أخبار حياتية لزوادتك اليومية
تسجل في نشرة أليتيا! أفضل مقالاتنا يومياً ومجاناً
تسجل

لست مستعداً للتبرع؟

إليك خمس طرق يمكنك أن تساعد أليتيا من خلالها

  1. صلي من اجل فريقنا ونجاح مهمتنا
  2. تحدث عن أليتيا في رعيتك
  3. تقاسم مضمون أليتيا مع أصدقائك
  4. أوقف الـ ad blockers عندما تقرأ أليتيا
  5. تسجل في نشرتنا المجانية واقرأ المقالات يومياً

شكراً!
فريق أليتيا

تسجل

أليتيا

محمود كرم: أبناء شعبي أينما ذهبوا فَهُم لا يعكسون سوى ثقافتهم المريضة بِداء النرجسية والتعالي على الأقوام الأخرى

freerepublic
مشاركة
 لندن / أليتيا (aleteia.org/ar)  لا أدري هل كنتُ محظوظاً ، لأنّي التقيتُ خلال زيارتي الثانية إلى لندن ، في العام 2005 ، بِأناسٍ عرب ومسلمين ، أتوا إليها في زيارات سياحيّة وعلاجيّة ، أم كنتُ سيء الحظ ، لأنّ الظروف جمعتني بهم هناك ، حيث أعتقد أنّ طائفة كبيرة من المسلمين أينما ذهبوا ، فَهُم في النهاية لا يعكسون سوى ثقافتهم المريضة بِداء النرجسية والتعالي على الأقوام الأخرى ، ولا يستطيعون فهم المختلف عنهم ، فضلاً عن التعايش معه ..

 

أقول ذلك من واقع عشرات الأحاديث والمناقشات والمواقف التي جمعتني بهم ، وخرجتُ منها مصدوماً مُحبطاً كارهاً نفسي ، كوني أضعتُ وقتي في محاورتهم ..

 

قرأتُ وسمعتُ كثيراً عن ثقافة الكراهية وإلغاء الآخر وتهميش انجازات الأقوام الأخرى ، والاستهانة بإنسانيّتهم وبخس أشيائهم عند فئات كثيرة من المسلمين ، ولكنّي لم أكنْ أتوقع أنّي سأجد هذه الثقافة القبيحة بكلّ تفاصيلها المدبّبة والحادَّة والمتورمة ، تتجسَّد أمامي في أشخاصٍ كانت لي معهم حوارات ومناقشات هناك ..

 

وعرفتُ أنّ هذه الثقافات التي تراكمت عبر سنينٍ من التخلف والانهزام والجروح النرجسية  والانغلاقات الفكرية ، أصبحتْ سلوكاً صريحاً يتفاخر به بعض المسلمين في تبنّيها بكلّ بجاحةٍ وغباء ، وباسلوبٍ فجّ يفتقد إلى الحدِّ الأدنى من احترام إنسانية الآخر ، واحترام حقَّه في اعتناق ما يشاء من دينٍ وطريقةٍ في الحياة ..

 

وكنتُ أسمع منهم سرداً عجيباً وغرائبياً ، بعيداً عن المنطق والعقلانية في افشاء المقولات القاسية ، والتّباهي بالتعابير اللغوية ذات الدلالات البغيضة وتبنّي الخطابات المحتقنة المتشنّجة ..

 

كنتُ اذهبُ في بعض الأحيان إلى المطعم القريب من مقر اقامتي ، لتناول بعض السندويشات السريعة ، وكان صاحب المطعم من الجنسية المصرية وكنتُ أتبادل معه بعض الأحاديث العابرة والحكايات الظريفة ، ومرةً قلتُ له : أتمنّى أنّكَ سعيدٌ في اقامتك هنا في لندن ، على اعتبار أنّ الغربة في بعض البلدان وطن حسب التعبير الدَّارج ..

 

فقال لي : يا عم صحيح نحن هنا ، ولكن إنْ كنتَ تريد الصراحة فإن ( مصر ) أم الدنيا . في الحقيقةِ لا أصادر حقَّه في أنّه يرى أنّ مصر أم الدنيا أو أبوها ، ولكنّي حينما قلتُ له : طيب لماذا أنتَ هنا إذن ، أوليست الأم تجيد جيّداً رعاية أبنائها ، أمْ إنّك ولدٌ عاق ترفض رعايتها ..؟؟

 

فكان يُجيبني : يا عم نحن هنا لأنّنا نريد أنْ نسترد ( الفلوس ) أيّ النقود التي سرقوها منا الأنجليز ، وكان يُبدي جديّة صارمة في تبريره هذا ..

 

لا أستطيع أنْ أُبدي تعليقاً على كلامه ، لأنّ هذا الكلام يدخل في عداد المنطق الأعوج ، ويعبّر عن ثقافةٍ مريضة مبتلية بالعجز ، وغارقة في التهويمات والتفسيرات اللامنطقية ..

 

قلتُ مرةً لِمحدثي الذي أتى إلى لندن لِتلقي العلاج ، بعد أنْ ضاقت عليه مستشفيات بلده بما رحبت ، حينما وجدته يتحدث بِلهجةٍ مشبّعة بالتعالي والنرجسية تجاه البريطانيين ، على اعتبار أنّه ينتمي إلى دين ( الحق ) وأنّ ( الجنة ) خلقها الله له ولقومه فقط ..

 

يا سيدي ما دمتَ ترى البريطانيين ( كفّار ) وبهذه المساويء التي ذكرتها فلماذا أتيتَ إلى هنا للعلاج ، أليسَ من العجب والغرابة أنْ تتلقّى علاجك عند ( الكفّار ).

 

كانتْ اجابته لي بمثابة الصاعقة ، لأنّي لمْ أستطع أنْ أتحمّل وقاحتها الموغلة في الاستهزاء بالآخرين ، والتقليل من شأنهم ، ولخّصَ لي اجابته بالقول : أنّهم خدم لنا ونحن نتعالج هنا ( بفلوسنا ) أيّ بنقودنا ..!!

 

والأدهى أنّ هذه الاجابة المقززة للنفس ، والمشبّعة بنبرة تضخّم الأنا سمعتها من أكثر من شخص واحد ، وتيقّنت أنّ هذه الثقافة مريضة معتوهة ، يردّدونها بكلّ فخر وعنجهيّة ..

 

كنتُ أقول في نفسي بعد أنْ ينتابني اليأس من تعديل أفكارهم ، حقّاً أنتم أيّها المسلمون مجموعة من ( الكسالى ) والفاشلين ، وتبحثون عن مَن يخدمكم ويعتني بكافّة أمور حياتكم ..

 

ومن شدّةِ يأسي وضجري من هذا الكلام ، كنتُ أقول لزوجتي أنّ هذه مصيبة كبيرة ، حينما نسمع هذه الإجابة تتردّد على لسانِ أكثر من شخص ، وأصبحت ثقافة عريضة تستحوذ على تفكيرهم وسلوكهم ..

 

كيف لهم أنْ يصفوا هؤلاء الناس أنّهم مجرد ( خدم ) لهم ، إلاّ إذا كانت واحدةً من أسوأ أدبيّاتهم الثقافية ، ترسخّ في عقلياتهم هذا المفهوم الشنيع ، وألمْ يقل كبيرهم الذي حرَّضهم على الحقد والكراهية ونبذ الآخر ( أن الغرب بالنسبة لنا مجرد مرحاض نقضي فيه حاجتنا)..!!

 

وحينما وجدتُّ أحدهم يهمُّ بركوب الباص ، ويقدّم تذكرة منتهية الصلاحية ، مستغلاً عدم تركيز السائق على التذكرة ، لأنّ الثقافة السائدة في الغرب تفترض وجود الثقة في سلوكيات الناس وتعاملاتهم ، ولكنّ ( أخينا ) المحترم لا يستطيع بالطبع أنْ يستوعب هذه الثقافة ، ولاتهمّه أيضاً مدى رقيّها وأخلاقيّتها ..

 

وحينما قلتُ له : أليسَ من ( الدِّين ) الذي يحثُّ على عدم ( الغش ) والسرقة أنْ تقدّم تذكرةً صالحة ..؟؟!!

 

أجابني بكلّ أريحيّة مفتعلة : عادي أفعلها دائماً لأنّه يجوز لنا أنْ نغشّهم ونسرقهم ، لأنّنا في دولة ( كافرة ) غير إسلامية ..

 

فقلتُ له : يا أخي دعنا من كونها دولة ( كافرة ) كما يحلو لكم أن تردّدوا دائماً ، ودعنا من مسألة الدّين الذي تفهمه أنتَ ، ولكنْ قُلْ لي أين ( الضمير ) ألا تجد أنّ هذا التصرف ليس من نواميس الضمير ، الذي هو من صميم السلوك الإنسانيّ السليم والقويم ..

 

وتابعتُ حديثي معه بكثيرٍ من الضيق والنرفزة  ، يا أخي هؤلاء القوم الذين تعتبرهم ( كفّاراً ) يعتبرون أنّ الغش فعلٌ مشين ، وطبعاً أنتَ وأمثالك من المحترمين لا تستطيعون أنْ تهضموا هذه الأخلاق الإنسانية الرفيعة ..

 

وقذفتني الصدفة في إحدى المرّات في إحدى مقصورات القطار ، الذي كان يقلّنا إلى منطقةٍ تبعد عن لندن ساعة كاملة ، بهدف التنزّه والتنعَّم بجماليات الطبيعة الساحرة والخلابة مع عائلتي بين مجموعةٍ من العرب والمسلمين ، كانوا معي بنفس المقصورة ..

 

وما أنْ بدأَ القطار بالتّحرك حتى سمعنا ضجيجاً وصخباً وثرثرة بصوتٍ عال ، ينطلقُ من مكان تواجد العرب المسلمين ، وهُم على فكرة كانوا يستقلّون القطار أيضاً بِهدف الذهاب إلى المنطقة التي كنتُ أنوي الذهاب إليها ، وهذا يعني أنّهم في زيارة سياحيّة إلى بلدٍ يختلفُ عن ثقافتهم وطريقتهم في السلوك ، ومِن المفترض بهم أنْ يراعوا مسألة احترام طريقة هؤلاء في الحياة ، وليس أقلّها مراعاةِ عدم ازعاجهم ، والكفّ عن أذيّتهم ، حتّى لو كانت ( الأذية ) بحدِّها الأدنى ، تعني عدم ازعاج الآخرين بالصوت العالي ، تقديراً واحتراماً لِطريقتهم المعتادة في اقناصهم للوقت والهدوء ، لقراءة الكتب والقصص والروايات أثناء تواجدهم داخل القطارات .

 

فلسفة الأخلاق عند الغربيّين في واحدةٍ من أهم نواحيها ، أنّها تعني أنّ لِكلّ شخصٍ الحريّة الكاملة في عمل ما يشاء ، وكلّ شيءٍ متاح له ولكنْ عليه أنْ لا يتعمّد أذيّة الآخرين وازعاجهم والتطفّل على حياتهم والتدخل في شئونهم الخاصَّة ، وهذه كلّها لها ضوابط ومرجعيّة قانونية تُحترم ..

 

ولكنْ عند هذه الفئة لا تعني هذه الأخلاق شئياً ، لأنّهم قد نصبوا أنفسهم أوصياء على النّاس بِحكم ( أفضليّتهم ) المطلقة على باقي البشر ، ويحقُّ لهم ما لا يحقُّ لِغيرهم ، ولم أستطع أنْ أفهم لماذا يتعمّدون الثرثرة بصوتٍ عال ، وإثارة الصخب في مكان يجمعهم بآخرين ، إلاّ لأنّهم يتلمّسونَ سروراً داخلياً بالغ النشوة على المستوى النفسي ، حينما يحقّقون أدنى ما يستطيعون من الحاق الأذى بهؤلاء ( الكفرة ) ..

 

وقلتُ لزوجتي ذات مرة : أليسَ مؤلماً أنْ نرى البريطانيين في كلّ يوم يستقبلوننا بتحيةٍ رقيقة وابتسامة مهذبة ، ويودِّعوننا بتحيّتهم المعهودة المحبّبة ( هاف أنايس دي ) ، بينما في ذاتِ اللحظة نجد أنّ أشخاصاً مِن قومنا يضمرون لهم الكراهية والحقد والتعالي ..

 

قد يقول أحدكم أنّ هذه حالات عاديّة وفرديّة ، ولا تعكس سوى عقلية أشخاصٍ بعينهم ، ولا يمكن أنْ نعتبرها حالة عامة وثقافة سائدة تستوطن الفهم والسلوك ..

 

لا يا سادة ، صدِّقوني هذه ليست حالات فرديّة شخصية ، كما يحلو للبعض أنْ يصوّرها ، إنّما هي حالاتٌ تعكس مدى التخلّف الفكري والتدهور النفسي الذي تعاني منه أمّتنا ، بثقافتها المريضة المتهالكة التي لا تفرز سوى أدبيّات موغلة في الكراهية والتعالي والاحتقار ..

 

لا أملكُ سوى أنْ أبعث بتحية مفعمة بالحبّ والودّ لروح لندنَ الجميلة ، لأنّها لم تتنكّر لي أبداً حينما زرتها للمرّة الثانية ، وللمرّة الثالثة أيضاً ، على الرغم ممّا لاقتْ من أضرارٍ وويلات في الفترات الماضية على يد الإرهاب الإسلامي ..

 

وأَودُّ أنْ أقول ، أنّ لي فيها أصدقاء قدامى مسلمين ، لجأوا إليها التماساً للحرية والكرامة ، وجدَّتهم كيف يتفانون مع البريطانيين في صنع غدٍ واعدٍ ، يتّسم بِالمثُل والقيم الإنسانية الرفيعة ، ويحقّقون بِذلك معادلة التعايش الذهبيّة وفق قاعدة المشترك الإنسانيّ في نواميسه العامة ..

 

العودة إلى الصفحة الرئيسية

النشرة
تسلم Aleteia يومياً
يساهم القراء مثلكم في إنجاح رسالة أليتيا

منذ انطلاق موقع اليتيا عام ٢٠١٢،  زاد عدد قرّاء أليتيا بشكل كبير في العالم أجمع. نحن ملتزمون بمهمة توفير مقالات تغني، تلهم وتخبر عن الحياة المسيحية.  لهذا نريد أن تكون مقالاتنا متاحة للجميع بشكل مجاني، لكننا بحاجة إلى مساعدتكم. إنّ جودة الصحافة مكلفة (غالباً أكثر ممّا تغطّيه الإعلانات). يمكن أن يحدث قراء مثلكم فارقاً كبيراً من خلال التبرّع بـ ٣ دولارات بالشهر.