أليتيا

كم شعرت بالألم عندما وخزني بتلك الإبرة الكبيرة، وقطعني بدم بارد!

© Martin Hudacek / Fair Use
مشاركة
تعليق

روما / أليتيا (aleteia.org/ar) – أمي العزيزة:

أنا ابنك. هل تتذكرين؟ لم أختفِ لأن الله نفح فيّ روحاً أبدية عندما حبلت بي. لم أرَ نور النهار أبداً لكنني أعيش إلى الأبد.

أعلم لماذا قتلتني. الشخص الذي كان من المفترض أن يكون أبي رحل بعيداً عن البلاد. كنت تشعرين أنك وحيدة لأنه رحل منشغلاً جداً بأعماله. وفي غيابه، ظهر رجل آخر. ونتيجة لقصة الحب تلك، أصبحت أنا موجوداً.

لن أنسى مطلقاً الأشهر التي هدهدتني فيها في بطنك. كنت أشعر بالكثير من الأمان والحب! أفهم أنك ما كنت ترغبين بي، لأن أبي كان يفكر بالعودة! وكان يفترض بك محو الزلة عبر قتل المُخبر أي قتلي أنا. في ذاك الوقت، لم أكن على علم بالنقاشات التي دارت بينك وبين عشيقك، لكنه هو كان يريد رؤيتي مولوداً، بعكسك أنت.
وقعت شجارات بينكما، حتى انتزعت منه المال الذي كان يكلّفه موتي! لكل شيء ثمنه، حتى قتل الأبرياء. علقتِ قائلة: “كم هي مكلفة عمليات الإجهاض!”

أنا لا أبرّر جريمتك لكنني أسامحك. وأسامح أبي لأنه كان غير مسؤول. وأسامح أيضاً ذاك الذي كان يرتدي لباساً أبيض وتلطخت يداه بدمي. كم شعرت بالألم عندما وخزني بتلك الإبرة الكبيرة، وقطعني بدم بارد! أعلم أنك لن تنسي أبداً ضجيج تلك الشفاطة التي ابتلعت جسدي الصغير قطعاً قطعاً. أعلم أن الصمت سبب لك صدمة فيما كنت تحاولين التفكير بأنه لم يحدث أي شيء. بلى، حدث شيء. كان هناك شخص هو أنا ابنك.

أدرك يا أمي لياليك الطويلة التي لم تعرفي فيها النوم، إضافة إلى مخاوفك. أعلم أنك ناضلت كثيراً في داخلك بشأن قرار إجهاضي. في الصميم، كنت تحبينني، لكن الخوف في داخلك كان أقوى منك. أعرف أنك كنت تحبينني حتى أنك حلمت بي وتساءلت أكثر من مرة بندم إذا كنت فتى أو فتاة، وفكرت كيف كان سيكون حاضرك وأنني كنت سأحمل لك الفرح…

أنا فتى! أشبهك أنت أكثر مما أشبه المغري الذي خرجت معه. كيف ستنسينني إذا كنت أطلب من الله أبي في كل لحظة أن يمحو تلك الكوابيس التي تعكر صفوك وتقتلك في حياتك! كم فرحت عندما بحثت عن الكاهن الذي ألهمك الثقة وصالحك مع رب الحياة!

أمي العزيزة، أريد رؤيتك سعيدة. تذكري النصائح التي أسداك إياها الكاهن عندما ودّعك: “ابنتي، سبق لله الآب أن أنجز عمله المحبّ فيك، وستُشفين عندما يحين الوقت لذلك”.
فيما أكتب لك، يجلس بقربي رفيقي أنطونيو الذي قتلته أمه لأنها قالت أنها صغيرة جداً لكي تصبح أماً. هو أيضاً لم يُسمّه أهله، لكن الله الذي يحبنا بشكل لامتناه سماه. لديّ أصدقاء كثر لاقوا المصير عينه. صديقي كارليتوس أُجهض لأن أمه تعرضت للاغتصاب، فصُبّ الكره والألم على البريء المسكين.
يتساءل كارليتوس: “إذا كانت أمي لا تحب الرجل الذي اغتصبها، فلماذا قتلتني أنا الذي كنت سأحبها على الدوام، ولم أكن سأخجل بها أبداً؟”

هنا، في ملكوت المحبة، نسمع فقط لغة المحبة؛ لذلك، لا نفهم تلك “الحجج” المتعلقة بالإجهاض؛ التكوّن السيئ للجنين، الاغتصاب، ضائقة الأهل الاقتصادية، عدم الرغبة في إنجاب المزيد من الأولاد، والفكرة التي تعتبر أن العائلة الصغيرة تعيش بشكل أفضل، وغيرها من الحجج.

قيل لي أن لا الحروب ولا غرف الغاز الفتاك التي استخدمها هتلر ارتكبت مذبحة وحشية ومفرطة كهذه. من خلال الإجهاض، حُرمت البشرية من شعراء وكهنة وأطباء وفلاسفة وموسيقيين وطيارين ورجال دولة ورسامين ومهندسين وقديسين وقديسات لامعين. الكل يقول لي أنني ربما كنت سأصبح جراحاً ماهراً أو عازف بيانو كموزار. عندما سنجتمع يا أمي، سوف ترين أنه لديّ يدان! وأكثر ما يسرني هو قول الآخرين لي: “لا بد أن أمك جميلة جداً!”.

لا تبكي يا أمي. ثقي بالله حتى نلتقي مجدداً. آه! نسيت أن أقول لك أنني أتحرق شوقاً لرؤيتك، ولكن لا تستعجلي في المجيء لأن إخوتي بحاجة إليك. افعلي لهم ما لم تتمكني أبداً من فعله لي. عندما تحممين إخوتي أو ترضعينهم، اعلمي أنني أشعر ببعض الحرمان من كل ما كان يمكن أن يحصل، ولم يحصل. كنت أحبّ أن أرضع من حليب ثدييك؛ وأن تعانقني يداك الجميلتان اللتان تشبهان جداً يديّ، يدي الجراح قليل الحظ.

لعلك تتساءلين عن مكاني. لا تقلقي، أنا بين ذراعي يسوع الذي أحبني حتى سفك دمه من أجلي. فيه، نجد جميعاً الحياة.

ختاماً، أطلب منك خدمة. ليس من أجلي، بل من أجل أطفال آخرين. لا تقتلوهم مثلما فعلتم بي! إذا كنت تعرفين شابة تريد الإجهاض، أو شخصاً يطلق حملات لصالح الإجهاض، أو طبيباً قاتلاً يسخر من أبقراط، أو ممرضة تساعد في هذه الجريمة، فانقلي لهم محبة الله أبينا. تذكرينا وقولي لهم ألا يقتلوا بعد الآن، وأن الأطفال هم ملك الله. قولي لهم جميعاً بصوت عالٍ بأننا نملك حق العيش مثلهم، وأنه يحق لنا أن نعيش ونحب رغم أن لا أحد يحبنا.

إنني أنتظرك بفم لم أستخدمه بعد، فم مليء بالقبلات التي أحتفظ بها فقط من أجلك!

العودة إلى الصفحة الرئيسية

النشرة
تسلم Aleteia يومياً