أليتيا

أيها المسلم، أقول كمن فقد صوابه: أقسم أمام العليّ العظيم أننا لم نتعلّم أن نكره الإسلام

© Mohammed HOSSAM / AFP
مشاركة
تعليق

مقال، على كل مسلم قراءته

روما/ أليتيا (aleteia.org/ar). – قد تكون هذه الخبرة صغيرة وغير كافية للكلام على المحبة والاحترام التي أكنّـها للمسلمين، ولكنها قد تعكس خبرات كثيرة كامنة في حياة مسيحيي الشرق والعالم مع إخوانهم المسلمين. أنا شاب مسيحي ولدتُ وكبرتُ ولم أكن أعلم ما هو الإسلام، ولا حتى من هم المسلمون، ذلك أن البلدة التي ترعرعت فيها هي بلدة لبنانية مسيحية ولكن ليس فيها جوامع. وكان المسلمون الساكنين فيها (كما باقي المناطق اللبنانية) هم من الاخوة السوريين العاملين في لبـنان.

 

في سن العشرين وككل شاب لبناني في ذلك العمر لبّيت نداء الواجب العسكري والتحقت بسنة التجنيد الاجباري. وهناك حصل أول لقاء على مستوى الصداقات مع المسلمين في حياتي: كنتُ في أمانة السر (لأن خطي بالعربية كان جيدا) وكنت أقوم بعد ظهر كل يوم باجتماع لتفقّد الحضور، لنرى إن كان أحد قد هرب خارج المعسكر. فكان يأتي إلى الإخوة المسلمون ليقولوا لي سرّا: ساعدنا، نحن سنخرج للفطور (شهر رمضان)… وعند الاجتماع كنت أقرأ أسماء المجنّدين، وأتغافل عن أسماء أصدقائي التي أعرف أنها تفطر خارجا، دون أن يشعر أحد بغيابهم. وهكذا كان أول باب صداقة مع المسلمين في حياتي. وتطورت العلاقات معهم جدا، وأخذنا نتصل ببعضنا…

 

مضت الأيام وشعرت برغبة شديدة في الكهنوت، لأني، ومن منطلق مسيحي وابن عائلة مؤمنة جدا طبعا، أحب الكنيسة، وأتوق للعمل في “كرم الرب”. فدخلت إلى المدرسة الإكليريكية لأدرس اللاهوت. وفي المدرسة كانت صدمتي كبيرة على مستوى التنشئة: إذ كانت لدينا في القداس صلاة خاصة بالإخوة المسلمين في شهر رمضان ليتقبّل الله صيامهم… يا إلهي، كم هو أمر رائع. نحن هنا في عاصمة التنشئة المسيحية، في المدرسة الإكليريكية… هنا نتعلّم كل شيء عن المسيح، وعن الأخلاقيات المسيحية وأدبياتها… وإذا كان هذا الصرح هو للتنشئة، فيمكننا أن نفهم أنه يجب علينا في رعايانا وفي بلداتنا، فيما بعد، أن نطبّق ما تعلمناه. وهكذا كان. فبعد سيامتي الكهنوتية، وعند حلول شهر رمضان، ولما كنت على المذبح أصلي وأحتفل بالذبيحة الإلهية (القداس) صلّيت في الوقت المخصص للنوايا هذه الصلاة: “نصلي أيضا من أجل إخوتنا المسلمين في هذا الشهر المبارك، ليتقبّل الله صيامهم وصلاتهم لِما فيه خلاص نفوسهم، نسألك يا رب”. ثوان كانت عندي تاريخية، فكنت أحاول جاهدا أن أسمع أو أن أرى ردة فعل المؤمنين في الكنيسة…! أنا ابن منطقة مسيحية عانت الكثير إبان الحرب الأهلية. ماذا سيقول الحاضرون في قلوبهم: هل فقد كاهننا صوابه؟ هل جُن الرجل؟ ماذا دهاه؟ هل سمعنا جيدا؟ إنه يصلّي للإسلام..! كلها إحتمالات كانت تدور في رأسي بلحظة سريعة. ولكن، لمّا كان وجهي للمذبح، لم أستطع أن أرى شيئا، سمعتُ بأذنيّ المفتوحتان على مصراعيهما الشعب “كله” يجيب على النية بصوت واحد: “يا رب استجب”… ولما انتهى القداس أبدى الذين رأيتهم خارجا إعجابهم بالنية، وقالوا: “نعم أبونا، فليقبل الله صلاتهم”. شكرا لك يا يسوع على تعاليمك، وعلى حبك الواسع لنا. شكرا لأنك ربّيت أجيالا على الغفران، وتعاليت بهم إلى مستوى الحب اللامحدود. فأخذتُ عندئذ على عاتقي أن أصوم في شهر رمضان من كل سنة يوما واحدا على نية الإخوة المسلمين في العالم كله.

 

أيها المسلم الصديق والأخ، أقول كمن فقد صوابه: أقسم أمام العليّ العظيم أننا لم نتعلّم في كل فترة تنشئتنا الكهنوتية أن نكره الإسلام أو اليهود أو غيرهم. أقول الحق، أمام عظمة الله الواحد الذي نؤمن به كلنا، أننا لم نُعط، ولا حتى مرة واحدة، إشارة في إجتماعاتنا الكهنوتية لمحاربة الإسلام، أو المساس بكرامتهم. ولو كان هناك من خطة عند الكنيسة في روما أن تحارب الإسلام، فمن المنطقي جدا أن نكون ككهنة أول من يعلم بالموضوع، لأننا نحن القادة الروحيين للمؤمنين وخدّامهم. وطالما أننا إلى الآن لم نسمع بهكذا قرار (ولن نسمع) فبالحقيقة أقول ولا تنذهلوا: نحن كمسيحيين إخوتكم، وأحبابكم، نحن خدامٌ لكم في سبيل المسيح. نحن أبناء رسالة سامية في هذا العالم. نحن أبناء مدرسة المسيح الذي قال: “أنتم نور العالم، أنتم ملح الأرض” (متى5/13و14). فإذا كنتُ كميسحي نورا، فأنا بالتالي نورٌ لأحد. فالنور لا يضئ لنفسه. وإن كنت أنا ملح الأرض، فأنا بالتالي حاجةٌ أحد. هذا ليس كلام كاهنٍ شاردٍ عن الحقيقة الإنجيلية. على العكس، إقرأوا الإنجيل تجدوا المسيح يقول: “أنا ما جئت لأُخدَم، بل لأَخدم” (مرقس 10/45). ونحن كذلك، ما رسالتنا إلا رسالة خدمة. ليست هذه دعوة لكم لتهتدوا إلى المسيحية أبدا، بل هي دعوة لي لأكون شاهدا للعالم عن حقيقة إنجيلٍ قال فيه القرآن الكريم أنه “هدى”.

الصفحات: 1 2

النشرة
تسلم Aleteia يومياً