أليتيا

العَنصرة المُنتَظَرَة: حين تهبّ الريح على الشرق الجريح

asianews
مشاركة
لبنان/ أليتيا (aleteia.org/ar)  رغم الضجيج الذي يجتاح العالم من كل حَدبٍ وصَوب، ما زال صوتُ الريح أقوى. فهي “تهبّ حيث تشاء، فنسمع صوتها، دون أن نعلم من أين تأتي، ولا إلى أين تذهب”.

حين تشهد كنيسة مصر للكلمة بالكلمة، ويُشعل استشهاد أبنائها انتفاضةً فكرية لدى إخوةٍ لهم في المواطنيّة تَهُزّ المنابر ومواقع التواصل بما يُشبه “الثورة على الذات” بُغية الدَفعِ باتجاه إصلاحٍ دينيّ وتطوير ثقافي لا بدّ آتٍ مهما تأخّر، تكون الريح قد هبّت.

عندما تعضّ كنيسة مصر على جرحها العميق وتستمرّ في حمل البشارة وتفتح ذراعيها لكلّ من أحبّ يسوع واتّخذ من محبّته الكاملة نهجَ حياة رغم موجات الترغيب والترهيب والتكفير والترحيل، تكون الريح قد هبّت.

عندما ترى لبنان، الكيان الذي ناضلت الكنيسة المارونية من أجل ترسيخه كواحة حريّة،  صامداً في هذا الشرق بشكلٍ يفوق المنطق البشريّ العقلانيّ في ظلّ تركيبةٍ سياسية واجتماعية مُعقّدة يصعب حُكمُها، تكون الريح قد هبّت.

عندما نسمع مَن كان يستهزئ بمسيحيي لبنان والصيغة الصعبة التي ابتكروها لتأسيس دولة لهم ولشركائهم في الوطن على ضفاف صحراءٍ رمالُها متحرّكة تلتهم أنظمة عاتية، يستلهمون اليوم التجربة اللبنانية في بحثهم عن كيفيّة إنقاذ العراق وسوريا من أتون الحروب والنزاعات والتفكّك، ويعترفون بأنّ ازدهار المسيحيّة في لبنان ضمانة للتعدّدية في المنطقة، تكون الريحُ قد هبّت.

عندما يَنفُض مسيحيّو لبنان الغبار عن “الإرشاد الرسوليّ” الذي هو ثمرة “السينودوس من أجل لبنان” الذي دعا إليه البابا القدّيس يوحنا بولس الثاني، فيستعيدون الثقة بأنفسهم ووطنهم، ويُطلقون ورشة عمل متكاملة تُجدّد حياتهم على الأصعدة كافة وتطهّر جراحهم التي أثخنتهم بعد سنواتٍ من المُعاناة، تكون الريح قد هبّت.

عندما يتصالح منطق المقاومة الميدانية عند الضرورة القصوى للدفاع عن الحُدود والوجود مع عَيش الأمانة للبشارة بالكلمة وثقافة الحياة، فيقترن القولُ بالعمل، تكون الريح قد هبّت.

عندما تجد المناظرات الفكريّة تدقّ أبواب أكثر المؤسسات انغلاقاً وجبروتاً، فيصبح ما كان محظوراً مادةً للنقاش ومُقارَعةِ الأفكار، تكون الريح قد هبّت.

عندما تسمع أصواتاً تنادي بتحرير مجتمعاتها من كُتُبٍ وخُطَبٍ زَرَعَت الإرهاب والتكفير على مدى عُقودٍ وعقود من الزمن، فارتدّ السكوت عنها أو الخوف منها سلباً على استقرارها، فأيقَنَت أنّ مَن يصمت عن زرع السموم لا بدّ أن يأكلها ولو بعد حين، تكون الريح قد هبّت.

حين تَستَفِزُّ الفوضى السائدة أصحاب القرار وأهل الرأي، وهي الحصيلة المؤلمة لتراكماتٍ سياسية واقتصادية واجتماعية سابقة وجُمود ثقافي مُهين لتطوّر الفكر الإنساني، فيَهتزّ ما كان يُعتَبَر من “الثوابت” ليبدأ الحديث عن تغييرٍ ما لا مَفَرّ منه، وعن مسيرة انتقالية نحو التغيير المنشود، تكون الريح قد هبّت.

عندما تتكرّس حقوق الأفراد قبل الجماعات، وتصبح حرية المعتقد والانتماء والعبادة مسألةً شخصيّة وإنسانية ووطنيّة بديهيّة يحملها المُنادون بإصلاحٍ تشريعي وتطوّر ثقافي طال انتظارُه في مجتمعاتٍ كَبّلَت بناتها وبَنيها بقيود الشرائع والتقاليد والأعراف، فقَتَلَت وهجّرت وأرهبَت مَن أراد أن يبتكر، أن يقترح جديداً، أن يفكّر بطريقة غير مألوفة،، أن يعيش حُرّ الضمير، تكون الريح قد هبّت.

عندما تجد مَن لم يتوقّف عن إلقاء اللوم على “المؤامرة الخارجيّة” لتبرير الاختراقات والانهيارات الداخليّة يطرح علامات استفهام حول المسؤولية الذاتيّة للأنظمة والمجتمعات عن الدَرك الذي انحدَرَت إليه أوطانُهم فيَدعون إلى تَنقيةِ “الخَلّ من الدُود الذي فيه”، تكون الريحُ قد هبّت.

مسيرة التغيير طويلة ومؤلمة في الشرق. طويلة بطول الزمن الذي تُرك فيه ليكون أسير التخلّف وأحاديّة الفكر. مؤلمة كالألم الذي يشعر به مَن رأى الشرق يرفع أبنيةً وأبراجاً وأسواقاً وأسواراً، ونَسِيَ أو تناسى أن يُعيد إنتاج ثقافة إنسانيّة معاصرة تستند إلى الحقوق والواجبات والحريّة والإبداع، وأحجم عن إطلاق ورشة إصلاحٍ جذريّة للتشريعات والسلوكيّات، فاكتفى بأن يأخذ من الحداثة الشكل دون المضمون، وأن ينفتح على استيراد كلّ ما هو تطوّر علمي ورقميّ ومادي، في حين بقي مُنغلقاً على كل ما يمَتّ إلى تطوّر الفكر الإنساني والارتقاء بالسلوك البشري بصلة!

مهما ارتفع صوت الضجيج سيبقى صوت الريح أقوى. فهي “تهبّ حيث تشاء، وتسمع صوتها، لكنك لا تعلم من أين تأتي وإلى أين تذهب. هكذا كلّ مَن وُلدَ من الروح”.

 

 

 

 

للراغبين بالصّلوات اليوميّة تابعونا عبر صفحة

Aleteia Ar – Daily Prayers

 

للراغبين بمتابعة اخبار المسيحيين في العالم تابعونا عبر صفحة

Aleteia Ar – Latest Christian News

 

للراغبين بمتابعة أخبار البابا والفاتيكان تابعونا عبر صفحة

Aleteia Ar – Vatican News

 

العودة إلى الصفحة الرئيسية

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

النشرة
تسلم Aleteia يومياً