Aleteia logoAleteia logo
Aleteia
الجمعة 30 أكتوبر
home iconروحانية
line break icon

"القبر الفارغ" .. إنبثاق البشارة والحياة‎

الآب فرنسوا فاريون اليسوعي - أبرشية بيروت المارونية - تم النشر في 18/11/16

بيروت/ أليتيا (aleteia.org/ar)التناقض المكاني بين الأنغلاق والأنفتاح



أن “قيامة” يسوع قد غيرت مجرى التاريخ، فهو الحي الذي سيتحتم علينا السير على طريق أكتشافه واليقين من حضوره حتى نهاية التاريخ. فـ “الحجر قد دحرج، وكان كبيراً جداً” لكنه لم يكن أكبر من قوة الله التي أقامت يسوع ممجداً.

فالقبور كلها سوف تنفتح والحجارة سوف تدحرج ويقوم الذين في القبور إلى الحياة. وهذا ما يوحي به نص “مرقس” بالأنتقال من “القبر المغلق” الذي يحجز الأموات إلى “القبر المفتوح” المنفتح إلى الحياة، فهو يخبرنا عن “الحياة” داخل القبر ذلك المكان الخاص بالموت. فعندما نعرف مفهوم القبر عند اليهود، سنفهم بعمق مغزى عبارة “مرقس”: “أنه قام وليس ههنا”، أنها حقاً عبارة ذات دلالة رمزية.

فالقبر عالم الأموات، عالم الزوال والفناء. ولذلك فالقبر ليس المكان المناسب للألتقاء بيسوع، الذي لا يمكن أن يموت. فاللقاء يجب أن يتم في “الجليل”، مكان أنطلاق البشرى بملكوت الله. وهذا معنى رمزي آخر للقيامة يقدمه لنا “مرقس” في الأنطلاق من أورشليم (رمز المنغلقين على أفكارهم ويقتلون الذين عندهم أفكارغير أفكارهم) إلى الجليل (“جليل الأمم” بالمعنى اللاهوتي وهي أرض الأنفتاح على العالم).

فكأني بالنص يقول: “أن يسوع عاد مرة أخرى إلى الجليل لمواصلة البشارة، وأن البشارة بملكوت الله هي يسوع، ويسوع هو البشارة بملكوت الله”. فقد تغلب “جليل” يسوع على “أورشليم” اليهود، وسيعيش جليل الأمم بينما تموت أورشليم اليهود ولن “يبقى فيها حجر على حجر”. وبعد هذه الغلبة لن تمضي ايام يستولي جليل يسوع على أورشليم اليهود لتصبح أورشليم من جديد المنطلق الرسمي لبشارة الرسل نحو العالم أجمع: “وتكونون لي شهوداً في أورشليم، وفي جميع اليهودية والسامرة، وإلى أقاصي الأرض” (أعمال 1 : 8).

التناقض العملي للنسوة بين مسح الجسد وتلقيهن البلاغ…



وينقلنا النص من مفاجأة إلى مفاجأة، إزاء السر الذي يعكسه “خوف” النساء وذهولن: سر يكشفه الملاك، ونداء إلى الكف عن مشاهدة يسوع بوجهه الإنساني والعدول عن الرغبة في “تصور” من لم يعد من هذا العالم. فما زال السر يلتحف يسوع المسيح وأبن الله، هذا السر ستعلنه الرسالة المسيحية إلى العالم أجمع. لذا نراه – أي الإنجيلي مرقس – يدخل النسوة إلى القبر الفارغ ليشاهدن شاباً “عليه حلة بيضاء” (نقيض سواد القبر)، يطمئنهن قائلاً: “تطلبن يسوع الناصري المصلوب. أنه قد قام….”.



جاءت النساء ليطيبن جثماناً، فرجعن ببلاغ. أنتظرنَ ليجدنَ الموت، فإذا أمامهنَ شخص حيّ بلباس يدل على الظفر والأنتصار، لا على الذلّ والعار. أتين ليغلقن يسوع في الموت، فوجب عليهن أن يبشرن بأنه حي. فالشاب “الجالس عن اليمين” والمتشح بالبياض يوحي بالوجه الجديد ليسوع الناهض والممجد، الذي يحوّل أنظار النسوة من جثة جئن ليحنطنها إلى بشرى يحملنها فيحصلن على “رؤية” جديدة ليسوع … ومما لا شك فيه أن رواية مجئ النساء إلى القبر تضمنت على حد تعبير الآب شربنتييه: “شيئاً من فن التحرير بهدف أعلان حقيقة سر القيامة”.

فـ “يسوع” لم يعد جسداً يلمس، بل أصبح “كلمة” يجب أعلانها. وأجدى الطرق التي يبقى بها حاضراً في التاريخ هي التبشير، وهنا سترى النساء ويرى الرسل يسوع القائم من بين الأموات، في الجليل حيث يبدأ عمل التبشير به إلى أقصى العالم ونهاية التاريخ. فبهذا “الإنجيل” المسموع والمكتوب أمر المسيح رسله أن يبشروا الخليقة كلها، وأن يعلنوه مصدراً لكل حقيقة خلاصية وأساساً لكل شريعة أخلاقية وقاعدة للسلوك البشري بعد أن أعطى لهم النعم الألهية الكافية وقوة الروح القدس. لذا بات لزاماً اليوم من كل مسيحي مؤمن أن يكون بشيراً، أن يشهد لإنجيل المسيح بسلوكه المستقيم ومحبته لكل الناس دون تمييز ولا أستثناء، فكل واحد منا هو رسول البشارة الجديدة. فالبشارة شرف وفخر وخدمة في آن، وهي كرازة وشهادة أيضاً بالسيرة الحسنة والمثل. فكلمة الرب ليست نوراً يهدي العقل والقلب والضمير وحسب، بل هي حياة تحيي النفس حين تترجم اعمالاً ومواقف وممارسات عدل ورحمة وصدق ومحبة.

الخاتمة

يوضح لنا الآب فرنسوا فاريون اليسوعي، العلامات التي ظهر بها يسوع القائم من الموت، ملخصاً ذلك: “يجيب الإنجيل، هناك علامتان الواحدة سلبية (القبر الفارغ)، والأخرى إيجابية (ترائي يسوع للرسل)”. نفهم من ذلك، أن الإيمان بقيامة الرب يسوع لم يعبر عنه “القبر الفارغ” صبيحة “اليوم الأول” بقدر ما عبرت عنه “ترائيات” يسوع للأحد عشر ولبعض التلاميذ، والتي ختم بها الإنجيليون شهادتهم عن يسوع الناهض من القبر. فقد أجمع الإنجيليون على الأنطلاق من رواية “القبر الفارغ” للتعبير عن قيامة الرب، فلأن هذه الرواية: “نشأت في اعقاب حج المسيحيين الأولين إلى قبر يسوع، إلى قبر فارغ، ويحتفلون فيه بإيمانهم”، وهذا ما يؤكده لنا الآب شربنتييه.



من هنا نشأت رواية أولى أعاد كل من الإنجيليين النظر فيها على طريقته وموهبته الخاصة للتعبير عن فكره اللاهوتي. أي أن هذه الرواية هي صدى “أحتفال طقسي” كان يتم أبان “حج” المؤمنين الأولين إلى القبر: “احتفال بذكرى “الحدث” بمجئ النساء إلى القبر وعدم عثورهن على جثمان يسوع، أستنارت – فيما بعد – بالإيمان الذي نشأ بفضل “الترائيات” لتصاغ في رواية تصلح للكرازة والتأمل في سر القيامة عند قبر يسوع “الفارغ”.



وأخيراً، يمكنني القول بأن كلتا “العلامتين” تعبر تعبيراً متكاملاً عن حقيقة اختبار الرسل للقائم من بين الأموات. أختبار أدركوا من خلاله أن هناك أتصالاً بين حياة يسوع الزائلة ووجوده كقائم من الموت. فعاد إيمانهم إلى الحياة، بعد أن غرق في ظلمات الحيرة والقلق والأضطراب. وعلى أثر ذلك فهموا يسوع، لأنه “المشيح”، وجب عليه أن يتألم ويموت. وأصبحوا على يقين تام من أن يسوع هو حي، فهو قد فتح في شخصه، مرة واحدة، أبواب الحياة الحقيقية. أي أنه هو القيامة … وما يكفل هذا اليقين الذي يتخطى الطبيعة البشرية هو بذل الحياة حتى الأستشهاد.


العودة إلى الصفحة الرئيسية

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

Tags:
الحياةاليتيا
صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
هيثم الشاعر
الشتائم تنهال على الممثلة اللبنانية نادين نجي...
هيثم الشاعر
مذبحة داخل مدرسة مسيحية ضحيّتها أطفال أبرياء
OLD WOMAN, WRITING
سيريث غاردينر
رسالة مهمة من إيرلندية تبلغ من العمر 107 أعوا...
أنياز بينار لوغري
هجوم بالسكين قرب كنيسة في نيس والحصيلة ثلاثة ...
غيتا مارون
في لبنان… قصدت عيادة الطبيب، لكنها تفاجأت بتس...
غيتا مارون
صلاة رائعة كتبها الشهيد اللبناني فتحي بلدي
غيتا مارون
هل مُنح الخلاص للمسيحيين فقط؟ الأب بيتر حنا ي...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً