Aleteia logoAleteia logo
Aleteia
الثلاثاء 01 ديسمبر
home iconمواضيع عميقة
line break icon

رحمة شخص تشفي ديناً

الأب حنّا خضرا الأنطوني - تم النشر في 13/01/17

روما/ أليتيا (aleteia.org/ar)  أنا شخص لا تهمني عقيدة أديان إخوتي البشر الذين يؤمنون على خلاف ما أؤمن به، ولا أسعى الى نقدها أوالطعن بصحتها، مع أني أحترم وأجلّ كل الأديان، وأعيش إيماني بديني وتعاليمه محبة عملية، وخدمة عفويّة، ورحمة واعية، وشفقة إنسانية. فأفعل مع الآخرين ما أريده من الأخرين أن يفعلوه معي، وأسعى الى اجتذاب الناس الى الحب والخير والجمال والقداسة بالمثل والتواضع. فأنا يهمني من ديني وأديان الناس ما بإمكان هذا الدين أن يؤثر به على حياتي وإرادتي وعواطفي ونظرة الى الآخر في حياتي اليومية المعيوشة، وما يمكنه أن يزيد من الحب والرحمة والخير على طبيعتي الإنسانية الفطرية. فأنا لا أريد من أتباع أي دين أن يُحدثونني كلما رأوني عن عقائدهم المعقدة التي لا يقبلها أحيانا عقل ولا منطق ولا إرادة، أو السهلة التي لا تتطلّب جهداً كبيراً لفهمها، بل أريد أنا وعامة الناس أن ألمس كرامة وفعالية هذا الدين عندما أكون جائعاً ويمدّ لي أحد يده لإعطائي كسرة خبز، أو عندما يكون حلقي جافاً فيعطيني كأس ماء بارد، أو عندما يلفحني الصقيع يلفني بقسم من ردائه، وعندما تستوطن الكآبة قلبي تكون نظراته تعزية له.

لقد تجاوز عمري الخمسين وما برحت أفتش عن بقعة أرض في هذه الدنيا، أو جزيرة تعيش فيها جماعة مسيحية كمال محبة المسيح ورحمته، أو مجتمع اسلامي من الذين هم خير أمة جاءت للوجود كما يقولون، تعيش ملء أخلاقية القرآن ورحمته، ولم أجد، بل وجدت أفراداً قاموا بأعمال محبة ورحمة ببساطة وعفوية فشفوا بأعمالهم هذه دينهم وشرّفوه.

تعرّف والدي منذ أكثر من أربعين سنة على شخص مسلم ينتمي الى الطائفة الشيعيّة، وهو أسعد البزّال المعروف بأبو ركان البزّال، من بلدة البزّاليّة في البقاع الشمالي القريبة من حدث بعلبك. وكان أسعد البزّال هذا يملك قوالب لحجارة الخفّان ويبيع الحجارة ومواد البناء في الورش التي كان والدي يعمل فيها كمعلّم بناء. لقد توطدت علاقة والدي بأسعد البزّال، فأصبحا صديقين، يناديان بعضهما البعض بكلمة يا “أخي”. وقد انعكست هذه الصداقة الإنسانية علينا نحن أفراد العائلتين، فكنّا نظن فعلاً أن أبو ركان هو شقيق والدي، فكّنا نتبادل الزيارات في المناسبات، فنفرح معهم ويفرحون معنا، ونساعدهم في جني محاصيلهم الزراعية، ويساعدوننا، وننام عندهم بدون تحفظ وينامون عندنا ملء جفونهم. وكنّا سعداء ولا نخاف من بعضنا البعض، وكانت العاطفة الإنسانية الفطرية تشدنا الى خدمة بعضنا البعض بوفاء وعرفان جميل.

في أحد الأيام من سنة 1989 وشى أقارب لنا، ينتمون الى حزب معيّن، أحد أعمامي الى السوريين في أحد مراكز دير الأحمر بتهمة أنه لا يريد الإنخراط في صفوف هذا الحزب. فألقي القبض على عمّي ظلماً وافتراء، ورُمي في سجون  مزّة وتدمر السورية، مُهاناً في عنفوانه وكرامته ورجولته المعهودة. وبعد مدّة شهرين تقريباً على توقيفه أوقف عمّي الآخر بالتهمة عينها، فأوقف هو أيضاً بطريقة مُذلّة وعنيفة، واقتيد الى سوريا ليُرمى بالقرب من أخيه في عتمات هذه السجون المظلمة والباردة والموجعة.

كان الوقت يومها وقت حصاد، وكانت البيادر تشتاق بركة السنابل وخير التراب، وكانت المناجل مشحوذة لمواسم الحصيدة. كان كل شيء يُنادي زنود والدي المعروف عنه بأنه شيخ الحصّادين. ترك والدي كل شيء، ولم تعد تعني له خيور الدنيا شيئاً، وراح يقرع أبواب السياسيين وأصحاب القرار المقربين من سوريا والقوّات السورية طالباً منهم التدخّل لإعادة أخويه. كنت أراه يمسح دموعه بقميصه صباح كل يوم، ويحمل في جيبه صكوك العقارات ليرهنها لمن يعطيه أملاً بعودة أخويه. وكان يتنهّد كلّما أشاح بوجهه نحو بيادرنا الجائعة ونحو أراضينا التي كانت فيها السنابل الممشوقة المثقلة بالخير تُنادي منجله . كانت قلوبنا حزينة حتى الموت، فنحن لم نتعوّد على البطالة وكانت بيادرنا علامة مفارقة في كل القرية. كانت والدتي تُغني على مسامعنا المواويل الحزينة فتكوي برقتها ما بقي من قساوة في كامل كياننا. وكان أقاربنا في القرية ينظرون إلينا بتجاهل وشماتة.

وفي فجر أحد الأيام وصل صديقنا أسعد البزّال مع زوجته الى القرية لزيارتنا، ولم يكن يعلم بما أصابنا، فعندما دخل عتبة المنزل، وعلم بأمر وجود عميّ في السجون سوريا ووالدي خارج المنزل، وعلم بأمر مواسمنا المُهملة، جنّ جنونه فأمر زوجته بالبقاء عندنا وعاد كالريح الى البزّالية فأتى بأولاده كلهم، ونزل معهم وأمامهم الى الحقول المغطاة بالحصاد وبقي على مدى أسبوع يعمل وأولاده من الصباح حتى المساء في حصد السنابل ونقلها الى البيدر وطعم المواشي وحمل   الفاكهة والخضار من أرضه بواسطة أحد أبنائه. ولم يترك المنجل أو نفض التراب عن ثيابه حتى قضى على آخر سنبلة مُتمردة.

لا يمكنني وصف غيرة ورحمة وإنسانية أبو ركان في هذه الأيام المُوجعة، وكيف أعاد الينا البسمة والى بيادرنا العافية، وكيف عزّ قلب والدي وقلوبنا. فكان السامري الصالح الذي حنى على وجع مواسمنا المطروحة أمام أعين أقاربنا، وعالج جروحها وأفهمنا فعلاً أن نؤمن معه بأن الله ” رحمان رحيم”. رحمة الله على أبو ركان البزّال، ورحمة الله على والدي، فكلاهما أصبحا في دنيا الحق، وسوف نبقى أوفياء في رحمتنا لكأس أسعد البزّال المسلم الذي قدّمه لنا في ظروف حياتية مأساوية.

العودة إلى الصفحة الرئيسية

نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إنّ التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة إطلاقًا من جرّائها.

Tags:
اليتيا
Top 10
إيزابيل كوستوريي
صلاة تحقّق المعجزات كتبها بادري بيو وطلب من ا...
أليتيا
في ظل المآسي المخيّمة على لبنان... صلاة يرفعه...
SAINT CHARBEL,CANDLE
أليتيا
صلاة بشفاعة القديس شربل تحقّق المعجزات
أليتيا لبنان
آيات عن الصوم في الكتاب المقدّس...تسلّحوا بها...
أليتيا
صلاة القديسة ريتا في الشدائد و الأمور المستحي...
غيتا مارون
ما تفسير "من ضربك على خدّك الأيمن، فأدر له ال...
الاب إدواد ماك مايل
هل القبلة بين الحبيبين خطيئة؟ هل من تّصرفات ...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً