أليتيا

ألحان تعود إلى زمن ما قبل المسيح، روائع شعر وموسيقى ولاهوت سرت في عروقه سريان البخور في حنايا أديار لبنان…

مشاركة
تعليق

روما / أليتيا (aleteia.org/ar) – في إطار دعم الأغنيّة الكاثوليكيّة، قامت أليتيا العالميّة بإطلاق موقع Cecilia، الّذي سيكون الموقع الكاثوليكيَّ الفريد من نوعه في العالم لتغطية ونشر أخبار المرنّمين الكاثوليك، وستتولّى أليتيا العربيّة إجراء المقابلات في الشرق الأوسط على أن يتمّ ترجمة هذه المقابلات إلى لغات العالم الكاثوليكيّ ليقرأ ويشاهد العالم أعمال الفنّانين المسيحيّين في الشرق وقيمة الموسيقى في كنائسنا.

كهنة، رهبان، راهبات، علمانيون، جوقات…ستقوم أليتيا بتغطية أعمالهم ومن المقدّر أن يصل عدد متابعي Cecilia  إلى حوالى 180 مليون شخص حول العالم.

الأب يوحنا جحا، راهب لبناني ماروني أرادت أليتيا الغوص في أعماله الموسيقيّة لاسيّما وأنّ موسيقاه نابعة من التراث الآراميّ – السريانيّ الذي يطبع تاريخ الكنيسة المارونيّة ويُغنيها. الأب جحا من صيدا لبنان، ومقيم في فرنسا منذ حوالى الثلاثِ سنوات، هو والليتورجية والفن المقدّس صنوانٌ، وهو من أكثر الأشخاص الناشطين في مجال المحافظة على التراث الكنسيّ المارونيّ.ù

علاقة الأب جحا بالموسيقى الكنسيّة تعود إلى ما قبل دخوله الدير، فكان يتردّد إلى الكنيسة دائمًا وهو ابن عائلة تعشق الترتيل وخدمة الليتورجيا، جميعهم أعطى الكنيسة، وما زال، ممّا أغدقهُ اللهِ عليهم من جمال صوت وإحساس. ومع دخوله دير الإبتداء، تشرّبَ يوحنّا جحا الموسيقى السريانيّة بشكل أعمق، فأصبح النغمُ الكنسيّ يسري في عروقه سريان البخور في حنايا الدير، فاستلم جوقة الإخوة المبتدئين، ثمّ جوقة الإخوة اللاهوتيّين قبل الرسامة الكهنوتيّة.

أوّل تسجيل رسميّ تبنّته الكنيسة المارونية:

لم يتعمّق جحا في الدراسة الموسيقية بالمعنى الأكاديميّ، بل تفجّر اللحنُ السريانيُّ في داخله من خلال ممارسة الحياة الديريّة الليتورجيّة اليوميّة، وقادَه هذا إلى أن أصبح مساعدًا لرئيس الإتحاد العالمي للموسيقى المقدسة CIMS الّذي يقوم قداسة البابا بتعيينه شخصيًا، فكان مساعدًا لمدّة سبع سنوات للراهب اللبنانيّ المارونيّ الراقد في جوار الربّ  الأبّ البروفسور لويس الحاج (دوكتوراه في الموسيقى المقدّسة من السوربون، رئيس سابق لجامعة الروح القدس الكسليك، نائب عام سابق في الرهبانيّة اللبنانية المارونيّة ورئيس الجمعيّة العالميّة للموسيقى المقدّسة لدَورَتينِ مُتتالِيَتَين).

ألموسيقى الكنسيّة لا تكتسب بالعلم فقط، بل بالخبرة الكنسيّة يقول جحا، فتكمن قوّة جحا الموسيقية في عيشه هذه الخبرة الكنسيّة وهو الذي تربّى على أيدي أهمّ الموسيقيين الكنسيّين في لبنان أمثال الأبوين الراحلين يوسف الخوري، ولويس الحاج، وكان على احتكاك مباشر مع الأب يوسف الأشقر والأب الراحل مارون مراد، إضافة إلى مرافقته الأب يوسف طنوس ويوسف مخايل وسيادة المطران بولس روحانا على سبيل المثال لا الحصر. هذا وانتخبت الكنيسة المارونيّة جحا ليكون عضوًا في اللجنة البطريركيّة للشؤون الطقسيّة فرع الموسيقى المقدسة، وكلّف بمتابعة العمل لإصدار كتاب التراتيل (وهو عمل يحتاج إلى المراجعة والمتابعة ليكون على قدر تطلّعات الكنيسة)، وقام بإصدار أوّل تسجيل رسمي تبنّته الكنيسة المارونيّة، وهو أسطوانة تحوي تسجيلات تعليميّة لألحان القدّاس الماروني (نسخة بكركي 2005) كما قام بتنفيذ وتجديد الدورة الطقسيّة المارونيّة وتسجيلها عندما كان في مديرًا لاستديو كلّيّة الموسيقى.

من أعمال الأب جحا “يا أبا الحق” و”نبارك جمالك يا الله”. الترتيلة الثانية ليست ليتورجيّة بحت، قام الأب جحا بكتابتها وتلحينها تكريمًا للقدّيس شربل، يقول: “بالإمكان استخدامها في الليتورجيا لكنني لا أقوم بهذا”، وهذا من منطلق احترامه للّحن المارونيّ وقدسيّته.

إصدار أوّل فرض رهباني كهنوتي باسم بكركي:

يحدّثنا جحا عن الفرق بين اللحن الليتورجيّ وغير الليتورجيّ، فيشير إلى أنّه وبعد المجمع الفاتيكانيّ عندما بدأت عمليّة التجديد الليتورجيّ في كنيستنا المارونيّة، وبعد الإجتماعات بين الموسيقيّين والشعراء والرهبان ومتخصّصي الليتورجيا وكلّ ما له علاقة بالتجديد الكنسي، تمّ الاتّفاق على ضرورة المحافظة على اللحن المارونيّ التقليدي كما هو على كونه علامة شركة ووحدة للكنيسة المارونيّة في لبنان والعالم. هنا اتُّخِذ قرارٌ بنقل التركيبة السريانيّة للتراتيل- وهي تركيبة شعريّة موزونة وترتبط بلحن معيّن – بأمانة إلى اللغة العربيّة الفصحى والعاميّة أحيانًا، بحيثُ يكون للترجمة الشعريّة العربيّة نفس عدد المقاطع الصوتية للنصّ السريانيّ وتُغنّى على اللحن ذاته دون أيّ تعديل. وأنا الآن وبالتعاون مع الأب يوحنا خوند نحاول إكمال هذا العمل. وباسم بكركي سيصدر وللمرّة الأولى، منذ المجمع الفاتيكانيّ، الفرض الرهبانيّ والكهنوتي المشترك لكلّ الرهبانيّات المارونيّة، وذلك بناء على التقليد الماروني مع بعض التحديث محافظين على الهوية المارونية ذاتها.

الليتورجيا في التقليد المارونيّ لم تولد من أجل الموسيقى بل من أجل كلمة الله:

وعن اللحن المارونيّ يجيب جحا:  إنّ الترتيل الليتورجيّ ليس للهواة ولا للموسيقيّين الّذين تخرّجوا من المعاهد الموسيقية. إنّ الليتورجيا في التقليد المارونيّ لم تولد من أجل الموسيقى بل من أجل كلمة الله. في التقليد المارونيّ الألحان المارونية التقليديّة نادرًا ما يتجاوز مداها الخمس نوتات، أي أنّها ألحان بسيطة بإمكان كلّ الشعب ترتيلُها، فلم يكن هناك جوقة في كنيستنا، والجوقة عنصر حديث عمره أقل من 100 سنة.

أمّا عن الزمن الذي تعود إليه هذه الألحان؟ فيقول: قد تجد بعض الألحان المارونيّة التي تعود إلى زمن ما قبل المسيح، لم تكن مارونيّة في الأصل، فالأب إيلي كسرواني يعتقد أنّ لحن “رَمرِمين” كان مستخدمًا في الهيكل اليهوديّ. أما الألحان المارونيّة التي نستخدمها حالي فهي تتألف من 3 طبقات، طبقة قديمة جدًا ويتجلّى هذا في عدد النوتات، فكلّما كان عدد النوتات أقلّ، كلما كان اللحن أقدم. هذا بالنسبة إلى الحن لا الشعر. أما بالنسبة إلى الشعر، فلا يستطيع أيّ كان أن يكتب نصًّا مقدسًا، فكما يقول المجمع الفاتيكانيّ، إن النصّ المقدس لا يؤلَّف بل يُبنى. فكلّ تراتيلنا السريانيّة مبنيّة على نصوصٍ من الكتاب المقدس أو أحداثٍ تاريخية في الكنيسة. فهو ليس شعر عاطفة يعبّر عمّا في القلوب وحسب، بل يبقى بل هو غالبًا ما ينطلق من نصّ كتابيّ أو حدثٍ تاريخيّ أو تعليمٍ عقائديّ تُبنى عليهِ  القصيدة، وللمزامير مكانٌ كبير في نصوص التراتيل المارونيّة.

ويحدّثنا جحا عن ترتيلة للقديسة سيسيليا شفيعة الموسيقيّين وشفيعة موقعنا فيقول: لقد قمت بتأليف ترتيلتين للقديسة سيسيليا بناءً على طلب الأب روكز بطرس أبو زيد، والكلمات تعبّر عن زبدة حياة القدّيسة.  لم تكن القديسة سيسيليا تعزف الموسيقى ولم تؤلف الموسيقى المقّدسة، وفي أيقونتها الرائعة، نراها تعزف على آلة الأرغن (أو سواها) وعيناها مرفوعتان إلى السماء وملاك من خلف الأرغن يهمس في أذُنِها، أي أن ترتيلها وموسيقاها هما من عمل السماء لا عملها هي.

هكذا، يضيفُ الأب جحا، على كلّ موسيقى كنسيّة أن تكونَ أيقونةً عن ليتورجيا السماء!

لحن فشيطُا (لحن سرياني ماروني(

  • هللويا      قالَ الرَّبُّ لا حُبَّا                      مِثْلُ الفِداءِ!

كَالغَيْثِ الـحُبُّ انْصَبَّا                في الشُهَداءِ:

صَلْبُ يَسوعْ                             فَوْقَ الأَخْشابِ

رَسْمٌ مَطبوعْ                             مِلْءَ الأَلْبابِ

طِبْقَ الـمَصْلوبِ صاروا          أَبْـهى أَيْقونهْ

وَالأَعْناقُ أَنْـهارُ                        تُسْقي الـمَسْكونهْ

هللويا  حَتّـى الإرْواءِ!

  • هللويا        موسيقى الـحُبِّ الفادي          أَنْتِ، سيسيلُ

وَاللَحْنُ للإِنْشادِ             دَمٌ يَسيلُ!

ظُلْمُ الـحُكّامْ                               أَوْحى الإنْشادا

هَوْلُ الآلامْ                                صارَ أعْيادا

لِلظُلّامِ، الدَيّانُ                          حُكْمٌ وَنارُ

لِلأَبْرارِ تَـحْنانُ             مَـجْدٌ وَغارُ

هللويا حَيْثُ الأنْوارُ!

هللويا   بيعَةَ الفادي غَنّـي،                  هَنّـي سيسيلا

أَوْتارَ العودِ، رِنّي،                   ذوبـي تَرْتيلا!

يا قَلْبًا جُنّْ:                               صِرْتِ قُرْبانا

جِسْمًا أُرْغُنّْ                             ذابَ أَلْـحانا

عَلِّمينا في الدُنْيا                        نَشْدو التَسْبيحا

حَتّـى نَلْقى في العُلْيا                 الـحَيَّ الـمَسيحا

هللويا  وَجْهًا حَنّانا!

لحن إنُانُا نوهرُا

رَبّـي، صارْ إكْليلُ الأَشِواكْ                 في الصَليبِ، تاجَ غارْ

وَالأَبْرارْ، مَن عاشوا نَـجْـواكْ  ذاقوا الشَوْكَ وَالأَخْطار!

يَـحْـمِلونَ كُلَّ يَوْمْ                                  مِثْلَكَ، وِقْرَ الصَليبْ

في زُهْدٍ، صَبْرٍ وَصَوْمْ                        يَرْجونَ أَغْلى نَصيبْ:

مَرْأى وَجْهِكَ الـحَبيبْ!

في روما، سَيْفُ الاِضْطِهادْ                 لا يَـملُّ، لا يَشْبَعْ!

في الـجِهادْ، سيسيلُ تَنْقادْ                     خَطْوَ الـمَصْلوبِ تَتْبَع.

حُبُّ فاديها الأَكْرَمْ                                شَهّاها طَعْمَ العَذابْ

حتّى نالَتْ غُسْلَ الدَمْ!                           طوباها قُدّامَ الآبْ

في ثَوْبِ العُرسِ تَنْعَمْ!

أَلفَنّانْ إنْ مَسَّ الأَوْتارْ                          فاضَ العودُ بالأَنْغامْ!

وَالإيـمانْ إنْ مَسَّ الأَبْرارْ                     فاضَ الـحُبُّ بِالأَنْعامْ!

سيسيلُ، أنْتِ الـمِثالْ                             إيـمانًا، حُبًّا، عَفافْ

عَلِّمينا، في الأَهْوالْ                              إنْ نُؤمِن، ألّا نَـخافْ

فالروحُ يوحي الكَلامْ!

يا أبا الحق:

إن ترتيلة “يا أبا الحق” فريدة من نوعها، يقول: إني لا أقوم بالتلحين كهواية، بل كدعوة. فأنا ألحّنُ عندما أجدُ حاجةً كنسيّة إلى تلحين، لا أقوم بالبحثِ عن نصوصٍ فقط كي أقوم بتلحينها، بل تفرضُ الحاجَةُ نفسَها، فأجدُ نفسي مدعوًّا إلى خلق ترتيلة مناسبة مثلًا للمناولة. نقوم بكثير من البحث والتنقيب ونأخذ وقتًا طويلًا ونحن نعمل على النصّ واللحن حتى يكونَ فريدًا وقريبًا من تقليد الكنيسة المارونية، لا أن يكونَ كموسيقى الديسكو في أوروبا أو الموسيقى اللاتينيّة الشعبيّة في أمريكا اللاتينيّة، بل أن يكونَ لحنًا يشبه الكنيسةَ أمَّهُ. هذا نقولُهُ في اللحن الليتورجيّ.

أما عندما يكون اللحنُ شعبيًا ليتغنّى به الشعبُ في مناسباتٍ غير ليتورجيّة، فمن الممكن أن يكون له أشكال أخرى. ويحدّثنا الأب جحا هنا عن ترتيلة “آبُا دقوشتُا” الّتي ترتّل عند رفع الكاهن للقربان، وهي لا تتعلّق بمار شربل فقط بل بالطقس المارونيّ، وهي تتألف من 4 مقاطع تتناسب نصوصها مع الحركة الليتورجيّة الّتي تجري على المذبح عندما يَكسِرُ الكاهن القربانَ ويخلطه بالدم، وهي ترتيلة سريانيّة عمرها 500 سنة تقريبًا وكانت نصًّا ثابتًا في كلّ قداس. لقد أخذتُ البيتَ الأوّل منها وهو الأكثر شهرةً وقمت بترجمته إلى العربية، وأخذت اللحن السريانيّى الأكثر مُلاءمة لروحانيّة مار شربل وهو لحن شجيّ، وبنَيتُ لحنًا مارونيًا على أساسه، ليس كنسخة عنه بل كامتدادٍ له. فعندما تسمعه تشعر وكأنّك تعرفه، ففي داخله هيكليّة اللحن المارونيّ التي أصبحت مطبوعة في قلوب الناس ومغروسة فيها. “يا أبا الحق” قام يترتيلها سلام جحا شقيق الأب جحا ترافقه جوقة مؤلّفة من حوالي 25 شخصًا معظمهم من جوقة جامعة الروح القدس-الكسليك.

نبارك جمالك يا الله:

أمّا ترتيلة “نبارك جمالك يا الله” فقد ألِّفها جحا ولحّنها في يوم واحد. “كنت في رحلة سنة 1989 أو 1990 مع الأخوة وكنّا متّجهين إلى دير الرئاسة العامّة في غزير. وكنّا نُرتّل من وقت لآخر، فغرقتُ في نشوة الموسيقى وولد النصّ واللحنُ في آنٍ واحدٍ. بقيت حوالى السنتين أو الثلاثِ سنوات أنا أعمل عليها حتّى استقرّت في شكلِها النهائيّ تعكسة نظرتي  لِروحانيّة مار شربل. أتكلم في نصّها عن مار شربل لكنّني أباركُ جمالَ الربِّ في الوقت ذاته.

كان هناك شخصٌ يهوديٌّ، وهو السيّد راتيسبون، يُعادي الكنيسة الكاثوليكيّة والعذراء بشكلٍ معلن، كان لهذا اليهودي الكثير من الأصدقاء الكاثوليك يتبادلونَ معه النكات، فبإطارٍ من المزاحِ أهدوه الأيقونة العجائبيّة، فقبلها مُحرجًا. ثمّ قالوا له أنّ من يقبل هذا الهديّة عليه أن يتلوَ بعض الصلوات… فوافقَ التزامًا بالصداقة… وبعد فترة ظهرت له العذراء في الكنيسة، وما إن رأى حتّى سجد وقالَ “ما أجمل الله!”. ونحن من خلال مار شربل نقول: “نبارك جمالك يا الله” فالقدّيس يعكسُ جمالَ اللهِ لا جمالَه الشخصيّ. لقد

وصفت مار شربل بطريقة تظهِرنا حاضرين غلى جانب شربل المُصَلّي، وتعلمنا هذه الترتيلة درسًا أكثر من مجرد أن نتغنّى بحبّنا لمار شربل، بل إنّها تتعمّق في فكر مار شربل. فصار “سجين حبك” سجينَ حبّ المسيح. وهذا هو سرّ عيشه في المحبسة… إنّ انغماسه في رسالته جعل منه سجينًا بشكل طوعيّ، هدفه تمجيد الله ومباركة جماله.

لا يمكننا أن نؤلف ترتيلة مبنيّة على العواطف فقط يضيف جحا، بل يجب على الترتيلة أن تكونَ مدرسةً. هناك نصّ في القداس اللاتيني يقول أنت لست بحاجة إلى تراتيلنا لكنك توحي لنا لنسبّحك لأنّ تسبيحَنا يقرّبُنا منك، فيجب أن يكون الله هو مصدر هذا التسبيح لا البشر ولا العواطف البشريّة. لهذا نلاحظ بعض التراتيل التي تنطفئ بعد 20 سنةً على انطلاقتها. لكن اللحن المارونيّ باق و”يا أبا الحقّ الكريم” باقية و”سيدي أعطنا” و”كما يشتاقُ الأيلُ” و”حسبي أن أكونَ خادمًا” و”أشرق النور على الأبرار” باقية أيضًا. تموت بعض التراتيل لأنها مبنيّة على أذواق فنّيّة فتكون سريعة العطب وهشّة، بينما تستمرُّ الألحان الأصيلة خالدةً لأنّها تسمو على المكان والزمان والظرف والعاطفة العابرة. إنّ عمر ألحاننا المارونيّة قد يصل إلى حوالي 1600 سنة. فالألحان المارونيّة هي الألحان الوحيدة الّتي لم تخضع للتأثيرات العالميّة، فَلم تتأثّر بالموسيقى التركيّة ولا العربيّة ولا الأوبراليّة (طبعًا أتكلّم عن الألحان الكنسيّة لا عن الّتي تنتشرُ من دون موافقة الكنيسة). فقد سكن الرهبان الموارنة في المغاور ولم يكن همّهم أن يجمعوا المعجبين حولهم، ففي كلّ تاريخنا الكنسي تكادُ لا تجدُ اسم عازفٍ أو شاعرٍ أو مرتِّلٍ، وكلُّ الذين ألفوا هذه الألحان من مار يعقوب السروجيّ ومار أفرام السريانيّ وسواهم كانوا في خدمة الكنيسة والبشارة لا في خدمة الفنّ والنجوميّة. بذلك تكون الكنيسة، من خلالِ بعضِ ابنائها، هي الّتي تؤلّف اللحن لا الأفراد.

وفي رسالة إلى مطربي سيسيليا في العالم ينهي جحا قائلًا:

كنت منذ بضع سنواتٍ، مع الأب كسرواني والدكتور نداء أبو مراد والدكتور إدوار طوروكيان، في ندوة عن الموسيقى المقدّسة فوجّه نداء أبو مراد نداءً يقول “أنا أدعو جميع المرنّمين في الكنائس إلى التوبة”. إنه لا يقصد القول إنّهم أشرار أو فاسدين، بل  يقصد القول أنّ اللهَ يختفي غالبًا لصالح شهرة المؤلّف والملحّن والعازف والمُطرِب. من واجب هؤلاء أن يقولوا مثل يوحنّا المعمدان “له أن ينمو ولي أن أنقص”. هناك فرق بين ترتيلٍ يهدفُ إلى الوصولِ للشهرة وبين ترتيل يهدف إلى الوصول لله.

في إطار أيّام الشبيبة العالميّة سنة 1997 بدعوة من البابا يوحنّا بولس الثاني، كانَ هناك سلسلة من النشاطات الروحيّة، من ضمنها، بعض الكونسيرات. توجّهت مع مجموعةٍ إلى كنيسة القدّيس لعازر (Saint Lazar)، دخلنا فسمعنا تراتيلًا وألحانًا رائعة، لكن لم يكن أحدٌ في الكنيسة، وبصفتي كاهنًا تجرّأت على التجوال في الكنيسة والمذبح والخورس، واكتشفت أن الجوقة تختفي خلف المذبح وتؤدّي هذه التراتيل الرائعة، حتى لا يسقُطَ ترتيلُها في فخّ الاستعراض.

ذات مرة كنتُ في بلدة في ألمانيا تدعى نيدرألتَيخ Niederalteich، وفيها جماعة من البنديكتان كنت أحضر الصلاة التي يقيمونها مساءَ كلّ يوم. يدخل الرهبان في صفّ ويجلسون في أماكنهم ويبدؤون الترتيل باللغة اللاتينيّة واللحن الغريغوريّ، وفجأة تسمع صوتَ ترتيل إفراديّ وتحاولُ أن تعرفَ من هو المُرتّل، لكنك لا تستطيع، فهو لا يقوم بأيّ حركة أو إشارة تدلُّ عليه ولا يمسك ميكروفونًا، بل يقوم بخدمته من مكانه: إنّهُ يضع مجد الله أولًا، لا اسمه أو شخصيّته. في “رسالتنا” الموسيقيّ ما زلنا بعيدين جدًا عن هذه الروحانيّة. ونحنُ بحاجةٍ إلى الكثير من التواضعِ والطاعة حتّى تكونَ موسيقانا لمجدِ الله لا لإرضاء ذهنيّة العالم!

تفقد الترتيلة قيمتها لو كنتَ تؤدّيها وأنت تنتظرُ التصفيق في النهاية. هذه هي رسالتي. يجب على المرتّلين أن يعيشوا الترتيلَ كما تريد الكنيسةُ أن يكون أي خدمةً مقدّسة لمجد الله وبنيان المؤمنين، و”له أن ينمو ولي أن أنقص”.

دعوةٌ أخيرة إلى جميع المهتمّين بالموسيقى الدينيّة في شقّيها الليتورجيّ والشعبيّ:

إقرأوا تعليم الكنيسة الرائع في هذا الشأن، لا سيّما رسالة البابا بيوس العاشر:

http://motupropriochicoutimi.over-blog.com/pages/Motu_Proprio_Tra_le_sollecitudini_de_saint_Pie_X-1811859.html

ورسالة البابا بيوس الثاني عشر:

http://www.musique-liturgique.com/gregorien/les-textes/140-encyclique-musicae-sacrae-de-pie-xii.html

قراءَتُنا لهاتين الرسالتين وما بعدهما من تعاليم كنسيّة هو علامة حبّ وطاعة للكنيسة، وإذا احترمنا توجيهات الكنيسة نكون قد ساهمنا بالفعل في خدمة شعب الله تحت عين الكنيسة فتتكاتفُ وتتكامَلُ جهودُ جميعِ المبدعينِ بتوجيه رأس واحد هو الكنيسة الأمّ والمعلّمة.

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مشاركة
تعليق
This story is tagged under:
ceciliaسيسيليا
النشرة
تسلم Aleteia يومياً