Aleteia logoAleteia logo
Aleteia
السبت 28 نوفمبر
home iconمواضيع عميقة
line break icon

مجزرة كنيسة "روفريه" تهز علمانية فرنسا، هل تدفع الغرب نحو صليبية جديدة؟

د. فادي الأحمر - تم النشر في 30/07/16

الفاتيكان/ أليتيا (aleteia.org/ar) خطير جداً ما يحدث. والأخطر رد الفعل على ما يحدث. في الفعل، “داعش” يستهدف كنيسة في قلب أوروبا العلمانية. يذبح كاهناً. ويترك راهبة بين الحياة والموت. يختلف هذا الهجوم الداعشي عما سبقه. هجوم “شارلي إيبدو” كان ضد صحيفة سخرت من المقدّسات المسيحية واليهودية وليس فقط الاسلامية. بالتالي يمكن تفسير العمل الارهابي على أنه موجّه ضد حرية التعبير في النظام الفرنسي. الهجوم على مسرح “باتاكلان” استهدف مواطنين. يمكن اعتباره ردًا إرهابيًا على انخراط فرنسا العسكري في الحرب ضد “داعش”. كذلك مجزرة “نيس” قبل اسبوعين.

أما الهجوم على كنيسة فهو استهداف مباشر للمسيحية. على رغم إعلان الإسلاميين في أكثر من مكان بعد العديد من هجماتهم أنهم يستهدفون “الصليبيين” فإن للهجوم على كنيسة “روفريه” وقع خاص. وهنا الخطورة في الموضوع. إنه عمل “إرهابي إسلامي” (على حد تعبير الرئيس الفرنسي) يوقظ العصب الديني بشكل مباشر. وتحديداً الكاثوليكي. عمل يدفع بالناس نحو التعصّب الديني في بلد تبنَّى العلمانية منذ أكثر من مئة عام. لقد نجح الفرنسيون على مدى عقود في تحقيق الفصل التام بين الدين والدولة. هذا الفصل ليس فقط في النصوص. إنما أيضاً في النفوس. حتى كادت فرنسا ان تكون ضد الدين. بما فيه الدين المسيحي. والكاثوليكي تحديداً. في حين أنها كانت تدعى سابقاً “الإبنة البكر للكنيسة” (الكاثوليكية). منذ العام 1905 وضعت فرنسا الدين جانباً في الحياة العامة. أقامت جمهورية على أسس علمانية. شعارها: حرية، مساواة، اخوّة. على هذا الأساس تقبل الآخر المختلف في الدين والعرق والحضارة. تقبله مواطناً شرط احترام “القيم الجمهورية” التي كثيراً ما تتكرّر في الخطاب السياسي والثقافي والأكاديمي الفرنسي.

على رغم علمانية الدولة تبدو فرنسا الهدف الأول للمتطرفين الإسلاميين! لماذا؟ لماذا لا يستهدف “داعش” بريطانيا مثلاً، حيث الملكة هي رئيسة الكنيسة الأنجليكانية؟ ولماذا لا يركز أكثر على استهداف ألمانيا التي تحكمها مستشارة تتزعم حزب “الاتحاد المسيحي – الديمقراطي”؟ الأسباب متعدّدة، أبرزها:

أولاً، وجود جالية مسلمة كبيرة في فرنسا تفوق عدد المسلمين في ألمانيا التي قارب عدد المسلمين فيها الخمسة ملايين مع تدفق اللاجئين السوريين، ويتجاوز عددهم في بريطانيا. ويبلغ عدد الجالية الإسلامية في فرنسا بحسب التقديرات حوالى 5 ملايين مواطن، أو ما يقارب 8 في المئة من عدد السكان البالغ 65 مليون نسمة.

الغالبية الساحقة من مسلمي فرنسا من أصول مغربية عانت من السياسة الفرنسية الاستعمارية حتى الامس القريب. الأجيال القديمة شهدت الحرب الجزائرية. والأجيال الجديدة سمعت من آبائها عن تلك الحرب وفظائعها ورثت الحقد على المجتمع الفرنسي والفرنسيين على الرغم من أنها تشكّل جزأ منه اليوم. في المقابل المسلمون في ألمانيا هم في غالبيتهم أتراك – أكراد. هؤلاء ينتمون سياسياً الى تيارات وأحزاب كردية ذات خلفيات ماركسية. لا تؤيّد التطرّف الإسلامي. لا بل تواجهه في سوريا والعراق. أما المسلمون في بريطانيا فلا يتحدّرون في غالبيتهم من أصول عربية. صحيح ان الإسلام السياسي هو عابر لجغرافيا الدول. ولكن العالم العربي هو مركزه الأساس إما قيادة، كما أسامة بن لادن السعودي وأيمن الظواهري المصري، أو ساحة نضال مثل “الدولة الإسلامية في العراق والشام” – “داعش”.

السبب الثاني له علاقة بالأول، وهو مشكلة الاندماج بين المسلمين العرب في المجتمع الفرنسي العلماني. لسنا هنا في صدد بحث علمي أو مقارنة علمية بين المتحدرين من أصول عربية – مسلمة وغيرهم من الفرنسيين المجنّسين. ولكن يبدو واضحاً لكل من يعيش في فرنسا ان اندماج الجالية ذات الأصول المغربية هو أقل من غيرها من الجاليات. وللانتماء الديني دور كبير في ذلك. والسبب إما أن المسلم يرفض العلمانية التي تتعارض ومعتقده بفصل الدين عن الدولة والحياة الاجتماعية. إما أنه يشعر بالخلفية الثقافية والحضارية المسيحية في الدولة الفرنسية العلمانية، فيرفضها.

السبب الثالث هو الواقع الاجتماعي الذي يعيشه العديد من الفرنسيين المسلمين. ربّ قائل إن هذا الواقع ينطبق على غير المسلمين. صحيح. ولكن التيارات الإسلامية المتطرّفة تستغلّ هذا الواقع الاجتماعي لتحرّض الشباب المسلم ضد غير المسلم. وأحياناً ضد المسلم الآخر نفسه. وهذا لا ينحصر في فرنسا، إنما نراه في مجتمعات غربية أخرى كما في المجتمعات العربية والإيرانية والتركية والأفغانية والباكستانية…

السبب الرابع لاستهداف فرنسا أكثر من غيرها من البلدان الأوروبية هو تاريخ فرنسا مع العالم العربي ذي الغالبية المسلمة، وتحديداً في جغرافيا السلطنة العثمانية سابقاً. ففرنسا كانت أبرز الإمبراطوريات التي ساعدت الأقليات الدينية، وتحديداً المسيحية، لتتدخّل في شؤون “الرجل المريض” بهدف النفوذ في المشرق العربي. لم تنجح في إقامة دويلات طائفية في سوريا (واحدة علوية على الساحل وأخرى درزية في الجنوب) ولكنها نجحت في إقامة دولة لبنان الكبير وعلى رأسها رئيس مسيحي – ماروني، على رغم أنها دولة فاشلة اليوم. في المقابل تعاملت بريطانيا مع الغالبية المسملة السنّية. ودعمت في مرحلة من المراحل دولة عربية كبرى. لم تُعادِ بريطانيا العظمى الغالبية الإسلامية كما عادتها فرنسا التي تحصد اليوم، في جزء مما يحصل، نتيجة السياسة التي انتهجتها منذ مئة عام في المشرق العربي. أما ألمانيا فكانت حليفة السلطنة العثمانية – الإسلامية حتى سقوطها في العام 1918.

السبب الخامس هو جغرافي. ففرنسا في قلب القارة الأوروبية. ليست جزيرة معزولة يصعب الوصول إليها مثل بريطانيا. ولها حدود برّية مع العديد من الدول الأوروبية أبرزها إسبانيا وإيطاليا حيث يتدفّق اللاجئون من أفريقيا العربية والسوداء. كما أن لها حدودًا بحرية مع دول إسلامية عبر المتوسط، وهذا ما يجعلها على تماس مباشر مع العالم العربي – الإسلامي أكثر من ألمانيا التي ليس لها حدود بحرية على المتوسط.

لكل هذه الأسباب، وربما غيرها، تبدو فرنسا اليوم هدفاً أساسيًا لإرهاب التنظيمات الإسلامية المتطرّفة. وهي تواجهه بخطط أمنية في الداخل وبانخراطها أكثر فأكثر في الحرب ضد الإسلام المتطرّف المتمثّل اليوم بتنظيم “داعش”. ولكن هل هذا يكفي؟ هل هذا هو الحل لوضع حد للحرب التي يشهدها العالم وتشكّل فرنسا إحدى أبرز ساحاتها؟ لا نعتقد ذلك. إن السعي الى وضع حد للحرب، التي يصفها البعض بـ”الحرب العالمية الثالثة”، يجب ان يكون على عدّة مسارات سياسية وحوارية ثقافية وحضارية. إذا كان تطوّر المسار السياسي الذي يجب ان يوصل الى استقرار الدول العربية – الإسلامية، هو بيد الأميركيين، فإن مسار الحوار هو بيد الدول والمرجعيات الإسلامية بشكل أساسي. على هذه الأخيرة أن تضطلع بدورها عبر تطوير أنظمتها السياسية وخطابها الديني. في المقابل على الدول الغربية ان توقف التعامل مع الدول العربية والإسلامية انطلاقا من ذهنيتها الإمبريالية والاستعمارية. عدا ذلك سيتنامى التطرّف الديني في الشرق كما في الغرب. وسيستمر الصراع بين الشرق، الذي لا يقوى على “تطوير إسلامه”، والغرب، الذي يُدفع باتجاه العودة الى “صليبيته”.

على رغم نجاح الهجومات التي توقع ضحايا في فرنسا وغيرها من الدول الغربية، فإن الخاسر الأكبر من هذا الصراع هي الدول العربية والإسلامية التي أصبحت أشباه دول تحترق بنار الحروب، ومستقبلها مفتوح على المجهول الذي يبدو أنه يعيدها الى “العصور الجاهلية”. تصريح فرنسوا هولاند عن “تهديد الإرهاب الإسلامي” وتخاذل المرجعيات الإسلامية يؤشّران الى تنامي التطرّف واستمرار الصراع. ومجزرة كنيسة “سانت إتيان دو روفريه” محطة أساسية فيه.

العودة الى الصفحة الرئيسية

Tags:
اليتيافرنسا
ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

Top 10
غيتا مارون
ما تفسير "من ضربك على خدّك الأيمن، فأدر له ال...
أليتيا
في ظل المآسي المخيّمة على لبنان... صلاة يرفعه...
MAN IN HOSPITAL
المونسنيور فادي بو شبل
إذا كنتَ تُعاني من مرضٍ مستعصٍ… ردّد هذه الصل...
AVANESYAN
أنجيليس كونديمير
صوت تشيلو يصدح في احدى الكنائس الأرمنيّة المد...
أليتيا لبنان
آيات عن الصوم في الكتاب المقدّس...تسلّحوا بها...
إيزابيل كوستوريي
صلاة تحقّق المعجزات كتبها بادري بيو وطلب من ا...
SAINT CHARBEL,CANDLE
أليتيا
صلاة بشفاعة القديس شربل تحقّق المعجزات
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً