أليتيا

هل كانَ يسوعُ المسيحُ أشقَرَ الشعرِ أزرقَ العينين؟

مشاركة
تعليق

لبنان/ أليتيا (aleteia.org/ar) كثيرًا ما نجدُ البعضَ ينتقدونَ اللوحاتِ الدينيّة الغربيّة الّتي قد تظهِرُ المسيحَ والعذراءَ، شكلًا، خلافًا لما نتصوّرهُ نحنُ أبناء المشرِق.

 

يأتي انتقادُنا غالِبًا هامشيًّا سطحيًّا. وغالبًا ايضًا ما نقعُ في فخّ مُقارنَة خطوط اللوحاتِ الغربيّة بخطوط الأيقوناتِ الشرقيّة فنقع في جدليّة الأشكالِ لا المضامين!

 

قبل كلّ شيء عليّ أن أقرّ بميلي غير المشروط للايقونات الشرقيّة لأنّها أكثَرَ تجرُّدًا من تأثير الفنون المدنيّة بالمقارنة مع اللوحاتِ الغربيّة الّتي كانت تتّخذ بحسب تطوّر الفنون المدنيّة اشكالًا جديدة ومتنوّعة بينما حافظت الأيقونات الشرقيّة، نوعًا ما، على نفس الأسلوب!

 

إنّ الانتقادات الّتي تنال من اللوحاتِ الغربيّة، عوَضَ أن تدخُلَ في لاهوتِ اللوحةِ وأبعادِها الكتابيّة، تتجّهُ مباشرةً إلى الأشكالِ فتقفُ مثلًا عند لونِ البشرة والعيونِ أو عندَ طراز الملابس أو عندَ الهندسة المعماريّة أو المناظر الطبيعيّة الّتي قد لا تتّفق شكلًا مع ما يفترضُ ان يكونَ في الواقع.

 

في الحقيقة إنّ الفنّ هو ابنُ البيئة. فعندما يسألُ طفلٌ صينيٌّ أن يرسمَ بيتًا فهو حكمًا سيرسمُه على طراز بيوت الصين. وإذا طُلِب من طفلٍ كنديٍّ أن يرسم شجرةً فلن يرسم الأرزة اللبنانيّة بل شجرة القيقب…

ولا ننسَ أيضًا أنّ القرونَ الماضية لم تتمتّع بتقنيّات الحاسوب والانترنت والخليويّ، أي لم تكُن أسيرة العولمة والنمط الواحد (النمط الأميركيّ

 

ومع ذلكَ ليسَت اللوحاتُ الغربيّة بِهذه البساطَة، فهيَ لم تسعَ يومًا أن تقدّم لنا مشاهِدَ من الكتابِ المقدّس كما تفعلُهُ كاميرات اليوم.

إنّ كاميراتِ اليومُ تنسَخُ لنا الواقعَ نسخًا من دون أيّ فهم لهذا الواقِعِ.

 

أمّا رسّامو اللوحات الدينيّة الغربيّة فقد رسموا ما رسموه استنادًا إلى نصوصٍ كتابيّة استفاضوا في درسِها وتحليلِها، لتأتيَ اللوحَةُ حاملَةً البُعدَ اللاهوتيّ للمشهَدِ.

والأشكالُ الخارجيّة من ألوانٍ وألبسة وهندسة، وإن كانت تبدو غريبة عن ما اعتدنا عليه، إلّا أنّها غالبًا ما تحملُ أبعادًا كتابيّة صرفة لأنّها تسعى إلى كتابة كلمة الله بالخطوط والألوانِ لا نقل الأحداث بطريقةٍ صحفيّة كما يحصل في أيّامنا!

هل كانَ يسوعُ أشقَر الشعر وأزرقَ العينين؟ هل كانت مريمَ ترتدي هذا النوعُ من الملابس؟ هل كانَت سوداء البشرة؟ هل كانَ يوسف حليقَ الذقن؟

 

كلّ هذا قد يبدو سخيفًا،

ولكنّه في اللوحات الجدّيّة لا يخلو من الحقيقة، الحقيقة الكتابيّة، حقيقة الوحي، لا حقيقة الواقع الملموس. فالإيمانُ بما لا يُرى، الإيمان بما يخرج من فم الله لا بما تراه العين!

سأتوقّف عند حالةٍ واحدة من الحالات الّتي أتيت على ذكرها ومن خلالِها افتحُ بابَ الفهم لباقي الحالات: شكلُ الطفلِ يسوع.

 

يظهَرُ الطفلُ يسوع في معظمِ اللوحاتِ الغربيّة أشقرَ الشعرِ أزرقَ العينينِ أبيضَ البشريّة، ما يدفَعُنا، نحنُ الشرقيّينَ إلى استهجانِ الأمر. فنحنُ بطبيعتنا شعبٌ أسمرُ البشرة قاتمُ العينين أسودِ الشعر، ما يعني أنّ الغربيّين يُسقِطونَ شكلَهم على المسيح ويفرِضونَه علينا كما هم يريدون.

 

هذا تحليل سطحيّ بعيد عن الحقيقة ولو أنّ الفنّان محكومٌ شيئًا ببيئته وبما تراهُ عيناه!

في الحقيقة، لا يَرسمُ الفنّانون المؤمنونَ لوحاتِه إلاّ بالاستنادِ إلى مراجعَ كتابيّة وفهم عميق للأبعادِ اللاهوتيّة. وقد تكونُ النصوصُ المستندُ إليه غير مرتبطة بشكلٍ مباشر بالمشهد الّذي تسعى اللوحة إلى تجسيده.

 

طفولةُ المسيح:

 

1-    يسوعُ، بنظر الفنّانِ المؤمن ليسَ طفلًا مشرقيّا وحسبُ،

بل هو ابن الله،

هو نورٌ من نور

لذلكَ يهتمُّ الفنّانونَ برسمِ بشرةِ المسيحِ بيضاءَ ساطعةً للتعبير عن كونِه ينبوع النور، صورةَ بهاءِ الآب وشعاع ضيائه!

ليست القصّة إذا موضوع تفضيلٍ شخصيّ للونِ البشرة ولا نسخًا للنموذج الأوروبي، ولا تمييزًا عرقيّا علمًا أنّ الشعوب الإيطاليّة والإسبانيّة والبرتغاليّة هي شعوب متوسّطيّة سمراء البشرة عمومًا.

 

2-    يسوعُ، ابنُ داود، التحقيق الكاملِ لرمزيّة داود في العهد القديم.

لا يخفى على أحد أنّ الكتاب المقدّس قدّم داوُد كأعظم ملوك (مسحاء) إسرائيل، بل كنموذَجٍ للمسيح الملك الأزليّ الّذي سيأتي ويملكُ إلى الأبد.

لذلك عندَما يصوّر الفنّانونَ المؤمنونَ يسوعَ طفلًا فهم لا يُغفلونَ هذه الحقائقَ اللاهوتيّة الّتي كشفها الكتاب المقدّس: “ارحمنا يا ابنَ داود”. “هوشعنا لابنِ داودن مباركٌ الآتي باسم الربّ ملكِ إسرائيل!

هذا التكاملُ أو التماهي بين الشخصيّتين، الرمز والتحقيق، جعلَ الفنّانينَ يضَعونَ في ملامح الطفل يسوعَ ما كشَفَهُ الكتاب المقدّس عن ملامح الطفلِ داود:

هذا ما نقرأه في سفر صموئيل الفصل 16:

 

  • وقالَ الرَّبُّ لِصَموئيل: “إِلى مَتى تَحزَنُ على شاوُل، وأَنا قد نَبَذتُه كَملِكٍ على إِسْرائيل؟ فاملأْ قَرنَكَ زَيتًا وتَعالَ أُرسِلُكَ إِلى يَسَّى مِن بَيتَ لَحْم، لأَنِّي قدِ اختَرتُ لي مِن بَنيه مَلِكًا”.
  • فقالَ صَموئيل: “كَيفَ أَذهَب؟ فإِن سَمِعَ شاُول، يَقتُلُني “. فقالَ الرَّبّ: “خُذْ معَكَ عِجلَةً مِنَ البَقَرِ وقُلْ: إِنِّي جِئتُ لأَذبَحَ ذَبيحةً لِلرَّبّ.
  • وادعُ يَسَّى إِلى الذَّبيحَة، وأَنا أُعلِمُكَ ماذا تَصنَع، وامسَحْ لِيَ الَّذي اسَمِّيه لَكَ”.
  • ففَعَلَ صَموئيلُ كما أَمَرَه الرَّبّ، وأَتى بَيتَ لَحْم. فارتَعَشَ شُيوخُ المَدينَةِ عِندَ لِقائِه وقالوا: “أَلِسَلام قُدومُكَ؟”
  • فقال: ” لِسَلامٍ قَدِمت، لأَذبَحَ لِلًرَّبّ. فقَدِّسوا أَنفُسَكم وتَعالَوا معي إِلى الذَّبيحَة”. وقَدَّسَ يَسَّى وبَنيه ودَعاهم إِلى الذَّبيحة.
  • فلَمَّا أَتَوه، رأَى أَليآب، فقالَ في نَفسِه: “لا شَكَّ أَنَّ أَمامَ الرَّبِّ مَسيحَه”.
  • فقالَ الرَّب لِصَموئيل: “لا تُراعِ مَنظَرَه وطولَ قامَتِه، فإِنِّي قد نَبَذتُه، لأَنَّ الرَّبَّ لا يَنظُرُ كما يَنظُرُ الإِنْسان، فإنَّ الإنْسانَ إِنَّما يَنظُرُ إِلى الظَّواهِر، وأَمَّا الرَّبُّ فإِنَّه يَنظُرُ إِلى القَلْب”.
  • ثُمَّ دعا يَسَّى أَبيناداب، وأَجازَه أَمامَ صَموئيل. فقال: “وهذا أَيضا لم يَختَرْه الرَّبّ”.
  • ثُمَّ أَجاز يَسَّى شَمَّة، فقال: ” وهذا أَيضًا لم يَختَرْه الرَّبّ “.
  • فأَجازَ يَسَّى سَبعَةَ بَنيه أَمامَ صَموئيل، فقالَ صَموئيلُ لِيَسَّى: “لم يَختَرِ الرَّبُّ مِن هؤُلاء”.
  • ثُمَّ قالَ صَموئيلُ لِيَسَّى: “أَهولاءِ جَميعُ الفِتْيان؟ ” فقالَ لَه: “قد بَقِيَ الصَّغير، وهو يَرْعى الغَنَم “. فقالَ صَموئيلُ لِيَسَّى: “أَرسِلْ فجِئْنا بِه، لأَنَّنا لا نَجلِسُ إِلى الطَّعام حتَّى يأتِيَ إِلى ههُنا”.
  • فأَرسَلَ وأَتى بِه، وكاَنَ أَصهَبَ جَميلَ العَينَينِ وَسيمَ المَنظَر. فقالَ الرَّبّ: “قُم فاَمسَحْه، لأَنَّ هذا هو”.
  • فأَخَذَ صَموئيلُ قَرن الزَّيتِ، ومَسَحَه في وَسْطِ إِخوَته، فانقَضَّ روحُ الرَّبِّ على داودَ مِن ذلكَ اليَومِ فصاعِدًا، وقامَ صَموئيلُ وانصَرَفَ إِلى الرَّامة.

 

 

نَرى بوضوحٍ أنّ داود “أبا المسيح يسوع” كانَ أصهبَ جميلَ العينين وسيمَ المنظر. والصُّهْبةُ: الشُّقْرة في شعر الرأْس، وهي الصُّهُوبةُ. بحسب قاموس لسانِ العرب وسائر القواميس.

هل من الغريبِ أو النافل أن يصوّر يسوعُ المسيحُ “ابنُ داودَ” بصورةِ “أبيه” داودَ الملك؟

 

3-    المسيح هو حبيب الكنيسة وعروسُها الأكمل.

تقرأ الكنيسةُ من خلال كتاب نشيد الأناشيد قصّة حبٍّ بين الله وشعبه وترى تحقيقها الكامل في المسيح والكنيسة عروسه.

لذلكَ يعكِسُ الرسّامونَ وصف الحبيب الواردِ فن نشيد الأناشيد على تصويراتِهم للطفل يسوع:

هذا ما نقرأهُ في الفصل الخامس من نشيد الأناشيد:

 

 

  • (10حَبيبي أَبيَضُ أصهَب عَلَمٌ بَينَ أُلوف.
  • (11رَأسُه ذَهَبٌ خالِصٌ وإِبْريز وخَصائِلُه كَسَعَفِ النَّخْل حالِكَةٌ كالغُراب.
  • (12 عَيناه كحمامَتينِ على أَنْهارِ المِياه تَغتَسِلانِ بِاللَّبَنِ الحليب وهُما جاثِمتانِ على الحَوض.
  • (13 خَدَّاه كَرَوضَةِ أَطْياب وزَهْراءِ رَياحين وشَفَتاه سوسَنٌ تَقطُرانِ مرًّا سائلاً”…
  • هذا أيضًا أحد النصوص الّتي حضرت في أذهانِ الرسّامين حينَ صوّروا المسيح يسوعَ طفلًا.
  • إنّه الحبيب الأكمل والأجملُ كما يصفه نشيد الأناشيد، وكما يصفه أيضًا المزمور 45:
  • (2   جاشَ قَلْبي بِطيِّبِ الكَلام لأحَدَثَنَّ المَلِكَ بِأَعْمالي لِساني قَلَمُ كاتِبٍ رَشيق .
  • ( 3 إِنَّكَ أَجمَلُ بني آدم والظرفُ على شَفَتَيكَ اْنسَكَب فلِذلِكَ بارَكَكَ اللهُ لِلأَبَد”.
  • (4  لا نعرف المسيح بعد القيامة بواسطة ملامحه البيولوجيّة
  • يقول بولس الرسول في الرسالة الثانية إلى أهل كورنتس الفصل 5:
  • “فنَحنُ لا نَعرِفُ أَحَدًا بَعدَ اليَومِ مَعرِفةً بَشَرِيَّة. فإِذا كُنَّا قد عَرَفْنا المسيحَ يَومًا مَعرِفةً بَشَرِيَّة، فلَسْنا نَعرِفُه الآنَ هذِه المَعرِفَة.

 

في الواقِعُ، كلّ من عرَفوا المسيحَ شخصيًّا قبل موتِهِ عجزوا عن التعرّف إليه بعد القيامة عبر ملامحه البشريّة. فلا المجدليّة عرفته ولا تلميذا عمّاوس ولا الرسل على شاطئ بحيرة طبريّة… فقد أرادَ المسيحُ أن يعرفوهُ لا منِ خلالِ ملامحه البشريّة بل من خلال مواهبه ونعمه. أرادَ أن يرَوا ذاكَ الّذي غنّتهُ النبوءات منذ مئات السنين، ذاكَ الّذي كانَ منذ البدء مع والله وكانَ هو الله!

 

خلاصة:

 

ولو اختلفتا شكلًا وخطوطًا، تلتقي الأيقونة الشرقيّة واللوحَةُ الغربيّة على مبدأ أساسيّ ثابت: إنّ الأيقوناتِ والصور المقدّسة ليسَت نسخًا لأحداثٍ مَضى علَيها الزمَن، ولا لأشكالِ المسيح وأمّه ورسله وأنبيائه،

بل هي، ومن خلال الأشكال والخطوط والدوائر والألوان والملابس والحركات، تقدّم تعليمًا دينيًّا لاهوتيّة يتجاوز ظاهرَ الأمور ليذهبَ نحوَ العمق: تجسيد أسرار الخلق والتجسّد والفداء بحسب وحي الكتبِ المقدّسة، على حسبِ إمكانيّات النبوغ البشريّ.

 

العودة إلى الصفحة الرئيسية

أليتيا Top 10
  1. الأكثر قراءة
    |
    الأكثر مشاركة
  2. قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان…أصابها السرطان وسألت زوجها “هل ستتركني”؟؟؟ هل تفعلون ما فعله الزوج؟

  3. رسالة شديدة اللهجة لرئيس المجر…تحذير وهذا ما أبلغه للأوروبيين ولمسيحيي الشرق

  4. معجزة خارقة شهد عليها البابا فرنسيس نفسه!!! وهي اعجوبة لا تضاهيها أي أعاجيب أخرى!

  5. للمرة الرابعة يظهر القديس شربل على شكل نور لامرأة أمريكية…تفاصيل أكثر من مدهشة وشفاءات حيّرت الأطباء

  6. حصل في لبنان: بارك الكاهن الطفلة المسيحية، والتفت فرأى طفلة مسلمة غصت بالبكاء وخجلت أن تطلب الصلاة الصلاة والبركة… وهذا ما حصل!

  7. إن كنتم قلقون، صلّوا هذه الصلاة قبل النوم، وناموا بسلام!!!

  8. ماريا بنت زغيرة… شفتا حد برميل الزبالة

  9. للمرة الرابعة يظهر القديس شربل على شكل نور لامرأة أمريكية…تفاصيل أكثر من مدهشة وشفاءات حيّرت الأطباء

  10. معجزة خارقة شهد عليها البابا فرنسيس نفسه!!! وهي اعجوبة لا تضاهيها أي أعاجيب أخرى!

  11. الويل لمجتمع أصبح به وضع الصليب في البيت والسيارة والمحل والمؤسسات أهمّ من العلاقة مع المصلوب!

المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً