أليتيا

إذا خُيّرت بين الكتاب المقدّس وكتب العلوم الأكثر تقدّمًا ماذا كنت أختار؟ اقرأوا هذه الرسالة!

© Public Domain
مشاركة
تعليق

لبنان/ أليتيا (aleteia.org/ar) –ما أكتبه في هذه الرسالة لا يدّعي تقديم أجوبة نهائيّة على موضوع التجاذب بين العلم والإيمان، فهذا ليس بدراسة موثّقة ولا هو مقالة علميّة. ما هذا سوى خواطر وأفكار شكّلت عندي نوعًا من التوجّه الثابت في خياراتي الفكريّة والحياتيّة. وأحببت مشاركتكم في هذه الخواطر!
إنّ قراءتي –ومشاركتي أحيانًا- للكثير من النقاشات الحامية بين مؤمنين ذوي حماسة (متهوّرة غالبًا) وبين ملحدين أو مشكّكين (أحيانًا من السفهاء) وبين أنصار للعلم (والكثير منهم ينتمي إلى فئة الأمّيّين)، إنّ قراءتي هذه قد دفعتني إلى الغوص في التفكير حول هذين الأمرين: العلم والله.
ومع أنّي –ورغم اطّلاعي اليوميّ على المكتشفات العلميّة الحديثة، كما عملي اليوميّ في حقل الإيمان لم أجد يومًا أدنى تناقض بين ما تقدّمه المعرفة الصحيحة وبين ما يقدّمه الإيمان، فقد طرحتُ على نفسي هذا السؤال:
إذا خُيّرت بين الكتاب المقدّس وكتب العلوم الأكثر تقدّمًا ماذا كنت أختار؟

قبل أن أقدّم جوابي الحازم والصارم والنهائي دعونا معًا نفكّر في قضيّة القمر، هذا الكوكب الّذي يُفقتدُ في الليلة الظللماء، هذا القنديلُ الّذي ينير دروب العشّاق… هذا القمر الّذي أُلِّه في التاريخ القديم، والّذي ألهمَ الشعراء في عصور الشعر الرومنسيّ!!!
في العصور الحديثة انصبت ابحاث العلماء على الفضاء الخارجيّ ولا سيّما القمر كونه الأقرب إلى كوكبنا، فاجتهد الفلكيّون في رصد حركة دورانه وأثرها على المناخ وعلى عمليّة المدّ والجزر… ومع تطوّر المركبات الطائرة استطاع الإنسان أن يتمشّى على سطح القمر وأن ينصب العلم (الأميريكيّ) وعاد إلى الأرض تاركًا على سطحه أجهزة استكشاف ورصد ترسل إلى الأرض تباعًا صورًا ومعلومات علميّة عن كلّ ما يجري على سطحه.
ومن ذلك الوقت بات القمر بلغة العلماء جرمًا صخريًّا ميتًا لا أثر للحياة عليه، وهو ليس مصدرًا للنور بل هو أشبه بمرآة تعكس نور الشمس. وتمّت دراسة تركيبتِه الفيزيائيّة وأقيمت له المجسّمات والخرائط تبيّن معالمه الطبيعيّة. وتوصّل العلماء إلى تحديد كيفيّة نشأته وتاريخها…
ومع ذلك بقي القمر رفيق السمر ودليل السفر وقنديل العاشقين ومنارة الزاهدين…
لم تغيّر المعطيات العلميّة الدقيقة شيئًا من قيمة الروائع الّتي كتبها الأدباء والشعراء حول القمر…
فما زال صوت فيروز يصدح: “نحنا والقمر جيران”… و”يا قمر أنا ويّاك صحبي من زغرنا حبيّنا قمرنا”… و”حبيبي بدّو القمر والقمر بعيد”…
وكذلك سميرة توفيق ما زالت تنشد: “حبيبي قمر بالرابع عشر، أحلى من القمر حبيبي أحلى من القمر”…
وهل سقطت قصيدة سعيد عقل:
ألعينيكِ تأنّى وخَطَرْ يفرش الضوءَ على التلّ القمرْ؟
ضاحكاً للغصن، مرتاحاً إلى ضفّة النهرِ، رفيقاً بالحجر
علَّ عينيكِ إذا آنستا أثراً منه، عرا الليلَ خَدَر
ضوؤه، إما تلفّتِّ دَدٌ ورياحينُ فُرادى وزُمَر

في الواقع إنّ الاستكشافات العلميّة الصرف حول القمر لن تعني بشكل خاصّ إلّا نخبة النخبة من العلماء المنكبّين على دراسة الفضاء… ولكنّ القمر، قمر الليالي والسهرات، والأقاصيص والقصائد سوف يبقى حاضرًا في حياة كلّ إنسانٍ وسيبقى الحوت من حينٍ إلى آخر يحاول التهام القمر قبل أن يتمكن سكّان جارته الأرض من تخليصه…
لن يتكلّم على القمر، قمر العلماء، سوى النذر اليسير، وفي مناسبات نادرة…
أمّا القمر القمر… فهو سبب متعة وسلوى لكلّ ناظر وسيذكر كلّ يوم على كلّ شفة وكلّ لسان!

والشمس! ما قولنا في الشمس؟
عصور طويلة من الجدل والبحث والنظريّات والاكتشافات حول محوريّة الأرض أو محوريّة الشمس. وها هو الدليل العلميّ المبنيّ على المشاهدة والبرهان تحدّد دور الشمس ومكانتها بالنسبة إلى الأرض وبالنسبة أيضًا إلى مجرّة درب التبّانة. لا مكان للجدل بعد اليوم فالأرض تدور حول الشمس (وهي غير ثابتة فهي أيضا في حركة دائمة، وثباتها النسبيّ هو محوريّتها في المنظومة الشمسيّة ليس إلاّ)…
ومع ذلك، في الكتب العلميّة والأدبيّة على السواء نرى العلماء يتكلّمون على شروق الشمس وغيابها.
لم نسمع أحدًا ينتقدُ كتابًا واحدًا لأنه قال أنّ الشمس طلعت من خلف الجبال ونشرت أشعّتها الذهبيّة –ويا ليتها حقًّا من ذهب- أو لأنها قالت أنّ كوكبَ المسائي البرتقالي غاب في الأفق خلف المحيط…
أليس النهار هو أن تكون ناحية من الأرض مقابلة للشمس، الليل هو أن تكون ناحية من الأرض معزولةً عن أشعَّة الشمس؟
ومع ذلك فكلّنا أمّيين ومثقّفين، علماء وزاهدين، مؤمنين وملحدين، نتكلّم على شروق الشمس وغروبها… وما زالت مشاهدة غروب الشمس أفضل عزاء لكلّ نفس حزينة (راجع قصّة الأمير الصغير لكاتبها أنطوان دي سانت إكزوبري الرجل المثقّف العالِم).

دعونا نتكلّم على موضوع آخر يهيّء لجوابي حول السؤال المطروح أعلاه!
إنّه موضوع الكتاب المقدّس ولا سيّما قصّة الخلق الّتي تفتتح أسفاره!
لن أناقش ما يقوله الكتاب المقدّس في هذا الشأن ولن أقابله بالنظريّات (لا الحقائق) العلميّة المعاصرة، ولن أسعى إلى إظهار عدم التناقض بين هذه وتلك.
ولكنّني أكتفي بالتذكير أنّ الكتاب المقدّس لا يخبرنا كيف خُلق الكون بل لماذا خُلق، وقد تمّ ذلك بأسلوب أدبيّ شعريّ وموسيقيّ رائع بحيث نلاحظ تكرار اللازمة بعد كلّ دور من أدوار الخلق!
أمّا العلم فهو يسعى إلى أن يُفسِّر كيفَ خُلقَ الكون وليس لماذا.
فالعالِمُ الّذي يعتمدُ على معلوماته لانتقاد قصّة الخلق في الكتاب المقدّس، والمؤمنُ الّذي يقرأ هذه القصّة على أنّها حقيقة علميّة لكيفيّة الخلق، يسقطانِ معًا في السذاجة!

ما يُدهشني في موضوع الحكم على الكتاب المقدّس وعلى الله كأساس الخلق، هو ازدواجيّة المعايير بشكل فاضح وغير معقول ومناقض للمنطق:
من الملاحظ أنّ قسمًا كبيرًا من العالَم الّذي ينتقدُ بشراسة الإيمان الكاثوليكيّ بما فيه الكتاب المقدّس ويسخرُ منه، هو نفسُهُ يُدافعُ بشراسة عن حقّ دولة إسرائيل في الوجود (وهنا لست في صدد طرح الإشكال السياسيّ بل المنطقيّ وحسب)!
فعندما يكون الكتاب المقدّس مستنَدًا لشرح العقيدة الكاثوليكيّة وتدابير الله الخلاصيّة ومصدرًا للقيم الأخلاقيّة المسيحيّة (الّتي لا تتماشى مع مصالح عالم السلطة والمال) يكون الكتاب المقدّس مجرّد خرافات لملمت وجمّعت من مصادر أخرى سابقة، وهي بالتالي صناعة محلّيّة وليس لها أيّة علاقة لا بإله ما ولا بشريعة سماويّة مفترضة!
أمّا عندما يكونُ الأمر مرتبطًا بحقّ دولة إسرائيل في الوجود فالاستنادُ إلى الكتاب المقدّس كوثيقة تؤكّد هذا الحقّ، يصبحُ منطقًا سليمًا وحجّةً دامغة!
فقد يكون الكتاب المقدّس و”وعد الله” فيه هو الحجّة الوحيدة لقيام دولة إسرائيل!
إذا كنّا من أنصارها فمن البديهيّ أن نكون قد صدّقنا وعد الله، وهذا يعني أنّ الله حقيقة وكلّ الكتاب المقدّس حقّ! أمّا إذا كنّا ننكر وجود الله فنحن ننكر صدق الكتاب المقدّس وبالتالي يكون وعد الله كذبة! وما يُبنى على الكذب هو كذب!
هل نستطيع أنْ نفهم كيفَ يستطيع رئيس دولة أن يعلن إلحادَهُ وفي الوقت عينه أن ينحاز لدولة لا مبرّر لقيامها سوى الله، إله الكتاب المقدّس نفسُهُ؟؟؟
أيكون اللهُ وهمًا عندما نستمدُّ من كتابه قيمًا أخلاقيّة، ويصبحُ مرجعًا صالحًا عندما يتوافق مع مصالحنا السياسيّة والقوميّة؟

بعد الكثير من البحث والتحرّي والتدقيق اكتشفت حقيقة قاسية ومرّة:
إنّ العالَمَ، عالَمَ النقود والمُتعِ والنور الإصطناعيّ، يكرَهُ الكتاب المقدّس بين يدي الكنيسة ويعشقه بين يدي الصهاينة!
فكلّ انتقادٍ يطالُ الكتاب المقدّس يُقصدُ بهِ إهانة الكنيسة وتحقير المسيح وكلّ الرموز المسيحيّة. كلّ انتقادٍ ينالُ قصص الخلق ونوح ويونان وموسى وإيليّا…. إنّما هو طعنة في صدر الكنيسة،
لذلك نحن لم نجد يومًا يهوديًّا واحدًا يُبدي استياءَهُ من الانتقادات الّتي تمسّ الكتاب المقدّس!
لا أحد ينتقد اليهود انطلاقًا من رواية الخلق،
أمّا رواية الخلق المسيحيّة فهي كلّ يومٍ عرضة لانتقادات (بعضها القليل محترم وقابل للنقاش والبعض الغالب يُغرقُ في السذاجة والسفاهة)!
ما الفرق بين الرواية المسيحيّة والرواية اليهوديّة؟
لا شيء، لا شيء البتّة! فالكنيسة تبنّت سفر التكوين حرفيًّا كما ورثته من اليهود، والكنيسة تفتخر بأصولها اليهوديّة رغم انفتاحها على كلّ شعوب الأرض!
هل سمعتم أحدًا من أنصار العلم ينتقدُ كتب البوذيّين أو الهندوسيّين أو المجوس والصابئة وروايتهم للخلق وتعاليمهم الأخلاقيّة أو ينتقدُ تعاليم أيّ من أديان الشرق الأقصى؟ ألا تطال هذه التعاليم ما لا يقلّ عن ثلث البشريّة؟ علمًا أن الصين وحدها تحوي أكثر من سدس سكّان الأرض!

بتُّ مقتنعًا أنّ موقفَ العالم من الكتاب المقدّس ليس موقفًا موضوعيًّا، بل هو مبنيٌّ على أحكامٍ مُسبَقَة… والسبب الرئيسيّ هو أنّ اللهَ، إله إبراهيم وإسحق ويعقوب، أبا ربِّنا يسوع المسيح، لديه السلطان والجرأة أن يقول “لا” لآثامِ هذا العالم ولتحرّره القاتل!

بات باستطاعتي الآن أن أعيد طرح السؤال وأن أعطيَ جوابي النهائيّ!
إذا خُيّرت بين الكتاب المقدّس وكتب العلوم الأكثر تقدّمًا ماذا كنت أختار؟

من دون أدنى تردّد سأختار الكتاب المقدّس!
خياري للكتاب المقدّس لن يتعارض مع عشقي للعلم والمعرفة. ولكنّ قلبي يميل إلى الكتاب المقدّس وبشكل جازم قاطع!
يا تُرى هل تنحصرُ المعرفة بالعلوم الإختباريّة كعلوم الأحياء والفيزياء والكيمياء؟ أو ينحصر في العلوم النظرية البحتة كالرياضيّات؟
إذا كانت العلوم تنحصر فقط بما هو ملموس أو معقول فلماذا نتعلّم الفلسفة والسيكولوجيا والسوسيولوجيا، ولماذا نمضي السنوات في دراسة الأدب والشعر حتّى أساطير العصور الغابرة علمًا أنّها لا تخضع لمنطق العلم البحت ولا لقوانينه؟

لماذا أختار الكتاب المقدّس والإيمان بالله ولو على حساب العلم و “حقائقه النسبيّة ونظريّاته الفرضيّة”؟
– أوَّلاً: “ماذا ينفعُ الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه؟” (مرقس 8: 36)
فلنسأل مريضًا في حالة النزاع ماذا يستفيد من حقيقة أن الأرض تدور حول الشمس، أو أنّ الخلق أتى صدفةً أو أنّه أتى نتيجة انفجار هائل؟
ولكنَّ إيمانَه أنّ هناك إلهًا غلب الموتَ بالموت وهو يعطي الحياة للمائتين، ويكافئ المتألمين هنا، بسعادة أبديّة فالسماء، سيعني الكثير الكثير لهذا المنازع وهو سيتقبّل موته ببطولة وبسمة هي غريبة عن عابدي العلم وعاشقي المال والنور الاصطناعيّ!
– ثانيًا: “ولو كانَ لي الإيمانُ كلُّهُ حتّى أنقلَ الجبال ولم تكن فيّ المحبّة فلستُ بشيءً! (1كور 13).
الكتاب المقدّس يعلّم المحبّة ولو أنّ السواد الأعظم يُغرقُ في الحقد!
أمّا العلم فيقدّم معلومات لا تمسّ قلب الإنسان بل عقله وقلّما تقود إلى التواضع وطلما أوصلت إلى الغرور!
ماذا قدّم العلم للعالم وماذا قدّم الإيمان (الحقيقيّ) بالله للعالم نفسه؟
للوهلة الأولى سنقول ما يقوله معظم الجهّال إنّ الدين المسيحيّ المستند إلى الكتاب المقدّس هو سبب الجهالة والويلات والحروب!
ولكن عندما نقرأ الواقع من دون تحيّز ولا أحكامٍ مسبقة، سنتمكّن من قول الحقيقة بشكل أفضل وأصدق: إنّ سبب الجهالات والويلات والحروب هو جشع قوّاد استغلّوا كلّ شيءٍ في سبيل طموحاتهم بل غرورهم وكبريائهم بما في ذلك الدين والكتابات السماويّة عند الحاجة إليها…
ولكن هل كانت حروب هنيبعل والاسكندر حروبًا باسم الله أو لأجله، هل كانت غزوات جانكزخان باسم الله؟ هل كانت فتوحات نابوليون –مع 9 ملايين ضحيّة- طاعة للكتاب المقدّس؟ هل هاجم هيتلر جيرانه لإعلاء قرن الكنيسة فسبّب 80 مليون ضحيّة عدا عن الدمار الشامل والتشريد؟ هل قامت الثورة البولشيفيّة باسم الله أو ضدّه فحصدت أيضًا 80 مليونَ ضحيّة؟
هل عابدي الله وعاشقي الكتاب المقدّس هم الّذين صنعوا آلات القتل ووضعوها بين أيدي السفّاحين؟
هل هناكَ أي وثيقة كنسيّة معاصرة تدعو المسيحيّين إلى القتال أو القتل أو اعتماد العنف لحلّ القضايا السياسيّة؟ جلّ ما تعلّمه الكنيسة هو حقّ كلّ دولة في الدفاع عن النفس عندما تتعرّض للإعتداء بعد استنفاد كلّ الوسائل السلميّة؟
ماذا قدّم لنا العلماء في مضمار الحروب؟
سنة بعد سنة أسلحة فتّاكة أكثر فأكثر، أسلحة ذرّيّة فنوويّة فكيميائيّة فبيولوجيّة!
كل منّا يدفع سنوياً 4.5 دولار للتنمية والسلام و255 للتسلّح!
ماذا قدّم العلم؟
وسائل الرفاهيّة: نصف سكّان الأرض محرومون من الحدّ الأدنى. بينما تصرف الميزانيّات الهائلة على آلات القتل! حجم الإنفاق العسكري في العالم قد بلغ العام 2009، حوالى 1.531 تريليون دولار أي ألف وخمسماية وواحد وثلاثين مليار دولار. فإذا وزّعنا هذا المبلغ على الملياري إنسان المعدمين في العالم لحصل كلٌّ منهم على 765 دولارًا ما يوازي معاشًا سنويًا لخمسة عمّال في دولة الهند!
وهنا نضيف آفة من آفات الرفاهيّة: الطعام المهدور في الدول الغنيّة حيث تزدهر العلوم وتنتشر كالنار في الهشيم!
750 مليار دولار هي قيمة الغذاء المهدر سنويا
منظمة الأغذية والزراعة (فاو) تؤكد أن الغذاء المهدر سنويا يكفي لإطعام 4 أضعاف عدد جياع العالم!!!

ماذا قدّم العلم؟
تطوّر الطبّ والجراحة؟
لا أحد يُنكرُ ما يستطيعُ للطبّ أن يقدّم من الخير لبني البشر!
ولكن هل ينقذُ الطبُّ سنويٌّا 50 مليون مريضًا من موتٍ محتوم؟
تقول الإحصاء إنّ الطبّ ينقذ ثلاثة ملايين طفل كلّ سنة من الموت! أمرٌ رائع!
ولكنّ الأمر الرهيب أنّ هذا الطبّ نفسه يساهم في قتل 50 مليون جنينًا في السنة الواحدة!

هل رأيتم معبدًا أو كنيسة أو ديرًا يصنّع الأسلحة، أو كاهنًا يساهم في تطوير أداة قتل؟
لا فهذا عمل العلماء والاختصاصيّين مهندسي القتل والموت!
فالعلم، وللأسف يفتح الباب واسعًا لجهالة القتل والموت، أمّا الكتاب المقدّس فيدعو إلى حضارة المحبّة!

ماذا قدّم الإيمانُ للبشريّة في الحروب؟
مؤسّسات كرّست نفسها لإيواء المهجّرين وإطعام الجائعين وكسوة العارين، رؤساء عامّين يرهنون كلّ أملاك الرهبانيّة لإطعام الجائعين (كما حصل في المجاعة اللبنانيّة)!
ماذا قدّم الإيمانُ للبشريّة ؟
أبطالًا من طراز منصور دي بول المعروف بِـ “أبي الفقراء” وشارل دي فوكو ويعقوب الكبّوشي، بشارة أبو مراد، أوزانام، أوسكار روميرو… وفي عصرنا الحديث لا أحد يجهل الأباتي بيار والأمّ إيمانويل في فرنسا، والطوباويّة الأم تريزيا خادمة فقراء الهند!

هل قدّم العالم كلّه بعباقرته وعلمائه أبطالًا للحبّ والخدمة والتفاني مثل هؤلاء؟
أيُّ إنسانٍ أفنى حياتَهُ في خدمة الفقراء والمشرّدين محبّة بالعلم، أو بوحيٍ من روح المعرفة؟

دعونا نسأل هؤلاء الأبطال المذكورين أعلاه عن سبب اندفاعهم في سبيل الفقراء… سنسمع جوابًا واحدًا: هو حبّ الله، هذا الله الّذي كشف لنا ذاته في الكتاب المقدّس وكان كمال تجلّيه في ابنه المتجسد يسوع المسيح مرفوعًا على الصليب لخلاص البشر!

لا يمكنُ لأسطورة وهميّة أن تحمل أفواجًا من البشر على تضحية ذواتهم في سبيل الآخرين! هذا الأمر لم يحصل في تاريخ البشريّة إلاّ عند أشخاص آمنوا بالله وجعلوا أنفسهم أداةً لحبّه!

– ثالثًا: “رأس الحكمة مخافة الربّ” (أمثال 1:7 ومزمور 111: 10)!
إذا كان معظم الرسل من الصيّادين الأمّيّين، فإنّ كاتبي البشارة كانوا من أهل المعرفة:
فبولس كانَ معلّما درس على يد جملئيل وهو يشهد لنفسه أنّه اللغات أكثر من جميع معارفه، ومرقس كان طبيبًا، ومتّى كان عشّارًا موظَّفًا في الدولة الرومانيّة وكان الأكثر ثقافة بين الرسل… ويبدو عند بعض الباحثين أنّ يوحنّا كان ذا ثقافة عاية وكان معروفًا عند عظيم الأحبار وكان منكبًّا على قراءة الأسفار المقدّسة!

لم تكن يومًا الكنيسة عدوّة العلم (كما يدّعي البعض إستنادًا إلى بعض الأحداث المأسطرة) بل كانت موطن العلم والمعرفة منذ البدايات: يكفي ذكر بعض علمائها عبر التاريخ في مختلف الميادين: أفرام، أوريجانوس، يوحنّا فم الذهب، أوغسطينوس، كوبرنيك، جورج لوماتر… عدا عن دورها الرائد في نشر المدارس والجامعات في العالم!

إمتاز طلّاب الكهنوت عن سواهم من المؤمنين بصفة “إكليريكي” والإكليريكيّ نظرًا إلى رسالته بين شعب يرسل إلى المعاهد ليحصّل ثقافة عالية! وكانت ثقافتهم شاملة لا تنحصر في أمور الدين واللاهوت.
لكنّ الكنيسة، وفي أنوار والوحي الإيمان وفي هدي الروح القدس، لا تنقادُ للعلم بكونه الحقيقة المطلقة والوحيدة، بل تنظر إليه كعطيّة من الله في خدمة الخليقة وكعلامة من علامة محبّة الله وقدرته. فهي إذا تبنّت بعض الحقائق العلميّة أو الاكتشافات أو تقبّلت بعض النظريّات -وهي ليست حقائق مثبتة- تبقى حذرة من كيفيّة استعمال هذه كلّ هذه الأمور وفي الواقع اليوميّ!

هل أخطأت الكنيسة في موقفها؟
إكتشاف الأشعّة، واستكشاف الذرّة والقدرة على شطرها وكثير من الاكتشافات المماثلة بإمكانها أن تقدّم الكثير للبشريّة… لكنّ للأسف كانت النتيجة الأولى كمّيّة هائلة من الأسلحة الذرّيّة والنوويّة قادرة على إبادة الجنس البشريّ بلحظات!
الإكتشافات الطبّية تستخدم لصالح أمور تناقض الأخلاق: تغيير الجنس، إختيار جنس المواليد، وخاصّة الإجهاد والقتل الرحيم (غير الرحيم)!

الكنيسة طبعًا ليست مسؤولة عن نشر العلوم الحديثة ولا عن إعلان صحّتها أو بطلانها… لكنّها مسؤولة عن وضع ضوابط أخلاقيّة لاستعمالات غير ملائمة للتقنيّات العلميّة الحديثة، تشكّل أخطارًا كبرى على البشريّة على المستويين الفرديّ والجماعيّ!

وهنا يكمن دور الكنيسة النبويّ:
من البديهيّ، أن تقومَ الكنيسة بخدمة الإنسان، وسدّ حاجات الإنسان كنونها تشكّل جزءًا من النسيج البشريّ، ولكنّها إذا توقّفت هنا تفقد مبرّر وجودها ودورها الرسوليّ النبويّ في العالم! فرسالة الكنيسة الأولى ليست تأمين الرفاهيّة البشريّة، بل إنّ رسالتها هيَ خلاص البشر، أي أن تقودهم منذ الآن إلى اللقاء بالله، هذا اللقاء الّذي يجد كماله في الحياة الجديدة في الدهر العتيد!

هذا يعني كما قلنا أعلاه أنّ الكنيسة في نور الإيمان ليست “أمةً للعلوم” بل “أمةٌ للربّ”! ليست مدرسة للمعارف بل مدرسة تدعو إلى معرفة الله، ليست مدينة ثابتةً في خدمة هذا العالم، بل سفيرة تبحر في هذا العالم في اتّجاه المرفأ الأمين وجه الله خالقها والمسيح ابن الله مخلّصها! ولأجل تتميم دعوتها، تتسلّح الكنيسة بفضائل الإيمان والرجاء والمحبّة وهي تفوق العلوم قيمة!

هذا ما يقوله بولس الرسول في ختام نشيد المحبّة:
المحبةُ لا تسقطُ أبداً. أما النبوءاتُ فستُبطَل، والألسنةُ تَزول، والعلمُ يُبطل. فإنّا نَعلم علماً ناقصاً، ونتنبأُ تنبؤاً ناقصاً، فمتى جاء الكاملُ يبطلُ الناقص. إني لمّا كُنتُ طفلاً كُنتُ أنطقُ كالطفل، وأعقِلُ كالطفل، وأفكرُ كالطفل، فلما صرتُ رجُلاً أبطلتُ ما هو للطفل، لأننا الآن ننظرُ في مرآةٍ على سبيل اللغز، أما حينئذٍ فوجهاً إلى وجه. إني أعلمُ الآن علماً ناقصاً، أما حينئذٍ فسأَعلَم كما عُلِمتُ. والذي يثبتُ الآن هوَ الإيمانُ والرجاءُ والمحبةُ. هذهِ الثلاثةُ وأعظمهنَّ المحبة! (1كور 13: 9-13)

خلافًا لموقف عبّاد العلم (ولا أعني العلماء) نحنُ عندما نتبنّى المحبّة، لا ننبذ العلم، بل ننبذ كلّ استغلال شرّير له! أمّا هم فعبادتهم للعلم هي كره للكتاب المقدّس والكنيسة والله!

أكرّر جوابي: أنا أختار الكتاب المقدّس، رسالة الحبّ الإلهيّ!
أنا أختار الله والإيمان والكتاب المقدّس، لأنّ علاقتي بالله علاقة نفس بنفس، علاقة قد تبلغ كمال المحبّة وتستمرّ إلى الأبد، وعلاقتي بالعلم علاقة نظريّة مادّيّة تندثر بخروجي من العالم!
ولا همّ عندي إذا كانَ “مُدّعو الإيمان” المؤمنون المزيّفون يشكّلون شهادة كاذبة عن الإيمان، ولا همّ إنّ شابَت عيشَ المحبّة شائبةٌ، ولا همّ إن فترت محبّة الكثيرين وجفَّ إيمانهم، ولا همّ إنّ حسبنا جهلاء فأنّ “جهالة الله احكم من الناس. وضعف الله أقوى من الناس. فانظروا دعوتكم أيها الاخوة أن ليس كثيرون حكماء حسب الجسد وليس كثيرون اقوياء وليس كثيرون شرفاء بل اختار الله جهّال العالم ليخزي الحكماء. واختار الله ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء. واختار الله أدنياء العالم والمزدرى وغير الموجود ليبطل الموجود لكي لا يفتخر كل ذي جسد امامه. ومنه أنتم بالمسيح يسوع الذي صار لنا حكمة من الله وبرًّا وقداسة وفداء. حتّى، كما هو مكتوب من افتخر فليفتخر بالرب”! (1كور 1: 25-31)

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مشاركة
تعليق
This story is tagged under:
الكتاب المقدسالخيار
أليتيا Top 10
  1. الأكثر قراءة
    |
    الأكثر مشاركة
  2. ما كتبه ترامب على تويتر عن لقائه بالبابا كان يبدو للبعض من المستحيلات!!! وقبل الوداع قال ترامب للبابا “لن أنسى ما قلته لي”!!!! ولكن ماذا قال البابا لترامب؟؟؟

  3. لماذا غطّت ميلانيا ترامب رأسها في الفاتيكان وكشفته في السعودية؟

  4. اهدموا كنائس الكفار!!! …ما كتبته الإعلامية المصرية ياسمين الخطيب بعد تفجير الكنيستين في مصر يصلح اليوم بعد استهداف باصات قبطية وقتل العشرات

  5. أعمى… ويرى للمرة الأولى في حياته زوجته وابنه… ردة فعله في الدقيقة ٤:٤٢ من الفيديو صادمة للقلب- المشهد فعلاً مؤثر ومبكي

  6. بابا الأقباط تبرّع ببناء جامع… فأتاه الردّ بقتل عشرات الأقباط منذ قليل

  7. اهدموا كنائس الكفار!!! …ما كتبته الإعلامية المصرية ياسمين الخطيب بعد تفجير الكنيستين في مصر يصلح اليوم بعد استهداف باصات قبطية وقتل العشرات

  8. بصوتها الملائكي وعزفها على آلة القانون التي تعود إلى 5000 عام قبل الميلاد قدّمت الأخت مانكا ترنيمة “يا روح المسيح” باللّغة الإيطاليّة

  9. كنز خفي تحت الأرض في تركيا عمره 1500 سنة!

  10. سيّدة أمريكا الأولى تتوقف أمام تمثال لسيدة العجائب راسمةً إشارة الصليب

  11. ٢٠طريقة بسيطة تساعد على خفض خطر الإصابة بالسرطان

المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً