أليتيا

قصدت يوم الأحد مأوى عجزة في مدينة روما بعد أن طلبت مني المالكة أن أحمل القربان للمرضى… دخلت المأوى ويا هول ما رأيت!

مشاركة
تعليق

روما/أليتيا(aleteia.org/ar) كان الحكماء، الذين اطالوا التامل في ماهية الأشياء والكائنات والبشر من أيام اليونان وحتى اليوم مروراً بحكماء العرب، ينصحون الناس باكتساب الحكمة الحياتية والعملية من وجوه اضدادها. فيطلبون منا ومن ابناء عصورهم ان يزوروا مثلا مستشفى ليشكروا الله على نعمة الصحة التي ينعمون بها ، او يجالسون المجانين ليقدروا نعمة سلامة العقل والنفس والوعي ، او يقصدوا الأحياء السكنية الفقيرة اذا ارادوا ان يقيموا حالة الشبع والبحبوحة التي يعيشون فيها. هذا من ناحية ، ومن ناحية اخرى كانوا يطلبون اليهم فعل ذلك ليعرفوا ان نهاية الإنسان مرة ، وان الشيخوخة قاسية عندما تغادرنا العافية ويذوي فينا الجمال وتخذلنا القوة وتذلنا اللغة ، فيدركوا ان كل شيء يزول كالحلم ، ويتبدد كالدخان فيضعوا رجاءهم بالله الذي يعبدون ويستسلموا لقدر الحياة الذي لا يتغير ولا يساوم على شيء.

 

قصدت اليوم الاحد مأوى عجزة في مدينة روما بعد ان طلبت مني المالكة ان احمل القربان للمرضى .قمت بهذه الخدمة برحابة صدر وقناعة حرة يقينا مني ان تجسد ابن الله في ملء الزمن احرجني كانسان عندما طلب مني ان اراه والمسه واخدمه واحبه محبة وخدمة شخصانية ، تاريخية ، مادية، ملموسة في جراح وحاجة القريب المبتلي بالنقائص والالام والقروح، كما كان اليعازر امام مائدة الغني ، وان اتوقف عن التفكير به كفكرة افلاطونية فتشت عن مصدرها في عالم الغيب والمثل فوق الغيوم .

 

دخلت المأوى ويا هول ما رأيت ! رأيت الانسان في كامل بؤسه ووحدته وعزلته ووجعه واستسلامه وواقع ما اوصلته اليه الشيخوخة. ناس تئن ، اجساد مخلعة مكشوفة ، وجوه كالحة، اسرة مغمورة بالادوية ، افواه فارغة من كل شيء ، تأوهات تنهدات حنين الى ماض وتعاسة…..
حاولت ان لا تشككني هذه الجراح ، كما فعل السامري الصالح الذي انحنى على جراح غريب اريحا، فابتسمت لكل واحد، وانحنيت على سريره ، لادخل الى قلبه بعض كلمات الرجاء والتعزية وكأني انحني على سرير المسيح بالذات. كنت اردد همسا صرخة صاحب المزامير الذي اختبر ما اختبرت من شقاء الانسان في نهاية عمره:” لا تتركني في زمان الشيخوخة يا الله ولا ترذلني عند فناء قوتي”.انهيت توزيع جسد الرب الذي ما زال مصلوبا في اجساد هؤلاء والقائم في رجاءهم والايمان، وخرجت الى سيارتي الصغيرة لاقف متواضعا امام وجودية بشريتنا في وادي دموعها.

 

سألت نفسي عن قيمة الأشياء التي نملكها عروشا وصولجنات وتيجان وسلطات وامجاد وعناوين وهالات مقدسة وثروات وفحش وغنى ، طالما لن تبقى لنا بل لغيرنا ، واننا سنتركها مرغمين ، وان حياتنا مهما طالت سنين وقرون ، ستقودنا الى غرفة ضيقة ، مظلمة منسية وباردة ، لا يزورونا فيها الا من بقي في قلوبهم تجاهنا بعض المحبة والرحمة والوفاء…فلماذا نتقاتل ويفني بعضنا الاخر على حفنة تراب لا تكفي لملء جوف افواهنا ساعة الموت؟

 

انطلقت بسيارتي نحو ديرنا الانطوني وانا اردد بصوت رقيق: كل شيء يزول ولن يبقى من الحياة الا الحب الذي اقتنيناه في حياتنا على حجم كأس ماء بارد لهؤلاء الصغار الذي مات المسيح من اجلهم…..

 

العودة الى الصفحة الرئيسية
نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إنّ التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة إطلاقًا من جرّائها.
أليتيا Top 10
  1. الأكثر قراءة
    |
    الأكثر مشاركة
  2. شاب مسيحي يترك المسيحية ويمزّق صورة #مار_جرجس…والقديس يظهر عليه عشية الحادثة!!!

  3. القربان الأقدس يتحوّل إلى بُقعة حمراء أشبه بالدم وهذا ما كشفته التحاليل الطبيّة…ربّنا حيّ والمعجزة خضّت الكنيسة

  4. رفض أحد المسافرين الجلوس بجانب “كافرة” تقرأ في الإنجيل وكانت المُفاجأة…هذا ما فعله كابتن الطائرة!

  5. سأل علي أغا البابا يوحنا بولس الثاني: لماذا لم تمت؟ لقد صوّبت جيداً…جواب البابا القديس اذهل أغا

  6. ياسمين أمين بيضاوي ريتا ماريا بالمعمودية تحكي قصّتها لأليتيا: جنّ جنون والدتي وقالت لي ” وقت موت…تعمّدي”، أما والدي فقال لي “أوعا تجرصينا قدام الناس”

  7. رفض أحد المسافرين الجلوس بجانب “كافرة” تقرأ في الإنجيل وكانت المُفاجأة…هذا ما فعله كابتن الطائرة!

  8. لماذا لم يتمكّن العرب من نقل رأس يوحنا المعمدان من داخل الجامع الأموي الكبير في دمشق؟ ولماذا أصابهم الذعر والذهول؟

  9. ​طريقة موت هذه الفتاة عبرة لكل شاب وشابة … اقرأوا رسالتها الى امها قبل ان تفارق الحياة

  10. أحفاد شقيق مارشربل يعودون من المكسيك ليسألوا عن عمّهم القديس

  11. الرب يمطر حجارة ونيران على فلوريدا…هُزم الشيطان الأكبر وربح العرب!!!

المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً