Aleteia
الخميس 22 أكتوبر
روحانية

يسوع ملك الملوك

بسام دعيبس - موقع أبونا - تم النشر في 20/11/16

العراق/ أليتيا (aleteia.org/ar) تحتفل الكنيسة الكاثوليكية في الاحد الاخير من السنة الكنسية بعيد يسوع الملك، وقد وضع البابا بيوس الحادي عشر هذا العيد عام 1925 اكراما ليسوع سيد الخليقة. ان ملكوت الله هو محور تعاليم يسوع في جميع الاناجيل، وتظهر كلمة ملكوت الله اكثر من أية كلمة اخرى في الاناجيل الاربعة، وقد بدأ يسوع حياتة العلنية بالتبشير بالملكوت: قد تم الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا واّمنوا بالبشارة.



ان ملكوت الله يتجلى في الكتاب المقدس في اكثر من مكان، وبعض المزامير توضح لنا ان الله ملك في شعبه، وان الله لا يصير ملكا بل هو الملك، عرشه ثابت منذ البداية، وأقله منذ الطوفان، والرب هو الاله منذ الأزل، كما تظهر المزامير ملك الله الذي يظهر بشكل خاص في الخلق، وتذكر بحرب الله مع قوى الشر وانتصاره عليها في نهاية الازمنة.



ويبين الكتاب ان الرب ملك الكون وهو ملتحف بالبهاء والعظمة، ويظهر قدرته وسلطته على الطبيعة، وان هذا الملك القدير يسكن في هيكله، وملكه منذ الازل اي قبل بداية الخليقة، وان عرش الله في السماء هو عرشة على الارض ايضا، وحضوره في السماء والارض يجعل الكون ثابتا بقوة عظمته، وقد اظهر ملكه يوم ثبت الطوفان ومنع كل طوفان في المستقبل، وسيظل يسيطرعلى اعدائه بيده، ويملك عليهم الى الابد، لقد ظهر الرب لأشعيا النبي في هيكل أورشليم بصورة ملك، وسمّيت صهيون مدينة الملك العظيم، وعندما يعود شعب الله من المنفى يعلن له أشعيا : الله ملك، وملكه سيظهر لكل قوَّات السماء.



لقد ولدت فكرة “الله ملك” منذ القديم، في أيام الخروج والقضاة، إن لم يكن في أيام صموئيل. فالله ملك وهو يقود شعبه ويخلصه ويحارب عنه، ويعمل له كل ما يعمله ملك من أجل مملكته. وهنا نلاحظ أن القبائل رغم بعض الوحدة بينها، رفضت دوما أن تقيم ملكا عليها، والسبب في ذلك هو أن القبائل كانت مقتنعة أن الرب ملكها وهو يوحدها حول معبده. فالوحدة التي أعطاها الله لشعبه بعد الخروج من مصر كانت وحدة عبادية ووحدة سياسية أيضًا.



أعلن يسوع أن الله ملك كما ورد في انجيل متى، وأنشد المزامير التي تشيد بالرب الملك، وكيف يظهر ملك الله في تاريخ الخلاص منذ عمل الخلق في بداية الكون، إلى الكشف النهائي عن ملكه في نهاية الكون، والمسيح يشارك الله الآب في هذا الملك، ولهذا نتذكر كلمات القديس بولس إلى أهل أفسس : الله أظهر قدرته في المسيح حين أقامه من بين الأموات وأجلسه إلى يمينه في السماوات فوق كل رئاسة وسلطان وقوة وسيادة، وفوق كل اسم يسمى لا في هذا الدهر فقط، بل في الدهر الآتي أيضًا. وهكذا نستطيع أن نجمع أصواتنا مع الاصوات العظيمة في السماء التي تقول: “مملكة العالم لربنا ولمسيحه، فيملك إلى أبد الدهور” كما ورد في سفر الرؤيا.



تتجلى ملوكية المسيح من خلال مثل الدينونة الأخيرة الذي يوجه لنا رسالة في غاية الأهمية، ألا وهي الحقيقة حول مصيرنا النهائي، والمعيار الذي سندان على أساسه. “جعت فأطعمتموني، وعطشت فسقيتموني، وكنت غريبا فآويتموني، وعريانا فكسوتموني، ومريضا فعدتموني، وسجينا فجئتم إليّ”. مملكة المسيح ليست من هذا العالم، لكن الرب يدفعنا على صنع الخير الذي زرعه الله في قلب الإنسان. وإذا قمنا بترجمة محبتنا بأعمال الخير تجاه القريب يملك المسيح وسطنا، أما إذا انشغل كل واحد منا في الاهتمام بشؤونه الخاصة فالعالم سيتجه نحو الهاوية لا محالة.



يقول القديس بولس الرسول: “ليس ملكوت الله أكلاً وشرباً، بل بر وسلام وفرح بالروح القدس”. الرب يريد لنا الخير، ويرغب في رؤية أخوتنا الصغار يجلسون إلى المائدة التي أعدها لجميع أبنائه. ولهذا السبب ينبذ الله المرائين، إذ يقول “ليس من يقول لي “يا رب”، “يا رب” يدخل ملكوت السماوات …”، فالله يستقبل في ملكوته الأبدي من يسعى جاهداً يوماً بعد يوم إلى العمل بمشيئته. ولهذا السبب تبقى مريم العذراء أكثر الناس تواضعاً، وأعظم البشر في عيني الرب، وتجلس ملكةً عن يمين المسيح الملك.



ويبقى السؤال الكبير إذ كيف تنصب الكنيسة يسوع ملكا بينما كان يسوع نفسه يرفض أن يدعوه الناس ملكا، ولدى دخوله أورشليم، يخبرالإنجيل أن الناس أخذوا سعف النخل وبدأوا يهتفون هوشعنا لابن داود، هوشعنا لملك إسرائيل، أما يسوع فبعد أن امتطى جحشًا ابن أتان ودخل أورشليم، ومن ثم ترك الجموع التي حاولت أن تنصبه ملكًا.



وقد يفهم البعض الآخر ملوكية يسوع بحسب الطريقة البشرية. وانطلاقًا من هذا المبدأ يتساءلون عن معنى ملوكية إله لا يملك حقًا، ولو بشكل ظاهري على الاقل، ولعلنا من خلال الإجابة عليها نفهم بشكل أفضل معنى ملوكية يسوع.



كان “ملكوت الله” محور تبشير يسوع، وقد أساء اليهود في زمانه، الذين كانوا يعتقدون بأن المسيح سيعيد أمجاد ملك داود، لهذا السبب نرى أم يوحنا ويعقوب تسعى إلى تأمين مستقبل ولديها ليجلسا عن يمين الملك.



أن يسوع لم يرفض لقب “ملك” إلا عندما فُهم الملك بحسب النظرة السياسية المحضة، أما عندما كان يتحدث عن ملكوت الله كملكوت حب وبر وحق فلم يكن يرفض هذا اللقب، لا بل كان يوضحه. نرى هذا الأمر في لقاء يسوع بالسامرية، حيث يصرح علانية بأنه المسيح المنتظر، ملك إسرائيل.



نرى واقعة أخرى في لقاء يسوع الأخير ببيلاطس خلال الآلام، عندما يستجوبه بيلاطس بشأن اتهامه بأنه ملك اليهود: “أأنت ملك؟”، فيجيب يسوع: “أنت قلت. أنا ملك”، موضحًا مباشرة أن “ملكوته ليس من هذا العالم، ولا يتبع معايير هذا العالم. ولذا، من لا يمعن النظر، أو بالحري، من لا ينظر إلى مسيرة ومصير يسوع بعيني الروح، لن يتوانى عن اعتباره ملكًا فاشلاً. فبحسب معايير النجاح البشرية، ملك “التطويبات”، لا يعبّر عن الصورة النموذجية للملك. والملك الوديع والمتواضع القلب الذي يدخل أورشليم ممتطيًا جحشًا ابن آتان، محققًا نبوءة زكريا :”ابتهجي جداً يا ابنة صهيون اهتفي يا بنت أورشليم . هوذا ملكك يأتي إليك هو عادل ومنصور وديع وراكب على حمار وعلى جحش أبن أتان، لا يجسد الصورة المعتادة للملك الذي يمتطي الخيول وترافقه كتائب الجنود.


ما هو ملكوت الله هذا وبالتالي ما معنى “المسيح الملك”؟



عندما سأل الفريسيون يسوع متى يأتي ملكوت الله؟ ادرك ان السؤال ليس بغريب، فان غاية عدو الخير، ان يشغلنا عن خلاص انفسنا بالاوقات والازمنة، وكان قد حذرنا بقوله: ليس لكم ان تعرفوا الاوقات والازمنة، انه لا يريد أن يقدم تعريفًا حصريا للملكوت، بل يتحدث عنه انطلاقًا من تشابيه وأمثلة، لكي لا يحصره في مفهوم يفرغه بدوره من معناه العميق، ولكن ما نستشفه من كلمات يسوع، الذي يقول أيضًا: “إن ملكوت الله هو حاضر في وسطكم”، ان الملكوت هو في اعماق انفسكم، ويعتمد على ارادتكم وسلطانكم ان تقبلوه او ترفضوه، أن الملكوت ليس مكانًا أو سلطنة بل شخصًا، هو شخص يسوع المسيح. الولوج في ملكوت الله هو الدخول في علاقة حميمية مع المسيح الذي يقودنا إلى الآب عن طريق الصليب، فكل انسان يقبل التبرير بالايمان بالمسيح، ويتزين بكل فضيلة، يحسب اهلا لملكوت السموات. ملكوت الله يعني الفرح الذي يغرسه الروح القدس في داخلكم، انه يعني معرفة الحق والابتهاج بالفضيلة.



ما من طريق آخر لفهم ملوكية المسيح إلا هذا: أن يعي المرء أن مواجهة الشر بالشر هو فشل، هو هزيمة ورضوخ لمنطق الشر. قوة المسيح، هي قوة الحب، وملكوته هو ملكوت الحب الذي يقول: “لا تدع الشر يغلبك، بل اغلب الشر بالخير”. ولذا فالمسيح هو ملك لأنه أحب حبًا لا يضاهيه حب لأنه بذل نفسه لأجل أحبائه، وبهذا الحب الكبير هدم سور العدواة وصار هو سلامنا.



ليس لدينا مملكة في هذه العالم، بل ننتظر في الرجاء السعيد تجلي ربنا وإلها العظيم يسوع المسيح. هذا الانتظار المسيحي ليس سلبيًا، ليس كسلاً وبطالة، بل هو عمل وجهد في بناء ملكوت المسيح، حيث تملك المحبة فهناك يملك المسيح، وعليه لنسجد ليسوع ملك الاكوان وسيد الازمان كما سجد له المجوس، ونعكف على عبادته وحمده، وان نكون من اصحاب اليمين، لكي يشملنا برحمته ويدخلنا في جنته عندما نراه ملكا للكون وديانا للعالمين وصاحب الحكم والقضاء في الارض والسماء.



تبارك الاتي باسم الرب، تباركت الممكلة الاتية، مملكة ابينا دؤاد، تبارك من استوى ملكا مدى الازمان ومن يبارك شعبه بالسلام، تبارك من لا بد له وان يملك حتى يجعل جميع اعدائه تحت قدميه والموت اخر عدو يبيده، تبارك الحمل الذبيح الذي هو الاهل لان ينال القدرة والغنى والحكمة والعزة والاكرام له المجد والعزة ابد الدهور امين.

العودة إلى الصفحة الرئيسية

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

Tags:
اليتيا
صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
priest in Greece
هيثم الشاعر
تركيا تلقي القبض على راهب سرياني أرثوذكسي وال...
هيثم الشاعر
بالفيديو: لحظات صادمة حاول فيها مخرّب نزع صلي...
Igreja em Pearl River tem altar profanado
أليتيا
كاهن وامرأتان يرتكبون أفعالًا مشينة على المذب...
أليتيا
خاص عبر "أليتيا العربيّة"… رسالة رجاء من القد...
هيثم الشاعر
تدخّل إلهي في مزار سيدة لبنان - حريصا
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
JACOB BARNETT
دولوريس ماسوت
قالوا انه لن يُجيد سوى ربط حذائه وها هو اليوم...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً