أخبار حياتية لزوادتك اليومية
ابدأ يومك بمقالات من أليتيا! تسجل في النشرة
تسجل

لست مستعداً للتبرع؟

إليك خمس طرق يمكنك أن تساعد أليتيا من خلالها

  1. صلي من اجل فريقنا ونجاح مهمتنا
  2. تحدث عن أليتيا في رعيتك
  3. تقاسم مضمون أليتيا مع أصدقائك
  4. أوقف الـ ad blockers عندما تقرأ أليتيا
  5. تسجل في نشرتنا المجانية واقرأ المقالات يومياً

شكراً!
فريق أليتيا

تسجل

أليتيا

اليوم بالحقيقة زارني يسوع… ما أدوّنُه في هذه السطور هو روايَةُ لأحداثٍ حقيقيّة انتَهَت فصولُـها الساعة الثالثة بعد الظُهر من يوم الأربعاء الواقع فيه 3-1-2018

Dencg - Shutterstock
مشاركة
لبنان/ أليتيا (aleteia.org/ar) أُمكُثْ مَعَنا، فقد حانَ المَساءُ ومالَ النَّهار

ما أدوّنُه في هذه السطور هو روايَةُ لأحداثٍ حقيقيّة انتَهَت فصولُـها الساعة الثالثة بعد الظُهر من يوم الأربعاء الواقع فيه 3-1-2018.

منذُ انتقالي إلى فرنسا، بابل القرن العشرين، أمارِسُ رسالةً كنسيّة في مدرسة فرنسيّة كاثوليكيّة، كخادِم لكنيسة المدرسة، أقيمُ الذبيحة الإلهيّة كلّ صباح، وأسمع الاعترافات في مواسمِها وعندَ الطلب، وأضعُ نَفسي في تصرّف صاحب السيادة مارون ناصر الجميّل أسقف أبرشيّة باريس المارونيّة، وبتصرّف الاب عبّود شهوان رئيس بيت مار شربل في مدينة سوران ورئيس الرعيّة التابعة له.

أقطُنُ في مدينة صغيرة تُدعى شافيل، مدينة هادئة نسبيًّا، غنيّة بالاخضرار الطبيعيّ. تَجِدُ في هذه المدينة كلّ مقوّمات الحياة المعاصرة من مدارس ومستشفيات وأسواق وصيدليّات، كَما أنّها ناشطة روحيًّا بفضل كهنةٍ أفاضل لا يوفّرونَ جهدًا لأجلِ توزيع الخيرات الروحيّة على المؤمنين. يؤمّنُ الكهنةُ فيه للمؤمنين قدّاسات يوميّة وخدمة اعترافات وإصغاء طوال الأسبوع، كما يهتمّون بتنشئة الأطفال لأجل القربانة الأولى ويهيّئون الشبّان والشبّات لتجديد مواعيد المعموديّة ونيل سرّ التثبيت المفصول عن سرّ المعموديّة عدا النشاطات الّتي تطال معظم الفئات لا سيّما “الشيوخ” أي المتقدّمين في السنّ.

وجَدتُ في شافيلَ وضواحيها أصدقاء حقيقيين غُلاة وأمناء من فرنسيّين ولبنانيّين وعرب ومغاربة ما جَعَلَني أتخطّى مصاعِب الغربة والوحدة. فشافيل تجمَعُ إلى السكّانِ الفرنسيّي الأصل كمًّا من اللبنانيّين والعرب والمغاربة يعيشونَ بوئامٍ وسلام من دون تمييز!

ولكنّ هذه المدينة الجميلة لا تَخلو من بعضِ الجوانِبِ الحزينة، فغالبًا ما تُصادِفُ في شوارِعِها وعلى أرصِفَتِها وأمامَ متاجِرِها بعضَ المشرّدينَ الّذينَ لَفَظَتهُمُ الحياة، أو تَجاهَلَتهُم أو سَهَت عَنْهم، فضربَهُم فيروسُ التسوّل وصارَ جزءًا منهم لا يتجزّأ، طبيعة مغروزةً في وجدانِهم، هواية، بل مهنةً، بل احترافًا، وربّما شغفًا جموحًا ينافسُ شغفَ روميو بالجميلة جوليات.

لفتَ انتباهي واحدٌ من هؤلاء المشرّدين. تفرّستُ في وجهِهِ مِرارًا فقرأتُ في بريقِ عينيهِ وصفاءِ نظراتِهِ وطُمأنينتِه علاماتٍ نبلٍ مقنّعٍ بثيابٍ رثّةٍ وفَقرٍ ساطع.

كُلّما صادفتُهُ ألقَيتُ عليهِ السلامَ فيرُدُّ السلامَ باشًّا ودودًا.

لَـم أسمَعْهُ يومًا يستَجدي كسائر المتسوّلين، ولا يستعملُ الأساليبَ التسوّلية المعاصرة وأشهَرُها كتابةٌ يافطةٍ توفّر عليه استهلاك أوتارِه الصوتيّة.

كم خجلتُ من تقديم النقود المعدنيّة لهُ. كانَت تمنَعني عن هذا الأمرِ صلابَتُهُ المقترنة ببساطتِهِ الظاهرة. لذلكَ كنتُ عِوَضَ تقديم النقود أشتري لهُ ما تيسّر من طعام وشراب وأهديهِ بعضَ الملابس الجديدة الّتي لم أتشرّف باستعمالِها.

حضوره في شافيل نادر. أكادُ لا أصادِفُه سوى مرةٍ واحدةٍ في الشهر. وكأنّه اختارَ أن لا يبقى في موضع واحد أكثرَ من بضعِ ساعات لكَي لا يكونَ ظلُّهُ ثقيلًا على المارّة أو يسبّب وجودُهُ إحراجًا لأصحابِ المتاجر الكُبرى.

يُرافِقُهُ في جولاتِهِ التشرّديّة كلبةٌ عجوزٌ تبلغ من العمر 13 سنة وبدأت تبدو على جسمها علامات التعب والشيخوخة وتعاني من ضعف النظر. هي رفيقة أمينة ترافقه في تجاوالِه وتشارِكُهُ نصيبَهُ من الطعام واسمهُا “أوتونومي”.

عشيّة عيدِ الميلاد صادفتُ المتشرّد برفقة أوتونومي، فتذكّرتُ أنّنا شعبٌ عانى أهوال التشرّد على مرّ التاريخ مرارًا وتكرارًا، وتذكّرت أنّ مريم ويوسف ليلةَ ميلادِ يَسوع لم يتيسّر لَهُم، بسبب أمر أغسطوس قيصر، نزلٌ يُقيمانِ فيهِ، فنزلا في معلفٍ. وهكذا وُلَدَ يسوعُ في بيت معدٍّ للجيوانات الأليفة وقمّط واضجعَ على التبنِ في مذود حقير!

خفَفتُ فورًا إلى بيتي على بُعدِ 100 متر فَقَط لأعدَّ للمتشرّد وكلبَتِهِ هديّة الميلاد.

هيّأت سلّة متكاملة تحوي ألبسَةً وأطعمةً وَحلوى ممّا توفّر لديّ. وخرجتُ مباشرةً لأقدّم الهديّة إلى صديقي المجهول…

كانَ صديقي وكلبُهُ قد مضيا… نَهبتُ شوارع المدينة بحثًا عنهما فلم أجد لهما أثرًا.

عدتُ إلى بيتي ووضعتُ السلّة جانبًا بانتظارِ عودتِه.

يومَ الأربعاء صادفتُه في الموضوع المعهود فألقيت التحيّة متمنّيًا له سنة مباركة، وأنا لا أعرفُ ماذا قد تعني له هكذا أمنيّة: المزيد من التشرّد، أو خربَةً يقطُنُها، أو ثغرًا يبسم له. لا أعلم.

أجابَني بالمثل فقلتُ لهُ أن يتبَعني.

لـمَّ عن الأرضِ ثروتَهُ من النقود المعدنيّة وأنهض كلبَتَهُ وتبعني!

فتحتُ لَهُ بابَ بيتي واستقبَلتُه كما استقبلُ كلّ أصدقائي، وسالتُه إذا كانَ يرغبُ في الاغتسال، ففعل.

ثمّ هيّأتُ لهُ طبقًا من “البطاطا بالصينيّة” سبقَ وأعدّتها لي الصديقة جيني زوجة صديقي جهاد مارون، الّذينِ يشكّلانِ مع أولادِهما عائلةً من العوائلِ الّتي أعيشُ فيها حقيقتي الإنسانيّة واللبنانيّة والعائليّة.

أكلَ الطَبَقَ بغير شراهة، فقدّمتُ لهُ طبقًا آخر، وبعضَ الحَلوى والفاكهة. فأكلَ وشكَرَ. وكنّا خلالَ الأكلِ نتبادَلُ بمودّة أطرافَ الحديث.

وكانَ عندي رغبةٌ شديدة في معرفةِ إذا ما كانَ فرنسيّ الأصل. وكانَ كذلكَ.

قدمتُ لهُ سلّةَ الهدايا مع مبلغٍ نقديّ صغير بحسب إمكانيّاتي فأخذَها شاكرًا مبتَسِمًا.

ثمّ سألتُهُ إذا كانَ يعرِفُ هويّتي، فأجابَ بأنّه لا يعرِفُ.

فأخبرتُهُ من أكون: كاهن راهب لبنانيّ مارونيّ كاثوليكيّ. فأحنى رأسهُ علامة الاحترام.

وعندما آنَ أوانُ رحيلِه سألتُهُ: ما اسمكَ يا صديقي؟

قال: اسمي “جيزو” أي اسمي يسوع…

أحسَستُ في تلكَ اللحظةِ بفَرحٍ عامرٍ يملأ كياني لكنّي لَم اسمَح لهذا الفَرَحِ أن يعتَلِنَ وتركتُهُ يدغدِغُ قلبي من الداخل.

اليوم، بالحقيقة، زارني يسوع!

 

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مساعدة أليتيا تتطلب دقيقة

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

النشرة
تسلم Aleteia يومياً