أليتيا

البابا بندكتس تنبّأ بمستقبل الكنيسة!‎

© Jeffrey Bruno
Papa Benedetto XVI (2011)
مشاركة
تعليق

المانيا/ أليتيا (aleteia.org/ar) عبر أثير إذاعة ألمانية في العام 1969…
لم يزعم إنه قادر على التنبؤ بالمستقبل. كلا، فحكمته الكبيرة لم تسمح له بذلك. ففي الواقع، لطف تصريحاته الأولية بالكلمات أدناه:

“فلنكن، بالتالي، حذرين في تكهناتنا. فما قاله القديس أوغسطينوس لا يزال ساري المفعول: الإنسان هوة ولا يستطيع أحد معرفة ما قد ينبثق من هذه الأعماق مسبقاً. ومن يؤمن بأن هذه الهوة التي هي الإنسان ليست وحدها ما يحدد الكنيسة بل يسبر في أغوار ما هو أعمق، أي الهوة اللامتناهية التي هي اللّه، يكون اول من يتردد في توقعاته إذ ان هذه الرغبة الساذجة في معرفة ما هو أكيد قد لا تكون سوى اعلاناً عن افتقاره للكفاءة التاريخية.”

إلا أن حقبته – المُهددة بخطر وجودي وتشاؤم سياسي والشذوذ الأخلاقي – متعطشة لجواب. وقد شهدت الكنيسة الكاثوليكية، المنارة الأخلاقية في مياه أيامنا المضطربة، بعض التغيرات التي أبقت الاتباع والمنشقين على حد سواء في حيرة: “كيف ستكون الكنيسة في المستقبل؟”

فقدم الكاردينال جوزيف راتسينغر، عبر أثير احدى الإذاعات الألمانية، الجواب في العام 1969. وإليكم ملاحظاته الختامية:

” باستطاعة مستقبل الكنيسة ان ينبثق وسينبثق من الذين يتمتعون بجذور عميقة ويعيشون من كمال إيمانهم النقي. لن ينبثق من من بالكاد يكيفون أنفسهم مع اللحظة الآنية أو من ينتقدون الآخرين معتبرين أنفسهم معصومين عن الخطأ. لن ينبثق من أولئك الذين يختارون الطريق السهل ويتجنبون شغف الإيمان معتبرين كل ما يُطلب من الإنسان ويجرحه ويفرض عليه بذل التضحيات خاطئاً، مر عليه الزمن، اعتباطي واستبدادي. ولوضع ما تقدم في قالب أكثر إيجابية: سيُحدد مستقبل الكنيسة، مرة جديدة، كما في مثل كل مرة على أيدي القديسين والرجال القادرين على التفكير بعمق يفوق الشعارات الآنية وينظرون ابعد من الآخرين لأن حياتهم تستقبل واقعاً أوسع. لا يتجرد المرء من الأنانية، هي التي تبعد عنه الحرية، إلا من خلال الصبر في التصرفات الصغيرة اليومية الناكرة للذات. تنفتح عينا الانسان شيئاً فشيئاً من خلال هذا الشغف اليومي الذي يكشف للإنسان مدى تعبده لغروره، من خلال هذا الشغف فقط لا غير. يرى فقط ضمن حدود ما عاش ومدى تألم. إن كنا اليوم بالكاد قادرين على ادراك اللّه، فذلك لأننا نجد أنه من السهل جداً التهرب من انفسنا والهروب من أعماق كياننا من خلال المخدرات أو بعض وسائل المتعة الأخرى. وبالتالي، تبقى أعماقنا الداخلية أسيرتنا . وإن كان صحيح ان المرء لا يرى إلا من خلال قلبه، فكم بالتالي بلغ فينا العمى؟

كيف يؤثر كل ذلك على المشكلة التي ندرسها؟ يعني ذلك أن الكلام الكبير الذي يطلقه المتنبئون بكنيسة من دون اللّه ومن دون إيمان كلّه كلام فارغ. لسنا بحاجة الى كنيسة تحتفل بعبادة الفعل من خلال الصلوات السياسية. لا لزوم لذلك إذ ستدمر نفسها بنفسها. فما سيبقى من كنيسة يسوع المسيح، الكنيسة المؤمنة باللّه الذي تجسد فأصبح انساناً ووعدنا بالحياة بعد الموت. من الممكن استبدال الكاهن الذي لا يقدم أكثر من ما يقدمه العامل الاجتماعي بالأخصائي نفسه أو متخصص آخر إلا أن الكاهن الذي ليس أخصائياً والذي لا يقف جانباً يراقب اللعبة مقدماً النصائح العامة بل يضع نفسه، باسم اللّه، في تصرف الإنسان فيكون بالقرب منه في الأحزان والأفراح، في لحظات الرجاء والخوف، هذا الكاهن سيكون ضرورياً للمستقبل.

فلنذهب ابعد بعد، سينبثق مستقبل الكنيسة من أزمة اليوم – أي كنيسة خسرت الكثير. ستعود صغيرة ويُحتم عليها البدء من جديد. لن تتمكن من الثبات في صروحٍ بنتها خلال فترة الازدهار. وستخسر عدد من امتيازاتها مع تقلص عدد أتباعها. وتعارضاً مع حقبةٍ مضت، سيُنظر إليها على أنها مجتمع طوعي، ينضم المرء إليه بقرارٍ حرٍ فقط. وبصفتها مجتمعاً صغيراً، ستعوّل أكثر فأكثر على مبادرات أفرادها. مما لا شك فيه، أنها ستكتشف أشكال مهامٍ جديدة وتقبل السيامة الكهنوتية لبعض المسيحيين المزاولين لمهنةٍ ما. وستُقدم الرعاية الرعوية على هذا الاساس في عدد كبير من الرهبانات الصغيرة أو المجموعات الاجتماعية المتكيفة ذاتياً. وتوازياً، تكون مهام الكهنوت بالدوام الكامل رسمية أكثر من لا غنى عنها. لكن في كل التغيرات التي قد يتوقعها المرء، ستجد الكنيسة جوهرها متجدداً متجذراً في قناعةٍ تامة بما لطالما كان صلبها: الإيمان بالثالوث، بيسوع المسيح، ابن اللّه المتجسد، بوجود الروح حتى نهاية الازمنة. وستعترف من جديد، من خلال الإيمان والصلاة، بالأسرار على أنها عبادة للّه لا محط دراسة ليتورجية.

ستكون الكنيسة كنيسة أكثر روحية لا تأخذ القرارات افتراضاً بناءً على تفويض سياسي فتستميل اليسار تارةً واليمين طوراً. سيكون ذلك صعباً على الكنيسة إذ ان عملية البلورة والتوضيح ستتطلب منها طاقةً كبيرة وستجعلها فقيرة وكنيسة الودعاء. وستكون العملية معقدة إذ سيكون من الضروري الاطاحة بالطائفية المحدودة الأفق والإرادة الذاتية المكابرة. قد يتوقع المرء أن كل ذلك سيحتاج الى الوقت. ستكون المسيرة طويلة ومتعبة كما كانت الطريق من التقدمية الخاطئة عشية الثورة الفرنسية – عندما كان يوصف المطران بالذكي إن تمكن من الاستهزاء بالعقائد أو التلميح بأن وجود اللّه ليس بالضرورة أمرٌ أكيد – وصولاً الى نهضة القرن التاسع عشر. لكن، وبعد مرور هذه التجربة، ستنبع طاقة كبيرة من كنيسة أكثر روحانية وبساطة. سيجد الإنسان نفسه في عالمٍ مخطط له بالكامل وحيداً جداً وإن خسر كل علاقةٍ له باللّه، شعر بهول فقره. فيكتشف قطيع المؤمنين القلائل على انه شيء جديد بالكامل فيكون بالنسبة له عنوان الأمل والإجابة التي لا طالما بحث عنها سراً.

أنا متأكد أن الكنيسة تواجه فترات صعبة فقد بدأت الأزمة الحقيقية وعلينا بتوقع اضطرابات كبيرة. إلا انني أكيد مما سيبقى في النهاية: لا كنيسة العبادة السياسية التي ماتت من الآن إنما كنيسة الإيمان. قد لا تبقى القوة الاجتماعية المهيمنة كما كانت حتى زمنٍ ليس ببعيد إلا أنها ستتمتع بازدهار جديد فيُنظر إليها على أنها بيت الإنسان، حيث سيجد الحياة والأمل أبعد من الموت.

ستبقى الكنيسة الكاثوليكية بصرف النظر عن الرجال والنساء لا بفضلهم ضرورةً ومع ذلك، لا يزال علينا لعب الدور المنوط بنا. علينا بالصلاة من أجل التجرد من الانانية وتطوير قدرتنا على نكران الذات والتسلح بالإيمان وعبادة الأسرار وعيش حياة صلبها المسيح.”

 

 

للراغبين بالصّلوات اليوميّة تابعونا عبر صفحة

Aleteia Ar – Daily Prayers

 

للراغبين بمتابعة اخبار المسيحيين في العالم تابعونا عبر صفحة

Aleteia Ar – Latest Christian News

 

للراغبين بمتابعة أخبار البابا والفاتيكان تابعونا عبر صفحة

Aleteia Ar – Vatican News

 

العودة إلى الصفحة الرئيسية

 

النشرة
تسلم Aleteia يومياً