لست مستعداً للتبرع؟

إليك خمس طرق يمكنك أن تساعد أليتيا من خلالها

  1. صلي من اجل فريقنا ونجاح مهمتنا
  2. تحدث عن أليتيا في رعيتك
  3. تقاسم مضمون أليتيا مع أصدقائك
  4. أوقف الـ ad blockers عندما تقرأ أليتيا
  5. تسجل في نشرتنا المجانية واقرأ المقالات يومياً

شكراً!
فريق أليتيا

تسجل

أليتيا

ألليلة الأخيرة من حياة يسوع على الأرض. يا لها من ليلة!

© Ondra Havala / CC
https://commons.wikimedia.org/wiki/File:Mihaly_Munkacsy_-_Le_Christ_devant_Pilate_-_1881.png
مشاركة

بيروت / أليتيا (aleteia.org/ar) – هذا خميس الأسرار المزدحم بالذكريات. الليلة الأخيرة من حياة يسوع على الأرض. يا لها من ليلة! أثقلت التاريخ . وُلدت في التاريخ فصنعت التاريخ. وستبقى خالدة ما دام الكهنة موجودين يُجددون الذبيحة الفصحية كل يوم.

احترت فعلا فيما أُكلمكم هذا المساء.

أنتكلّم عن غسل يسوع أرجل تلاميذه يعلّمهم التواضع وهو المعلّم والرب؟

أم نتكلّم عن سر تحويل الخبز إلى جسده والخمر إلى دمه في الإفخارستية؟

أم نتكلّم عن خطاب الوداع والتوصيات والصلاة الكهنوتية وطلب الوحدة من الآب؟

أم نتكلّم عن وصية الوصايا الجديدة :” أحبوا بعضكم بعضا كما أنا أحببتكم”؟

أم نتحدّث عن خيانة يهوذا وإنكار بطرس وعن اليأس والندم؟

أم نذهب إلى بستان الزيتون حيث الحزن وعرق الدم وشرب الكأس المرّة والرضوخ لإرادة الآب والخيانة بقبلة يهوذا؟

كل هذه الذكريات تستحق أن نستفيض في شرحها، ولكن المجال لا يسمح لي إلا أن أتكلّم عن واحدة، فاخترت العشاء وسر الإفخارستيا ، سر الأسرار وعجيبة العجائب.

كم أود يا أحباء الرب أن أرجع بكم مئات السنين إلى الوراء إلى مساء الخميس من نيسان عام 33 من حياة المسيح ، لندخل العِلّية التي أعدّ فيها بطرس ويوحنا العشاء الأخير فنرى عن كثب قدس أقداسنا الجديد.

أُدخلوا لا تخافوا : فيها النور. ألم يقل يوحنا أن يهوذا خرج في الظلام؟ نعم خلف حدود تلك العِلّية كان يُخيّم الظلام. أُتركوا الظلام معي لندخل في النور. قبل أن تدخلوا إفحصوا ضمائركم: الخاطي والوسخ والدنس لا يدخل إلى هناك. لأن يسوع اقتصر على تلاميذه الأطهار بعد خروج الخائن.

ماذا نرى ؟ نرى يسوع يتوسّط الرسل المحزونين. الجميع يأكل بصمت. يسوع سيّد المائدة ، يبارك ويشكر ويُوزّع الطعام. الرسل يوجسون شرا: الدمعة في عيونهم والغصة في حلوقهم. يسوع هادىء ، مليء يالسلام والفرح والمحبة ولم يتكلّم أبداً عن الفرح كما في تلك الليلة.

” قلت هذه الأشياء ليكون فرحكم تامّا. السلام أستودعكم سلامي أمنحكم. لا تضطرب قلوبكم ولا تفزع ، سيتبدّل حزنكم إلى فرح. سأعود فأراكم فتفرح قلوبكم. ما من أحد يسلبكم هذا الفرح”.

يُعجبنا هذا الفرح الراكز البالغ من شخص مقدم على أحلك لياليه وعلى أصعب تجربة مرّ بها إنسان من نزاع وخيانة ومحاكمة وسجن وجرجرة هنا وهناك وجلد وإكليل شوك وحمل صليب ومسامير وطعن ولفظ الروح! كل هذه الأعذبة كانت ماثلة في عينيّ يسوع وهو يتكلّم عن الفرح والسلام والمحبّة.

وحانت اللحظة المهمّة. لحظة كسر الخبز وبركة الخمر.

وهنا أعجز أنا وحدي عن توصيل كلّ الحقيقة إليكم . لذا فأنا أستعين بالروح القدس ومريم العذراء وبالكنيسة واللاهوت المسيحي والقديسين ، وبإصغائكم التام لنفهم بعض هذا السر السحيق.

صار الله إنسانا . يسوع على الأرض يستطيع كلّ شيء . في ليلة أخيرة له ، وجد نفسه يُودّع الأرضَ بعد 33 سنة . ولكنّه أحبّ الأرض ، أحبّ أهلها . شقّ عليه فراقهم” نعيمي مع بني البشر”. عزم على أن يبقى على مرّ الدهور حاضرا في كل بقعة من بقاع الأرض، مخلّدا أحب الذكريات على قلبه : الموت والقيامة. وفعلا نجح يسوع في البقاء. استعمل خياله الإلهي المُبدع واخترع الإفخارستية ، سر القربان الأقدس.

دعونا ننظر ما حدث عن قرب. قال:” اشتهيت جدا أن آكل الفصح معكم قبل أن أتألّم. لن آكله  من بعد إلى أن يتمّ بكماله في ملكوت الله”. ثمّ أخذ خبزا وشكر وكسر وأعطاهم قائلا : هذا هو جسدي الذي يُبذل من أجلكم. إصنعوا هذا لذكري. وكذلك الكأس بعد العشاء قائلا: هذه كأس العهد الجديد بدمي يُراق من أجلكم. إني لن أشرب بعد من ثمرة الكرمة إلى أن يأتي ملكوت الله”.

هذا الشخص يجب أن يكون الله كي يستطيع أن يستودع في كلمات قليلة كهذه أعظمَ الحقائق الجديدة وأعمقها. ” اشتهيت جدا قبل أن أتألّم” ما أروع ما شعر به قلب يسوع من الفرح قبل الألم . وكأنّ يسوع يُعانق الصليب بالفرح!

نعم يجوز له أن يفرح لأنه انتصر على الموت. لأنه خدع الموت. لأنه مات فعلا وقام أمام رسله في لحظة . لقد فصل جسده عن دمه. مات قدّامهم . فورثوه حالا. ( الميراث لا يجوز عُرفا إلا بعد الموت) أما يسوع فقد ورّث تلاميذه ذاتَه ( جسده ودمه) قبل أن يموت ، حتى إذا جاء الموت لا يجد منه شيئا لأنه صار مِلكا للكنيسة. وليس للموت عليه من سلطان.

هي ذي الإفخارستية القربانية . هي ذي العجيبة التي قال فيها توما الأكويني هي أعظم عجائب يسوع : تفوق كل العجائب بطبيعتها( الله نفسه مادّتها ) وتسمو على كل المعجزات بديمومتها( لا تتوقّف ). هي التجسّد المستديم. ذبيحة يسوع الخالدة . العلّيقة المشتعلة فوق الهياكل. خبز الحياة والمن الحقيقي النازل من السماء.

هذا ما فعل يسوع في عشاء الفصح القديم الذي كان يحوي في ذاته مختصر تاريخ الشعب العبراني. أما هو فبكلماته تلك فقد حقّق في ذاته كل العهود الإلهية القديمة وأكمل العهد القديم وافتتح زمن الكنيسة الجديد، عهد الدم المراق من أجل غفران الخطايا. العشاء القديم كان يرمز بخروفه المذبوح إلى يسوع حمل الله المذبوح. فلمّا جاء يسوع وانذبح كان لا بدّ من عشاء جديد يتِمّ اكتماله ليس في شخص آخر سيأتي وإنما سيكتمل في الآب السماوي عند نهاية العالم ، بحسب قول يسوع:” لن أشرب من هذه الكأس حتى تتم بكاملها في ملكوت الله. وكأنّ القربان أصبح وليمة التواعد على اللقاء في السماء بين الإله والإنسان. بها يقول لنا يسوع:” إلى اللقاء ، سأراكم غدا في السماء”.

لكن انتبهوا ! نحن لا نصنع هنا فلكلورا شعبيا. أو تقليدا نحب أن نتمسّك به. كلا. إسمعوا أثناسيوس القديس الشرقي العظيم يقول لنا:” إننا أيها الأحباء نشارك في أعياد زمنية ولكنها أبدية سماوية. نحن لا نحتفل بها شكليا ولكننا نحققها فعليا، إذ لا نأكل لحم خروف ولكننا نأكل كلمة الآب الأزلي”. بذلك يكون أكل جسد الرب وشرب دمه بالنسبة لأثناسيوس هو كل الاحتفال الفصحي.أي إحياء الفصح الجديد. الفصح معناه العبور أو المرور . والمسيح الفصحي هو العابر من المرحلة البشرية القديمة إلى بشرية جديدة أجلسها عن يمين الآب . واشتراكنا بالإفخارستية هو اشتراكنا بالمسيح الفصحي العابر إلى الآب .أي أننا من الآن نشارك بحياة المجد ونتّحد بالآب بنفس الدالّة التي للابن الذي يقول :” أبّا ، أيها الآب “.

ما أعمق هذا السر الذي يُنجزه يسوع ويوصله إلينا وإلى كل إنسان بالخبز المقدّس والكأس المباركة:” الخبز الذي أنا أُعطيه هو جسدي ليحيا العالم”. قيلت هذه الجمله في أحد الأيام على ضفاف بحيرة طبريا للجماهير: وكأنّ يسوع أمضى حياته على الأرض يفكّر كيف سيغدو خبزة يأكلها الناس ، وماء يشربه الناس وكأن الغاية القصوى من مجيئه إلى الأرض، أن يغدوَ طعاما يدخل الإنسان كي يؤَلّهه. فهو يذوب في الإنسان، في كلّ شرايينه كي يُذيب الإنسان فيه. قال ألبيرتوس الكبير:” لقد خصّنا المسيح بحب عظيم حتى إنه وحّدنا به فصار واحدا منا إلى درجة الدخول في عروقنا”.

أين نحن المسيحيين من كل هذه الكنوز في ديننا المسيحي؟ أخشى أن أقول أننا عميان! نعم عميان، نعيش إيماننا ولكن دون وعي تام. نفهم يسوع ببعض كلماته المعزّية والمُوَجّهة ولكننا لا نرى كل يسوع.لا تنظروا إلى جانب واحد من يسوع. إفتحوا أنظاركم وقلوبكم وحياتكم على كل يسوع. اتسعوا على مسافة أنظاره وقلبه وحياته وأهدافه كلها. من كلمة ” في البدء كان الكلمة ثمّ الخلق ثمّ التجسّد والفداء ثمّ التجسّد الثاني بالروح القدس في الإفخارستية زاد المسافرين إلى الحياة الأخرى في الملكوت السماوي معه وتأليهنا بواسطته… نعم هذه هي رحلة يسوع المسيح وهي أعظم رحلة قطعها كائن في الوجود: انطلق من قلب الثالوث الأقدس وعاد إلى الثالوث الأقدس حاملا إيّانا معه وعائدا بنا مارا بكل أسرار الحياة والموت والألم والمجد. هذا هو القربان الأقدس الذكرى الأبدية الحيّة لتجسيد الإله وتأليه الإنسان و المسيرة من الثالوث إلى الثالوث.

هذا ما أحدثه يسوع في تلاميذه الحزانى ، قبل ذهابه عنهم. كلهم أكلوا جسده وشربوا دمه. ربما لم يفهموا حقا كل خطورة القربان الأقدس وأبعاده ولكنهم عرفوا جيدا أنهم لم يأكلوا خبزا عاديا ولم يشربوا خمرا عاديا، بل أكلوا جسد المعلّم وشربوا دمه. وأنتم كذلك ، ربما لم تفهموا جيدا جميع ما قيل لكم الآن ! لا بأس ! يكفيكم المشاركة بجسد الرب ودمه وهو يُفهمكم كل شيء. فربما نعيش كل حياتنا على الأرض ندرس الكتب ونفكّر ولا نصل إلى عمق أعماق هذا السر  الذي سيُكشف لأعيننا على مائدة الملكوت في السماء.

العودة إلى الصفحة الرئيسية

النشرة
تسلم Aleteia يومياً