الأرمنيّة المد...
MAN IN HOSPITAL
المونسنيور فادي بو شبل
إذا كنتَ تُعاني من مرضٍ مستعصٍ… ردّد هذه الصل...
غيتا مارون
أمثولة شديدة الأهميّة أعطانا إيّاها مار شربل
TIVOLI
ماريا باولا داوود
على أرضيّة بعض الكنائس في روما رموز سريّة
زيلدا كالدويل
رائد الفضاء الذي جال الفضاء مع الإفخارستيا
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً