أليتيا

الرحمة الإلهيّة في العهد القديم

Ma. Paola Daud
مشاركة
لبنان/ أليتيا (aleteia.org/ar)  يقدّم لنا الأب سمير بشارة اليسوعيّ، رحلة مع الرحمة الإلهية في الكتاب المقدّس. تأتي هذه السلسلة ضمن لقاءات التكوين لرابطة الأخويات في لبنان. لذا، نجد أنّ مشاركتها على موقعنا قد تعود بالنفع على المجموعات الكنسية الّتي تُخطّط للعيش معنى الرحمة الإلهيّة خلال سنة الرحمة الّتي أطلقها البابا فرنسيس. وبالطبع، يبقى الكتاب المقدّس المصدر الروحيّ الأوّل لكل ما يمكننا اختباره في الكنيسة. وها نحن نقدّم لكم في الموضوع الأوّل، أصول هذه الكلمة في كتب العهد القديم، الّتي نهل منها يسوع معارفه الروحيّة، وصلّى بواسطتها.

إنّ كلمة «رحمة» في اللغة العبريّة (وهي لغّة العهد القديم) هي: «رِحَمِيمْ» (بالجمع) أي «الأحشاء». أمّا بالمفرد فتعني : «الحضن الأمومي». وتعني الرحمة الشعور الحميم والعميق الذي يجمع بين شخصَين، مثل الآب أو الأمّ بالإبن، أو الأخ بأخيه… : « أَيكونُ أَفْرائيمُ آبْناً لي عَزيزاً وَلَداً أَتَنَعَّمُ بِه؟ فإِنِّي كُلَّما تَحَدَّثتُ عنه لا أَنفَكُّ أَذكره فلِذلك آهتَزَّت لَه أَحْشائي. سأَرحَمُه رَحمَةً، يَقولُ الرَّبّ» (إرميا 31: 20).

هناك مصطلح ثان في العبريّة يعبّر عن الرحمة وهو «حِسِدْ»:

أي المَوَدَّة – الطِبيَة – التعاطُف مع : «لا تَدخُل بَيتَ الحُزْن، ولا تَذهَبْ إِليَه لِلنَّدْب، ولا تُغَزِّهم، فإِنِّي قد أَزَلتُ سَلامي عن هذا الشَّعب، يَقولُ الرَّبّ، و مَوَدَّتي ومَراحِمي» (إرميا 16: 5).

هناك أفعال أيضاً تعبّر عن الرحمة بصورة مميّزة في أسفار العهد القديم :

* «حَنَانْ» أي أظهرَ الرأفة :« لِذلك يَنتَظِرُ الرَّبُّ لِيَرحَمَكم ولذلك يَتعالى لِيَرأَفَ بِكم لِأَنَّ الرَّبَّ إِلهُ عَدْلٍ لِجَميعِ الَّذينَ يَنتَظِرونَه» (أشعيا 30: 18).

* «حَمَلْ» أي أظهرَ الشفقَة : « لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكم حَنونٌ شفوق، فلا يَصرِفُ وَجهَه عنكُم، إِن رَجَعتُم إِلَيه» (أخبار 30: 9).

* «حُوُسْ» أن يظهر الرحمَة : « لكِنَّكَ تَرحَمُ جَميعَ النَّاس لأنّكَ على كُلِّ شَيءٍ قَدير وتَتَغاضَى عن خَطايا النَّاسِ لِكَي يَتوبوا» (حكمة 11: 23).
إنّ محبّة الله ورحمته العظيمة تتجلّى في كلّ صفحة من صفحات العهد القديم. ويعبّر عنهما هذا البلاغ الشهير في سفر الخروج الذي يتكرّر مرّات ومرّات في أقسام أخرى من العهد القديم : « الرَّبُّ الرَّبّ! إِلهٌ رَحيمٌ ورَؤُوف، طَويلُ الأَناةِ كَثيرُ الَرَّحمَة والوَفاء، يَحفَظُ الَرَّحمةَ لأُلوَف، وَيحتَمِلُ الإثمَ والمَعصِيَةَ والخَطيئَة» (خروج 34: 6 – 7). يصف لنا النبيّ أشعيا – في منتهى الرقّة والجمال – محبّة الله اللامتناهية تجّاه شعبه، إذ يقول : « أَتَنْسى المَرأَةُ رَضيعَها فلا تَرحَمُ آبنَ بَطنِها؟ حتَّى ولَو نَسيَتِ النِّساءُ، فأَنا لا أَنْساك» (خروج 49: 15).

وتنكشف رحمة الله في العهد القديم تجّاه 3 عناصر أساسيّة :

* رحمة الله تجّاه الخلائق:

« ورأى الله أنّ ذلك حسن!» (تكوين 1). تتكرّر هذه الآية 7 مرّات في رواية الخلق، وتكشف عن رحمة الله التي تتجلّى في جمال الطبيعة التي أوجدها بفعل كلمته (النور، الجلد، اليبس، الماء، الطيور، السمك، البهائم، الإنسان). ورحمة الله هذه تعبّر عن رأفته ومحبّته العظمى تجّاه كلّ الخلائق دون استثناء :« فإِنَّكَ تُحِبّ جَميعَ الكائنات ولا تَمقُتُ شَيئً مِمَّا صَنَعتَ فإِنَّكَ لَو أَبغَضتَ شَيئًا لَما كوّنتَه» (حكمة 11: 24). « إِنَّكَ تُشفِقُ على كُلِّ شيَء لأنَ كُلَ شيَء لَكَ أيُّها السّيدُ المُحِب لِلحَياة» (حكمة 11: 26). كما أنّ رحمة الله شاملة ولا تعرف أيّ حدود : « الحَيُّ لِلأَبَدِ خَلَقَ جَميعَ الأَشْياءِ معًا… رَحمَة الإِنسانِ هي لِقَريبه أَمَّا رَحمَةُ الرَّبِّ فلِكُلّ ذي جَسَد: يُوَبَخ وُيؤَدَبُ وُيعَلِّمُ ويَرُدُّ كالرَاعي رَعِيَّتَه» (سيراخ 18: 1، 13)

* رحمة الله تجاه شعبه:

تعبّر أسفار العهد القديم كلّها عن رحمة الله تجّاه شعب إختارَ الله أن يكون له «ابناً» : والأبوّة تعني حبّاً متيقّظاً ورحوماً، مجّاناً وأميناً دائماً. وتجلّت رحمة الله من خلال أحداث مصيريّة خصَّ بها الله شعبه : الخروج من مصر، من أرض العبوديّة. مراحل التحرير التدريجيّة في صحراء سيناء. دخول أرض الميعاد. بالرغم من تاريخ هذا الشعب الحافل بالخيانات والانتكاسات، والتمرّدات والخطايا، فما زالت رحمة الله ترافقه : رحمة مجبولة بالشفقة والغفران، والدعم والحِماية.
هي رحمة تسمو الحبّ البشري، تسمو حبّ الرجل لامرأته، وحبّ الأب والأم لولدهما. إليكم بعض المراجع … : « وكما رأَيتَ في البرِّيَّة كَيفَ أن الرَّبَّ إِلهَكَ حَمَلَكَ كما يَحمِلُ المَرءُ وَلَدَه في كلِّ الطَّريقِ الَّذي سَلَكتُموه، حتَّى وصَلتُم إِلى هذا المَكان» (خروج 4: 22). « لِأَنَّ زَوجَكِ هو صانِعُكِ الَّذي رَبُّ القُوَّاتِ آسمُه وفاديكِ هو قُدُّوسُ إِسْرائيل يُدْعى إِلهَ الأَرضِ كُلِّها. وقَد دَعاكِ الرَّبُّ كآمرَأَةٍ مَهْجوِرةٍ كَئيبَةِ الرُّوح. وهل ترذَلُ زوجَةُ الصِّبا؟ يَقولُ إِلهُكِ هُنَيهَةً هَجَرتُكِ وبِمَراحِمَ عَظيمَةٍ أَضُمُّكِ» (أشعيا 54: 5-7).
« مِن بَعيدٍ تَراءَى لِيَ الرَّبّ: أَحبَبتُك حُبّاً أَبَدِيّاً فلِذلك آجتَذَبتُك بِرَحمَة» (إرميا 31: 1). « لَمَّا كانَ إِسْرائيلُ صَبيّاً أَحبَبتُه ومِن مِصرَ دَعَوتُ آبْني… أَنا دَرَّجتُ أفْرائيمَ وحَمَلتُهم على ذِراعي لكِنَّهم لم يَعلَموا أَنِّي آهتَمَمتُ بِهم. بِحِبالِ البَشرِ، بِرَوابِطِ الحُبِّ آجتَذَبتُهم وكُنتُ لَهم كمَن يَرفَعُ الرَّضيعَ إِلى وَجنَتَيه وآنحَنَيتُ علَيه وأَطعَمتُه» (هوشع 11: 1، 3 – 4).

* رحمة الله تجّاه الخطأة

إنّ الشعور بالذنب والعِقاب – في العهد القديم – مرتبطان رباطاً وثيقاً بالعدالة. غير أنّ رحمة الله ستتخطّى العدالة البشريّة، وتكرّس شريعة الغفران والنِسيان. لأنّ الله لا يريد أن يموت الخاطئ يل أن يتوب ويحي: « إِذا رَجَعَ عن جَميعَ خطاياه الَّتي صَنَعَها وحَفِظَ جَميعَ فرائضي وأَجْرى الحَقَّ والبِرّ. فإِنَّه يَحْيا حَياةً ولا يَموت. جَميعُ مَعاصيه الَّتي صَنَعَها لا تُذكرٌ لَه، وبِبِرِّه الَّذي صَنَعَه يَحْيا. ألعَلَّ هَوايَ في مَوتِ الشِّرَّير؟ يَقولُ السَّيِّدُ الرَّبّ. أَلَيسَ في أَن يَتوبَ عن طرقِه فيَحْيا؟» (حزقيال 18: 21-23).
رحمة الله «غير اعتباطيّة» : تتطلّب الاعتراف بتواضع، والإدلاء عن الخطايا، والتوبة الحقيقيّة :« مَن كَتَمَ مَعاصِيَه لم يَنجَحْ ومَنِ اْعتَرَفَ بِها وأَقلعً عنها يُرحَم» (أمثال 28: 13). وإذا الله أدّبَ الخاطئ، فيؤدّبه كأب لابنه، والذي يريد فقط خيرَ أولاده : « فاعلَمْ في قَلبِكَ أَنَّه كما يُؤَدِّبُ الرَّجُلُ ابنَه يُؤَدِّبُكَ الرَّبُّ إِلهُكَ فأحفَظْ وَصايا الرَّبِّ إِلهِكَ لِتَسيرَ في سُبُلِه وتتقِيَه» ( تثنية 8: 5). يؤدّبه كالراعي الذي يرعى قطيع غنمه ويعتني به : « إنّ الَّذي فَرَّقَ إِسْرائيلَ يَجمَعُه ويَحفَظُه كما يَحفَظُ الرَّاي قَطيعَه. فإِنَّ الرَّبَّ قدِ آفتَدى يَعْقوب وفَكَّه مِن يَدِ مَن هو أَقْوى مِنه، فيَأتونَ ويَهتِفونَ في مُرتَفعِ صِهْيون وبَجْرونَ إِلى طَيِّباتِ الله، إِلى القَمحِ والنَّبيذِ والزَّيت وأَولادِ الغَنَمِ والبَقَر، وتَكونُ نُفوسُهم كجَنَّةٍ رَيَّا» (إرميا 31: 10 – 12).
صلاة
أيّها الآب الازليّ، يا من رحمته غير محدودة وكنوز شفقته لا تنضب، انظر إلينا نظرة عطف، وضاعِفْ فينا أعمال رحمتك
حتى لا نيأس ولا نضعف أبدا ً أمام التجارب الصعبة، بل اجعلنا نخضع بثقة متزايدة لإرادتك المقدّسة. آمــيـن.
العودة الى الصفحة الرئيسية

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

النشرة
تسلم Aleteia يومياً