Aleteia
الأحد 25 أكتوبر
روحانية

لماذا أضاف المسيح كلمة "بارد" إلى كأس الماء الذي طُلب منّا أن نُعطيه لإخوتنا البشر؟

الأب حنّا خضرا الأنطوني - تم النشر في 20/12/16

روما/ أليتيا (aleteia.org/ar) كنت أسأل نفسي بتعجب كبير: لماذا أضاف المسيح كلمة “بارد” إلى كأس الماء الذي طُلب منّا أن نُعطيه لإخوتنا البشر؟ ألم تكن المياه كافية في ذاتها لإتمام هذه الخدمة لمن هم في عطش إليها؟ ولكن عندما كبرت وزادتني الحياة علماً، ونعم الرب تواضعاً فهمت أن للمياه طعم على خلاف ما يعتقد البشر، وإن طعمها في برودتها.

وفهمت أيضاً من خلال التجربة أن كأس الماء يجب ً أن يكون دائما  بارداً لأن الحلق الجاف الملتهب يطلبه على هذا الحال. واقتنعت أيضاً بأن الكأس البارد هو كل عمل حب يقدمه الإنسان الى أخيه ويكون سداً لحاجة ونقص يناقض طبيعة الحاجة التي يطلبها الأخير ولكنه يجاوب عليها تماماً، وأن الشيء لا يظهره إلاَّ ضدّه.

فتعلّمت في حياتي مثلاً أن لا أحمل الماء البارد لجائع، أو الأكل الشهي لعطشان أو التعزية لمن يعيش في نعمة الله وسلامه، بل أن أحمل هذه الأشياء لمن يحتاجها فعلاً: فالماء للعطشان والطعام للجائع والتعزية للحزين الى ما هنالك من أضداد تشفيها الأضداد.

ولمست بيدي وعيني وكامل حواسي نعم الله التي يغمرني بها عندما أعطي هذا الكأس مادياً كان أم معنوياً  بوعي وحب الى أخي الإنسان الذي يحتاجه.

منذ سنين عدت من ايطاليا الى لبنان بعد أن أنهيت أطروحة الدكتوراه في الحق القانوني، وكان أحد الأصدقاء في لبنان ينتظرني لنغزو معاً سهل البقاع في يوم صيد مُنتظر. بدأنا يومنا فجراً ورحنا نجوب أراضي السهل الواسعة فلم نجد أثراً لأي طير. أحزنني الأمر لأن صديقي كان قد علّل النفس بوجود صيد وفير. قررت بعد أكثر من أربع ساعات أن أعود الى القرية بعد أن قطعت الأمل بوجود الطير في هذا اليوم.

عندما اجتازت سيارتي الطرقات الترابية، الصخرية الوعرة وصلت الى طريق الزفت لمحت من بعيد حملة من الحطب _او ما نسميه نحن في لغة بلادنا البقاعية “سيكون” وهي كناية عن أغصان سنديان يابسة يسهل حملها_ تتحرك لوحدها. فظننت أن في الأمر أعجوبة أو روح جان. ولكني عندما اقتربت منها واتضحت الرؤيا وجدّت أن سيدة ما تحمل الحملة التي تكبر قامتها ووزنها بأضعاف. تحركت أحشائي رحمة وشفقة على هذه المرأة. فأطلقت العنان حتى وصلت إليها. وعندما وصلت وجدّتها إمرأة عجوزاً تخطت السبعين عاماً .

كان شعرها مبعثرا بعد أن عبثت به الأغصان اليابسة، وكان وجهها ويديها مجروحة من السبب المذكور. ألقت العجوز حملتها على الأرض، وراحت تشتكي أمام “الرحمان” من عذاب الفقر ووجع الشيخوخة وقساوة الحاجة في حياتها. كانت من بلدة قريبة من قريتنا تُدعى “الكنيسة” واسمها “أم علي”. لا أعرف كيف دفعتني الرحمة الواعية لعملها فوجدت نفسي أضع بفرح الحملة في سيارتي لأشابه المرأة في جروحها، والمرأة بجانبي على الرغم من محاولات الرفض والدهشة من قبل المرأة والصديق.

عندما وصلت الى منزل المرأة في الحي الغربي من البلدة، قرب بيادر الفلاّحين، أنزلت الحملة بيدي ووضعتها على حافة البيدر. وعندما هممت بالعودة الى حيث أتيت طلبت منّي العجوز أن أدحرج الحملة باتجاه وسط البيدر كي يستطيع الناس المرور. وعندما فعلت طارت عصفورة كانت تأكل حبوب القمح المتروكة على البيدر. وعندما لحقت بها لأصطادها إنفتح أمامي باب السماء، فكانت العصافير تملأ البيادر بشكل لا يتصوّر عقل. اصطدت وصديقي العشرات ولم نعد الى القرية حتى نفدت الذخيرة في جعبنا.

نظر اليّ صديقي ليقول:” إن صيدنا هو ثمرة عمل الرحمة مع هذه المرأة”. نعم كان هذا الكلام صحيحاً عند الذين يعرفون قراءة علامات الأزمنة. لقد أعطينا للمرأة العجوز رحمة وعافية في تعبها وشقائها فأعطانا الله أضعاف من ما كنّا نرغب به من الصيد.

العودة إلى الصفحة الرئيسية

نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إنّ التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة إطلاقًا من جرّائها.

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

Tags:
المسيحاليتيا
صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
هيثم الشاعر
تدخّل إلهي في مزار سيدة لبنان - حريصا
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
أليتيا
مقتل كاهن في خلال مساعدته امرأة تتعرّض للسرقة
غيتا مارون
بعد تداول فيديو كنيسة أوروبيّة تحوّلت إلى مطع...
هيثم الشاعر
بالفيديو: لحظات صادمة حاول فيها مخرّب نزع صلي...
priest in Greece
هيثم الشاعر
تركيا تلقي القبض على راهب سرياني أرثوذكسي وال...
فيليب كوسلوسكي
الصلاة المفضلة لبادري بيو التي كان من خلالها ...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً