Aleteia logoAleteia logo
Aleteia
الأربعاء 25 نوفمبر
home iconروحانية
line break icon

شربل: قوّة الالتزام

Public Domain

د. فادي الأحمر‎ - تم النشر في 18/07/16

لبنان/ أليتيا (aleteia.org/ar) صورة قوّية بمعانيها. حاضرة في حياة كل مؤمن. عيناه المغمضتان تحدّقان. فمُه الصامت يقول الكثير. تجاعيد وجهه تحكي سيرة مقدّسة. إسكيمه الأسود ينقلنا الى عالم النسك. لحيته البيضاء تربطنا بالعالم الآخر… إلى هناك انتقل شربل الحبيس في ذات ليلة ميلاد مضيفاً رابطاً قوياً بين حياته وحياة يسوع. بذلك سهّل مهمّة الكتابة على مؤلفي صلواته. بداية حياته في السماء تزامنت مع ذكرى بداية حياة “رب السماء” على الأرض. لا نقول إنه هو من اختار لحظة وفاته. فنحن نؤمن، مثل شربل وباقي المؤمنين، أن الله يعطي الحياة وهو الذي يأخذها. ولكن حياة شربل تماهت إلى حد بعيد مع حياة يسوع، الذي تعبّد له بطريقة “عجائبية”. فمات ليلة عيد ميلاده عام 1898.
نكتب هذه الكلمات لمناسبة عيد مار شربل الذي اعتمدته الكنيسة في الأحد الثالث من شهر تموز. ولكن كل يوم هو عيد في مزاره. كل يوم جمعة لقاء صلاة عند قبره. وكل 22 من الشهر مسيرة الآلاف من المحبسة الى الدير… غريب هو هذا القديس. منذ ظهوراته الأولى في خمسينيات القرن الماضي يسيطر على القلوب. يجذب المؤمنين. يزيد المتعبّدين. يعطي الأمل بالشفاء للمرضى. يعزي الحزانى. يأتيه الأغنياء باحثين عن معنى لحياتهم ويزوره الفقراء للحصول على نعمة… فيبدو مار شربل الرجل الأقوى. بينما هو كان راهباً منسياً في محبسة زاد الصقيع من صلابة حجارتها من الخارج ولم تزد الصلاة من دفئها من الداخل. فما هو سرّ هذا الرجل؟ ما هو عامل قوّته؟
يمكن اختصار القديس شربل بكلمة: قوّة الالتزام. هي التي جعلت منه بطلاً. وبلغة المسيحية “قديساً”. في العام 1992 قال لي أحد الرهبان إن الأبطال الحقيقيين هم القديسون. كان ذلك في بداية حياتي “الثانية”. وكنت أسرد بعضا من محطات حياتي “الأولى”. وأتوقّف عند مواقف سياسيين وملاحم بطولية لعسكريين. فهِمَ الراهب أن أجواء الحرب، التي كانت بالكاد قد وضعت أوزارها، لا تزال تسيطر عليّ. ولاحظ أنني لا زلت متأثّراً بها. وأعتبر أن القوّة هي قوّة السياسة وقوّة السلاح. أثارت كلمة الراهب حشريتي للتعرّف الى بطولة القديسين. رحت أقرأ سِير حياتهم. تعرّفت الى روحانية العديد منهم. فكل منهم طريقته بالقداسة. ما يظهر غنى شخصية يسوع المعلّم الإنسان والإله. ولكن سرّ نجاحهم كلّهم في خيار القداسة هو الالتزام حتى النهاية.
قوّة شربل هي في التزامه “الحَرفي” بالقوانين الرهبانية. إنه سرّ نجاحه في حياته. صحيح أن “الحرف يقتل” أما “الروح فيحيي”. كلام بولس كان موجّها الى اليهود الذين تمسّكوا بحرفية الشريعة وتغاضوا عن روح الرسالة الإلهية. فغدا إيمانهم جامداً. ورفضوا يسوع الذي قال لهم إن الإنسان أهم من “السبت”. شربل الراهب غاص في سرّ يسوع. أدرك أن القانون الرهباني هو الطريق للولوج الى عمق الإنسان الذي يعيش في قلب الله. تقيّد بحرفيته لإيمانه انه خلاصة خبرة أجيال من الرهبان والقديسين. وزاخر بتعاليم الإنجيل. وبأنه الطريق المؤدي الى يسوع لمن أراد أن يعتنق السيرة الرهبانية. عاشه حتى النهاية. نجح فيه في حياة الجماعة في الدير. ما أهّله لدخول المحبسة والانخطاف في حياة العزلة.

IMG_00ss01

لعلّ أبرز المحطات التي تُظهر قوّة التزام شربل لقاؤه بأمّه. قطعت تلك “المسكينة” المسافات سيراً على الأقدام لرؤية ولدها. فرفض! كلّمها من خلف الجدار. لم تقابله. لم ترَ وجهه. لم تتأمل عينيه. لم تلمس يديه. قاسيًا كان شربل مع التي أعطته الحنان! موقفه كاد يقتل من أعطته الحياة! كيف يمكنه فعل ذلك بأمّه؟! كيف يدّعي أنه يحب الله ويرفض مقابلة أمّه؟! أي حبّ هذا؟! بحسب اللاهوت الرهباني، إنه “الموت عن العالم” أي التخلّي. ولكن أي تخلّ هذا؟! وكيف للإنسان أن يتخلّى عن التي أعطته كل شيء؟! يسوع لم يفعل ذلك بأمه. نزل عند رغبتها في عرس قانا الجليل. وقام بأعجوبة الخمر. لأجلها أحدث تبديلاً في “روزنامة الخلاص”. وعندما “أتت ساعته” كانت أمّه حاضرة. لم يحرمها لمس أطراف قدميه وهو مصلوب. إذا كان يسوع المعلّم قد تصرّف بهذه الطريقة مع أمّه، فلماذا رفض شربل رؤية أمّه حين زارته في الدير؟ أسئلتنا هذه تعتمد منطق هذا العالم. أما شربل فيبدو أنه كان قد بدأ مسيرة الاتّحاد بالعالم الآخر. قال لها: “بشوفِك بالسما”!!!
يسرد الأب بولس ضاهر هذه الواقعة في كتابه الرائع “شربل، إنسان سكران بالله”. لا شك أن أم القديس شربل قد أخبرت القصّة، وتناقلها أبناء بقاعكفرا حتى وصلت الى الرهبان. ولكن أحداً لم يعرف ما عاش شربل بعد ذاك اللقاء الذي لم يتمّ. فهو قضى حياته صامتاً. ولكنّي على يقين أنه حزن وأدمع. وربمّا أجهش بالبكاء وندم. إذ لا يمكن لروحانية بهذه الشفافية أن ترفض مثل ذاك الطلب. ولكن التزام شربل بالقوانين الرهبانية طغى على حبّه لأمّه. فهو كان يتحضّر لدخول المحبسة الذي يمنع قانونها الحبيس من لقاء النساء!
أوجه شبه كثيرة تجمع بين زمن شربل وزماننا. في زمانه كان هناك حروب ومجازر وتشريد وجوع… انسحابه الى “برّية النسك” لم يكن هروبًا. أخبار التنكيل التركي كانت تصله. والده مات أثناء عودته من العمل بالسخرة مع الجيش العثماني… كل ذلك لم يثنِهِ عن الإكمال بالتزامه. كان مقتنعاً أن نضاله هو في الدير والمحبسة. وأن رسالته الصلاة. عاشهما بصدق. فكان بطلاً. وغدا قديساً.
في ذاك الزمن ربما لم يكن أحد ينتبه الى بطولة شربل ولا الى قداسته. واليوم أيضاً كثر منا لا ينتبهون الى العديد من الذين يسعون الى السير على خطى شربل وعلى خطى غيره من القديسين، ولا الى أولئك الذين يشقّون طريقاً جديداً في قداسة الحياة مع يسوع. هؤلاء يعيشون في الخفاء أو في التواضع الحقيقي أو في الخدمة… وهم كثر في “رهبانية شربل” وفي غيرها من الرهبانيات والأبرشيات… بعضهم مكرّسون والآخرون علمانيين. إنهم مثال حيّ عن قوّة الالتزام بالمسيح. وربّما صورهم في المستقبل ستكون أقوى من صورة شربل…

العودة الى الصفحة الرئيسية

Tags:
اليتياشربل
ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

Top 10
MAN IN HOSPITAL
المونسنيور فادي بو شبل
إذا كنتَ تُعاني من مرضٍ مستعصٍ… ردّد هذه الصل...
أليتيا
في ظل المآسي المخيّمة على لبنان... صلاة يرفعه...
I media
دانيال، الشابة اللبنانيّة التي لبّت نداء البا...
AVANESYAN
أنجيليس كونديمير
صوت تشيلو يصدح في احدى الكنائس الأرمنيّة المد...
غيتا مارون
ما تفسير "من ضربك على خدّك الأيمن، فأدر له ال...
غيتا مارون
أمثولة شديدة الأهميّة أعطانا إيّاها مار شربل
غيتا مارون
إلى كل الحزانى والمتألمين… ارفعوا هذه الصلاة ...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً