أليتيا

إذا كنّا ليلة خميس الأسرار نريدُ أن نحتفل بهذه الذكرى بأمانة فعلينا أن ننظُرَ إلى رتبة الغسلِ كما أرادها المسيحُ لا كما نريدُها نحنُ!

© Antoine Mekary / ALETEIA
Pope Francis celebrates the Chrism Mass for Holy Thursday on March 24, 2016 at St Peter's basilica in Vatican.
مشاركة
تعليق

بيروت / أليتيا (aleteia.org/ar) – في الآونة الأخيرة أعطى البابا للكهنة اللاتين خلال قدّاس خميس الأسرار إمكانيّة (لا إلزاميّة) غسل أرجل الرجال والنساء على السواء على أن يحتكموا إلى الحاجات الرعويّة، علمًا أنّ رتبة الغسل غير إلزاميّة في الطقس اللاتينيّ وهي دخلت سنة 1955 بأمر البابا بيوس الثاني عشر الّذي حدّد وجوب غسل أرجل اثني عشر رجلًا يمثّلون الرسل الاثني عشر!

في التعديل الحاليّ لم يعد العدد محصورًا باثني عشر بل بمجموعة من المؤمنين (في الطقس اللاتينيّ) فقد أفرغت الرتبة من بعدها الكهنوتيّ في قدّاس “خميس الأسرار” وتمّ التركيز على موضوع الخدمة والتواضع وحسب!

أمّا في الطقوس الشرقيّة كلّها ومن دون استثناء فالغسل يصير لاثني عشر “رجلًا” يمثّلون الرسل الاثني عشر ضمن إطار تلاوة الإنجيل، ويصير الحوار بين الكاهن (يسوع) وأحد الرجال (بطرس). وهذا دليل كافٍ على كون الأشخاص المختارين ممثّلين للرسل,

هل غسل المسيح لأرجل الرسل كانَ مجرّد عمل خدمة متواضع؟

دعونا نسأل الإنجيل الّذي كتبه واحدٌ من أولئك الّذين غسل المسيح أرجلهم (يوحنا 13):

1 – “قبلَ عيدِ الفِصح، كانَ يسوعُ يَعَلمُ بِأَن قد أَتَت ساعَةُ انتِقالِه عن هذا العالَمِ إِلى أَبيه، وكانَ قد أَحَبَّ خاصَّتَه الَّذينَ في العالَم، فَبَلَغَ بِه الحُبُّ لَهم إِلى أَقْصى حُدودِه.

2 – وفي أَثْناءِ العَشاء، وقَد أَلْقى إِبَليسُ في قَلْبِ يَهوذا بْنِ سِمعانَ الإِسخَريوطيِّ أَن يُسلِمَه،

3 – وكانَ يسوعُ يَعلَمُ أَنَّ الآبَ جَعَلَ في يَدَيهِ كُلَّ شَيء، وأَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الله، وإِلى اللهِ يَمْضي،

4 – فقامَ عنِ العَشاءِ فخَلَعَ ثِيابَه، وأَخَذَ مِنديلاً فَائتَزَرَ بِه،

5 – ثُمَّ صَبَّ ماءً في مَطهَرَةٍ وأَخَذَ يَغسِلُ أَقدامَ التَّلاميذ، ويَمسَحُها بِالمِنديلِ الَّذي ائتَزَرَ بِه.

6 – فجاءَ إِلى سِمعانَ بُطرُس فقالَ له: (( أَأَنتَ، ياربُّ، تَغسِلُ قَدَمَيَّ؟))

7 – أَجابَه يسوع: (( ما أَنا فاعِلٌ، أَنتَ لا تَعرِفُه الآن، ولكِنَّكَ ستُدرِكُه بَعدَ حين)).

8 – قالَ له بُطرُس: (( لن تَغسِلَ قَدَمَيَّ أَبَداً)). أَجابَه يسوع: (( إِذا لم أَغسِلْكَ فلا نَصيبَ لَكَ معي)).

9 – فقالَ له سِمْعانُ بُطُرس: (( يا ربّ، لا قَدَمَيَّ فَقَط، بل يَدَيَّ وَرأسي أَيضاً)).

10 – فقالَ لَه يسوع: (( مَن استَحَمَّ لا يَحتاجُ إِلاَّ إِلى غَسلِ قَدَمَيه، فهو كُلُّه طاهِر. ,أَنتُم أَيضاً أَطهار، ولكِن لا كُلُّكم)).

11 – فقَد كانَ يَعرِفُ مَن سَيُسْلِمُه، ولِذلِكَ قال: لَستُم كُلُّكم أَطهاراً.

12 – فلَمَّا غَسَلَ أَقدامَهم لَبِسَ ثِيابَه وعادَ إِلى المائدة فقالَ لَهم: (( أَتَفهَمُونَ ما صَنَعتُ إِليكم؟

13 – أَنتُم تَدعونَني (( المُعَلِّمَ والرَّب)) وأَصَبتُم في ما تَقولون، فهكذا أَنا.

14 – فإِذا كُنتُ أَنا الرَّبَّ والمُعَلِّمَ قد غَسَلتُ أَقدامَكم، فيَجِبُ علَيكُم أَنتُم أَيضاً أَن يَغسِلَ بَعضُكم أَقدامَ بَعْض.

15 – فقَد جَعَلتُ لَكُم مِن نَفْسي قُدوَةً لِتَصنَعوا أَنتُم أَيضاً ما صَنَعتُ إِلَيكم.

16 – الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم: ما كانَ الخادِمُ أَعظِمَ مِن سَيِّدهِ ولا كانَ الرَّسولُ أَعظَمَ مِن مُرسِلِه.

17 – أَمَّا وقد عَلِمتُم هذا فطوبى لَكُم إِذا عَمِلتُم بِه”.

إنّ مفتاح فهم النصّ موجود في الآيةِ الأولى من الفصل 13:

” وكانَ قد أَحَبَّ خاصَّتَه الَّذينَ في العالَم، فَبَلَغَ بِه الحُبُّ لَهم إِلى أَقْصى حُدودِه”.

يتكلّم يوحنّا الرسول الحبيب الشاهدُ الصادق عن لقاءٍ حميمٍ بين المسيح و”خاصّته”!

خاصّتهُ ليسوا الأتباعَ عامّةً ولا التلاميذ الاثنين والسبعين ولا الأقرباء وأفراد العائلة، إنّما هم الرسل الاثنا عشر حصرًا…

هل حجب يسوع تواضعه خلال سنوات التبشير الثلاثة؟

هل انحصر تواضع يسوع بعمليّة غسل الأرجل؟

هل كانَ غسلُ الأرجل علامة حسن ضيافة؟

لا!

لقد كانَ يسوعُ متواضعًا في كلّ مراحل بشارته من اعتماده على يد يوحنّا إلى صومه في البريّة حتّى موته على الصليب. لم يكن يسوع بحاجة إلى تقديم براهين عن تواضعه.

بالأمسِ كانَ يسوعُ في دارة سمعان، وأهملَ سمعانُ عادة غسل رِجلَيْ ضيفِه، فأتت خاطئة وغسلتهما بدموعها، ونشّفتهما بشعرها وسكبت الطيبَ الغالي عليه… وهوَ لَم يرُدّها بحجّة التواضع، ولَم يَقُل لها “ما جئتُ لأُخدَمَ بلْ لأخدم” بل على العكس، هو عاتب سمعان الّذي لم يغسل لهُ رجليه!
ليست القضيّة إذا محصورة بالخدمة ولا بالتواضع!

من الملاحظ أيضًا أنّ الغسل حصل بعد العشاء لا قبلَهُ:

إنّ حسن الضيافة يقتضي غسل أرجل الضيوف حالَ وصولهم لإراحتهم من تعب السفر، ومن غير المنطقيّ أن يصير بعد العشاء.

بحسب الإنجيل حصل الغسل مباشرة بعد العشاء، أي بعدما كسر خبز جسده وبارك كأس دَمه، وهذا ما يدلُّ على أنّ فعل الغسلِ مرتبط بالعشاء وهو تكملة لهُ: “قام عن العشاء وخلع ثيابه”…

من الواضح أنّ تعرّي يسوع واكتفائه بمئزر هو تشبّه بالعبيد. لقد أراد أن يخدمَهم كما يخدم العبيد أسيادهم. هذا ما شرحه لاحقًا القديس بولس: “هو الَّذي في صُورةِ الله لم يَعُدَّ مُساواتَه للهِ غَنيمَة بل تَجرَّدَ مِن ذاتِه مُتَّخِذًا صُورةَ العَبْد وصارَ على مِثالِ البَشَر وظَهَرَ في هَيئَةِ إِنْسان فَوضَعَ نَفْسَه وأَطاعَ حَتَّى المَوت مَوتِ الصَّليب” (فيلبي 2: 6-8).

ولكن هل هذا التواضع هو بالمعنى الإجتماعيّ الإنسانيّ ومرتبط بخدمة غسل الأرجل الّتي كانت سائدة في ذلك العصر؟

إذا حصرنا تواضع المسيح وخدمته بهذا العمل نكون قد سخّفنا رسالة المسيح وأفرغناها من مضمونها، فهو “تواضع وأطاعَ حتّى الموت، موت الصليب”.

لذلك عندما طلبَ منهم أن يعملوا مثله وأن يغسل بعضهم أرجل بعض إنّما أرادَ أن يبالغوا في عيش الحبّ والخدمة حتّى بذلِ الذاتِ مثلَما كانَ هو سيفعلُ قريبًا. لذلك قالَ لبطرس: ” ما أَنا فاعِلٌ، أَنتَ لا تَعرِفُه الآن، ولكِنَّكَ ستُدرِكُه بَعدَ حين”. ولن يفهم بطرس هذا جيّدًا إلى عندما سيواجهُ الموتَ مصلوبًا مثل معلّمه!

لا شكَّ في أنّ عمليّة الغسلِ إذًا تتخطّى مسألة الخدمة والتواضع الإنسانيّ والإجتماعيّ إلى مدى أكثر عمقًا وأهمّيّةً:

إنّها مسألة الشراكة في كهنوت المسيح، كهنوت العهد الجديد القائم لا على دم الحملان والعجول بل على دمه المسفوك على الصليب: (إنجيل متى 26: 28) “هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا”.

في تعبير عن التواضع الإنسانيّ تجرّأ بطرس وحاول منع يسوع من غسل رجلَيْهِ: “أَأَنتَ، ياربُّ، تَغسِلُ قَدَمَيَّ… لن تَغسِلَ قَدَمَيَّ أَبَداً “؟ وأتى جوابُ المسيح مؤكّدًا سموَّ هذا العمل وعمقَ معانيهِ الخلاصيّة: ” إِذا لم أَغسِلْكَ فلا نَصيبَ لَكَ معي”.

على أيّ نصيبٍ يتكلّم المسيح؟ عن رئاسة وزراء؟ عن شراكة في الأرباح؟ عن ولاية على مقاطعة في مملكته؟

لا شيءَ من كلّ هذا، إنّما يتكلّم على شراكة في الكهنوت الجديد، شراكةٍ في فداء البشر عبر جعل ذبيحة المسيح حاضرة من غير انقطاع في العالم.

في الواقع إنّ كلّ رتبة دينيّة في الهيكل، من ضمنها رتب تنصيب الأحبار والكهنة، كانَ يسبِقُها رتبة تقديس واغتسال وتطهير، وهذا مازال قائمًا في كلّ الطقوس الشرقيّة (وأهمَلْناهُ في طقوسنا المارونيّة).

وهذا ما فعلَه يسوع: غسل أرجل الرسل قبلَ أن يسلّمهم سلطانَ الكهنوت.

إنّ قراءتنا لكلام المسيح تكون أحيانًا ناقصة. قال يسوع: “فقَد جَعَلتُ لَكُم مِن نَفْسي قُدوَةً لِتَصنَعوا أَنتُم أَيضاً ما صَنَعتُ إِلَيكم“!

قد نميلُ إلى حصر كلام المسيح بعمليّة غسلِ الأرجل. وهذا فهمٌ ناقص! فالغسلُ لم يكُن فعلًا مستقلًّا بل مرتبطًا بما جرى خلال العشاء. الأمر متعلّق بكلّ ما فعله المسيح طوال رسالته ولا سيّما في العشاء الأخير!

ألا يذكّرنا هذا القول بما قالَهُ خلال العشاء: “إصنعوا هذا لذكري”؟؟؟

خلاصة

لقد أرادَ يسوعُ من خلال ما فعل أن يسلّم رسلَهُ سلطانَ الكهنوت. ولكنّه خوفًا مِنْ أن يُفهَمَ السلطانُ تسلُّطًا ويفقدَ بعدَهُ الخلاصيَّ، ربط يسوعُ سلطانَ الكهنوتِ بفضيلتي التواضع والخدمة. الكاهنُ هو خادمُ اللهِ وخادمُ الشعب: يخدُمُ اللهَ عندَما ينقُلُ كلمَتَهُ إلى البشر ويشهدُ لها بالحياة والكلمة ويكونُ أيقونةً لهُ. ويخدُمُ الشعبَ، ليسَ بالإنصياعِ لرغائبه، بل بأنْ يقدّمَ له الخدمة الّتي أوكلَه المسيح أمرها والّتي تخدمُ خلاصَ نفوسهم. إنّه كالطبيب الّذي يضع كلّ علمه في خدمة المريض لخلاصه. فلا ينصاعُ الطبيبُ لمزاجِ المريض بل يتصرّف بما يمليه عليه ضميره المهنيّ كطبيب!

هذا ما أراده المسيح في تلك الليلة العظيمة، أعظم ليلة في تاريخ البشريّة.

إذا كنّا ليلة خميس الأسرار نريدُ أن نحتفل بهذه الذكرى بأمانة فعلينا أن ننظُرَ إلى رتبة الغسلِ كما أرادها المسيحُ لا كما نريدُها نحنُ!

إنّ إسقاطَ المفاهيم الاجتماعيّة على الرتب الليتورجيّة قد يؤدّي إلى إفراغها من بعدها التقديسيّ وتحجيمها على قياس النظرة الاجتماعيّة ما يجعلُها نوعًا من المسرحة لا أكثر ولا أقلّ!

العودة إلى الصفحة الرئيسية

أليتيا Top 10
  1. الأكثر قراءة
    |
    الأكثر مشاركة
  2. قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان…أصابها السرطان وسألت زوجها “هل ستتركني”؟؟؟ هل تفعلون ما فعله الزوج؟

  3. رسالة شديدة اللهجة لرئيس المجر…تحذير وهذا ما أبلغه للأوروبيين ولمسيحيي الشرق

  4. معجزة خارقة شهد عليها البابا فرنسيس نفسه!!! وهي اعجوبة لا تضاهيها أي أعاجيب أخرى!

  5. للمرة الرابعة يظهر القديس شربل على شكل نور لامرأة أمريكية…تفاصيل أكثر من مدهشة وشفاءات حيّرت الأطباء

  6. حصل في لبنان: بارك الكاهن الطفلة المسيحية، والتفت فرأى طفلة مسلمة غصت بالبكاء وخجلت أن تطلب الصلاة الصلاة والبركة… وهذا ما حصل!

  7. إن كنتم قلقون، صلّوا هذه الصلاة قبل النوم، وناموا بسلام!!!

  8. ماريا بنت زغيرة… شفتا حد برميل الزبالة

  9. للمرة الرابعة يظهر القديس شربل على شكل نور لامرأة أمريكية…تفاصيل أكثر من مدهشة وشفاءات حيّرت الأطباء

  10. معجزة خارقة شهد عليها البابا فرنسيس نفسه!!! وهي اعجوبة لا تضاهيها أي أعاجيب أخرى!

  11. الويل لمجتمع أصبح به وضع الصليب في البيت والسيارة والمحل والمؤسسات أهمّ من العلاقة مع المصلوب!

المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً