أليتيا

قُدّاسات بِلا كنيسة وبِلا مسيح… جُحودُ الكاهِنِ العَلَني أو ارتدادَهُ عن الإيمان يَجعَلُ قُدّاسَهُ باطلًا

public domain
مشاركة
تعليق

بيروت / أليتيا (aleteia.org/ar) – من خلالِ الأسطُرِ اللاحقة، نَرغَبُ في تَقديمِ تعليمٍ جدّيّ يتعَلَّقُ بصِحَّةِ القُدّاسِ وجَوازِهِ في زَمَنٍ تَحصُلُ فيهِ تَجاوُزاتٌ خطيرةٌ على الـمستوى الليتورجي، بعضُها لا يُؤَثِّر إلّا على الإطارِ الخارِجيّ العام، وبَعضُها الآخَر يؤثِّرُ على الـجَوهَر وبالتالي يَمَسُّ صِحَّةَ السِرّ:

إذا كانت رتبة الإكليل باطِلة، لا يَكونُ رباطُ الزواجِ قد تمَّ بينَ طالِبَي الزواج. في القدّاسِ الباطِل، لا تَصيرُ استحالَةُ الخُبزِ والخَمرِ إلى جَسَدِ المَسيحِ ودَمِه.

لِشَرحِ هذه القَضيّة، سأستَعينُ بِمَثَلٍ من الحياةِ التَربَويّة.

كَريم وأكرَم تَخَرَّجا في العامِ نَفسِه من الجامعة اللبنانيَّةِ ونالا شهادَةَ الدكتوراه، كريم في التربية وأكرَم في إدارَةِ المَدارِس. بَعدَ بِضعَةِ أعوام، عُيِّنا مُديرَينَ لثانَوِيَّتَين رَسميَّتَينِ في صَيدا. منَ الواضِح أنَّ كريم وأكرَم يَتَمَتَّعانِ بـمُستَوى علميّ مُتقارِب ولَهُما سُلطة إداريَّة من ذاتِ الدَرَجة. فَتَدابيرُ كَريم في ثانَويَّتِهِ توازي قانونًا وقيمَةً تدابيرَ أكرَم في ثانَوِيَّتِه. هُنا نَطرَحُ السؤالَ التالي:

هل يَجوزُ لأكرَم أن يُمارِسَ سُلطَتَهُ التَربويّة في ثانويّة كريم؟

الجواب: طبعًا لا!

لماذا؟

لأنَّ حدودَ سُلطَة كريم التربويّة هي حدودُ ثانويَّتِه، وكذلكَ الأمرُ بالنِسبَةِ إلى أكرَم.

باعتِمادِ الـمنطقِ نَفسِه، علينا أن نَفهَمَ أنَّ سُلطانَ الكاهِنِ على الأسرارِ ليسَ مُطلَقًا، بَل هوَ مَحصور في رُقعَةٍ جغرافيَّةٍ مُحَدَّدة خاضِعَةٍ لِسُلطانِ أُسقُفِهِ. في الأمسِ القريب، كانَ الكاهِنُ يُرسَمُ على مذبَحِ رعيَّتِهِ الخاصَّة، أمّا الآنَ فَيُرسَمُ على مذابِحِ الأبرشيّة، ومع ذلك فَمُمارَسَتُهُ للأسرارِ على مذبَحٍ آخر يحتاجُ إلى رِضى خادِمِ المَذبَح أو إذن الأسقُف.

نَطرَحُ سؤالًا ثانيًا:

قُلنا إنَّ حُدودَ سُلطَة كَريم هي حدودُ ثانَوِيَّتِه. فهَل سُلطَةُ كَريم هي مُطلَقَة في ثانَويَّتِه؟

قَد نَستَعجَلُ ونُجيبُ ب (نعم) وأمّا الجواب الحقيقي فهوَ (لا). لماذا؟ لأنّ كريم وبِصِفَتِهِ مُديرًا لثانويّة، يَخضَعُ بالفِعلِ ذاتِهِ إلى قوانينِ وزارَة التربية وتَوجيهاتِها وهو ملزم باحترامها.

قَد يَظُنُّ الكاهِنُ أنَّهُ مُطلَقُ السُلطانِ في رعيَّتِهِ، فيَضرِبُ بعَرضِ الحائِط قوانينَ الكنيسةِ وتوجيهاتِها والأصولَ والنُظُمَ الليتورجيّة جاعِلًا من نَفسِهِ إمبَرَطورًا ومن رَعيَّتِهِ جزيرَةً روحيَّة مُنفَتِحَةً على روحِ العالَم ومُنغَلِقَة على الكَنيسَةِ وعلى ذاتِها.

نَطرَحُ سؤالًا ثالثًا:

إنَّ سُلطانَ كَريم فاعِلٌ في إطارِ  ثانَويَّتِهِ، أي أنَّهُ يَسري على جميعِ طُلّابِ ثانَويَّتِهِ وموَظَّفيها وجسمِها التَعليميّ. فهَل يحقُّ لَهُ أن يَختارَ إحدى قِمَمِ لبنانَ الـمُكَلَّلَةَ بالثُلوجِ ويأمُرَ كُلَّ طالِبٍ أن يَصنَعَ من الثَلجِ منضَدَةً ومِقعَدًا ليَتَمَكَّنَ من متابعَةِ الشَرحِ وتَدوينِ الـمَعلوماتِ في إطارِ طَبيعَةٍ غنّاء وتَحتَ شَمسٍ مُشرِقة؟

الجواب: طبعًا لا!

لماذا؟

لأنّ التَعليمَ الثانَوي في الظُروفِ الطَبيعيَّة يَفتَرِضُ إطارًا خارجيًّا مُحَدَّدَ الـمَعالِم يَتَناسَبُ معَ طَبيعَةِ رسالَةِ التَعليمِ ومُتَطَلِّباتِها، وإنَّ أيَّ تَغييرٍ لهذا الإطارِ يحتاجُ إلى مَرسومٍ تُحدِّدُه وزارَةُ التَربية.

كذلكَ لا يَحقُّ للكاهِن في الظُروفِ العاديّة أن يُقيمَ القُدّاس خارِجَ الأماكِنِ الـمُقَدَّسة لِمُجَرَّد الرَغبَةِ في ذلك أو استجابَةً لطلبِ الأخويّة أو الحركة أو الجمعيّة. كما أنَّهُ لا يَحِقُّ لَهُ إقامَةَ الذبيحَةِ على طاوِلةٍ غيرِ مُكَرَّسة من دونِ طبليت كَونَ الـمذبَحِ بحَسَبِ تَعليمِ الكنيسة هوَ الصليب الّذي تَتِمُّ عليهِ الذبيحة.

باتَ بإمكانِنا، بعدَ هذه الـمقارَبَة، أن نَغوصَ أكثَرَ في فَهمِ مُتَطَلِّباتِ الكَهنوتِ الأسراريّ وفي مَعرِفَةِ مكانَةِ الكاهِنِ ودَورِهِ وسُلطانِهِ وواجِباتِهِ وحُدودِ وَظيفَتِه على مختَلَفَ الأصعِدة.

في طلبةِ الكهنوتِ الـمارونيّة، قَد نَجِدُ صورَةً مُختَصَرَةً لوظيفَةِ الكاهِن في رَعيَّتِه: يقدِّمُ الذبيحة، ينشر الإنجيل، يمنحُ الغفران، يمنح الأسرار، يعزّي الحزانى… هذا هوَ البُعدُ الروحيّ والراعوي لِعَمَلِ الكاهِن في كنيسَتِهِ، إلّا أنّ هذا البُعدَ يَبقى هشًّا وسريعًا للعَطَب إذا لَم يَستَنِدْ إلى تَعليمِ الكَنيسة وَتَقليدِها وتَوجيهاتِها.

فالكاهِنُ الَّذي يَنأى بِنَفسِهِ عَن الكَنيسة، لا يُساهِمُ في بِناءِ كَنيسَةِ الـمَسيح بَل يَبني كَنيسَتَهُ الخاصّة وهوَ مِحوَرُها. والكاهِنُ الَّذي يَنسَلِخُ عَن سُلطانِ أُسقُفِهِ، مُمَثِّلِ الكنيسة، يَفقِدُ بالفِعلِ ذاتِهِ مَوهِبَةَ الرِسامة أو بالأحرى السُلطانَ الصَحيح في مُمارَسَةِ الأسرار.

نُعيدُ ونُكَرِّرُ أنَّ سُلطانَ الكاهِنِ لَيسَ مُطلَقًا في ممارَسَةِ الأسرار، لا في التَعميد، ولا في التَقديس، ولا في التَكليل. كُلُّ هذه الوظائِفِ مُرتَبِطَة كيانِيًّا بسلطانِ الأسقُفِ الَّذي يتَمَتَّعُ بِكَمالِ الكَهنوت. بكلامٍ آخَر، إنّ الكَهَنة هُم مُعاوِنو الأسقف، ولا يَستطيعونَ ممارسَةَ أيّ سرّ من أسرارِ الكنيسة إلّا باتِّحادِهم مع الأسقف، لأنَّهُ مَصدَرُ السُلطانِ الكَهنوتيّ الَّذي يمارِسونَه.

وعلينا أن نُذَكِّرَ أيضًا أنّ صحّةَ ممارَسَةِ الأسرار مُرتَبِطَة كيانيًّا بالضَوابطِ الخارجيّة والداخليّة الّتي رَسَمَتها الكَنيسة، والَّتي يَتَعَهَّدُ الكاهِنُ يَومَ رسالَتِهِ بحِفظِها وطاعَتِها طاعَةً كامِلة.

ونشدِّدُ أيضًا على أنّ صحَّةَ الأسرارِ أو بُطلانَها لا يرتَبِطانِ، بأيِّ شَكلٍ من الأشكال، بنِيَّةِ الكاهن وتقواهُ الشخصيّة، ولا بنوايا الـمؤمِنين وحماسَتِهم، مع تأكيدِنا على ضَرورَةِ وجودِ هذه النوايا على الـمستوى الداخليّ، لكنّ صحّة الأسرار مُرتَبِطة بالسُلطان الَّذي مَنَحَتهُ الكَنيسَةُ للكاهِن وأصولِ مُمارَسَتِهِ في إطار القواعِدِ والتوجيهاتِ الّتي تمَسُّ الشَكلَ والجَوهَرَ على السَواء.

مَثلًا، جُحودُ الكاهِنِ العَلَني أو ارتدادَهُ عن الإيمان يَجعَلُ قُدّاسَهُ باطلًا، حتّى ولو احتَفَلَ بهِ بحَسَبِ الأصولِ الليتورجيّة والكَنَسيّة. كما أنّ إقامَةَ القُدّاس على كَعكَة ذُرة وكوب شراب التوت تَجعَلُ منهُ باطِلًا فالخبز والخمر عنصران أساسيّانِ لإقامة قدّاس صحيح. إنَّ الاحتفالَ بإكليل على يَدِ كاهِنٍ غيرِ مُفَوَّض يَجعَلُ من الزواجِ باطِلًا، وكذلك إقامَةُ الإكليل خارِجَ الـمكان الـمُقَدَّس أو خارِج الحدود الجغرافيّة الشرعيّة من دونِ إذنٍ خَطّيٍّ من الأسقُف الـمكاني يَجعَلُ من العَقدِ باطِلًا.

إنّ إقامَةَ قُدّاسٍ صحيح (أي يصير فيه الحضور الإلهي في أعراضِ الخُبزِ والخَمر) يَفتَرِضُ التزامًا صارِمًا بالأصولِ الليتورجيّة والكَنَسيّة. إنَّ الخروجَ عنها يَجعلُ القُدّاس في بعض الحالات غيرَ جائِز، وفي بَعضِها الآخَر يَجعَلُه باطِلًا.

لِصحّةِ القدّاس، ثَمَّةَ أمورٌ رئيسيَّةٌ ثلاث: هويّة الـمُحتَفِل، مكان الاحتِفال وكيفيّة الاحتفال.

إلَيكم ما تُعلِّمُ الكنيسةُ في هذا الشأن في كتاب التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكيّة، الفاتيكان 1992:

المحتفلون بليتورجيّا الأسرار

1142 – ولكن “ليس لجميع الأعضاء عمل واحد” (رو 12: 4). ثمّة أعضاء يدعوهم الله، في

الكنيسة وبواسطة الكنيسة، إلى أن يمارسوا خدمةً خاصة في الجماعة. هؤلاء الخدّام يُختارون ويُكرّسون بسرّ الكهنوت الذي به يجعلهمالروح القدس أهلاً لأن يسعوا في شخص المسيح الرأس، إلى خدمة جميع أعضاء الكنيسة. الخادم المرسوم هو شبه “أيقونة” المسيح الكاهن.وبما أنّ سرَ الكنيسة يعتلن اعتلاناً كاملاً في الافخارستيّا، فخدمة الأسقف تَظهر أوّلاً في ترؤُس حفلة الافخارستيا، بالاشتراك مع الكهنةوالشمامسة .

1144 – هكذا، في الاحتفال بالأسرار، الجماعة كلّها “تقيم الليتورجيا” كلٌّ بحسب وظيفته، ولكن في وحدة الروح “الذي يعمل في الجميع. “فياحتفالات الليتورجية يُطلب من كلّ شخص، سواءٌ أكان خادماً للسرّ أم علمانيّاً، أن يعمل، لدى قيامه بوظيفته، العمل كلّه الذي يقع عليهمن جرّاء طبيعة الأمور ومن جرّاء الأنظمة الليتورجية، وأن لا يتعدّاه إلى سواه من الأعمال.

 

1125 – ولذا لا يجوز لأيّ خادم أو جماعة أن يُغيّرا أو يُحوّرا على هواهما طريقة الاحتفال

بالاسرار. وحتى السلطة العليا في الكنيسة لا يجوز أن تغيّر الليتورجيا وفق رغبتها بل في طاعة

الإيمان وفي شعور من الورع والاحترام لسرّ الليتورجيا.

1179 – العبادة “بالروح والحق” (يو 4 : 24) في العهد الجديد، لا تتقيّد بمكانٍ دون آخر. فالأرض كلّها مقدّسة وموكولة إلى ابناء البشر. فماهو أوّل، عندما يجتمع المؤمنون في مكان واحد، إنّما هو “الحجارة الحيّة” الملتئمة  “لبناء بيت روحانيّ” (1 بط 2 : 5) جسد المسيح الناهضهو الهيكل الروحيّ، منه ينبجس ينبوع الماء الحيّ.  وبما أنّنا مندمجون في المسيح بالروح القدس فإنّما نحن “هيكل الله الحيّ”. (2 قور 6 : 16)

1180 – حيث ممارسة الحرية الدينيّة لا قيود لها، يشيّد المسيحيون أبنية مُعدّة للعبادة الإلهية. هذه الكنائس المرئيّة ليست فقط مجرّدأمكنة للتجمّع بل هي رمز الكنيسة القاطنة في هذا المكان، وتظهرها مسكناً لله مع الناس المصالحين والموَحدين في المسيح.

1181 – “إن بيت الصلاة الذي يُحتفل فيه بالافخارستيا وفيه تُحفظ، ويجتمع المؤمنون فيه، ويكرّم فيه ابن الله مخلّصُنا، المقرّب لأجلنا على المذبح، الحاضر سنداً للمسيحيّين ومشجّعاً، يجب أن يكون جميلاً وأهلاً للصلاة والاحتفالات الافخارستية“. فيبيت اللههذا، يجب أن يظهر المسيح الحاضر والعامل فيه، من خلال العلامات الحسّية في حقيقتها وتناغمها.

1182 – مذبح العهد الجديد هو صليب الربّ الذي منه تنبع أسرار السرّ الفصحيّ.  على المذبح، وهو النقطة المركزية في الكنيسة، يُحقَّقُ حضور ذبيحة الصليب تحت العلامات السرّية. وهو أيضاً مائدة الربّ التي يُدعى إليها شعب الله. وفي بعض الليتورجيّات الشرقيّة يُعتبر المذبح رمزاً للقبر)المسيح الذي مات حقّاً ونهض حقًّا من بين الأموات(.

من خلال النصوص الّتي استقيناها من كتاب التعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة، واستنادًا إلى تقليد الكنيسة وسائر تعاليمها نستطيع أن نختصر شروط قيام قدّاس صحيح (في الظروف العاديّة) بما يلي:
1- يجب أن يكونَ المحتفل مؤمنًا معمّدًا، كاهنًا مرسومًا بوضع اليد بطريقة شرعيّة (أو ذا رتبة أعلى) وغير واقع تحت حرم كنسيّ،

2-  أن يصيرَ القدّاس بحسب الكتب الطقسيّة الرسميّة والأصول الكنسيّة والليتورجيّة: نصوص، تراتيل، أوانٍ مقدّسة، لباس ليتورجيّ، حركات ورموز ليتورجيّة، قراءات…

3- أن يصير الاحتفال في مكانٍ مكرّس ومعدّ لليتورجيا، وأن يكون المكانُ لائقًا جميلًا ونظيفًا، ومتناغمًا مع حاجات العمل الليتورجيّ.

4- أن يكونَ مكانُ الاحتفال، خاضعًا لسلطة أسقف الكاهن المحتفل، فلا سلطانَ للكاهن في إقامة القدّاس إلاّ على المذابح الّتي فوّضت إليه خدمتها عند رسامته. وإلّا فهو يحتاجُ إلى إذن صريح من الأسقف المحلّيّ، أو أقلّه من كاهن الرعيّة الّتي يصير فيها القدّاس، حتّى ولو كانَ، لسبب ما، خارج الكنيسة.

5- لا يمكنُ أن يكونَ القدّاس على قياس الجماعة المحتفلة، ولا يمكنُ أن يُحتفلَ بهِ بحسب رغائب المؤمنين أو أمزجتهم أو تفضيلاتهم، فالقدّاس، أينما أقيم، هو عمل كلّ الكنيسة، ويجبُ أن يحتفل به على هذا الأساس.

6- لا يمكنُ التعاطي مع القدّاس على كونه حلقة من برنامج رحلة ما، ولا بصفته نشاطًا روحيًّا أو تبشيريًا، ولا على أنّه مناسبة للعيش المشترك. بل يجب أن يظهر القدّاس، كما تعلّم الكنيسة، كَقمّة يرتقي إليها عمل الكنيسة . لأنّ الليتورجيا ولا سيّما القدّاس، هي المنبع الذي تنبع منه كلّ قوّة الكنيسة.

 

لنشرح الأمور بشكل أوضح سندرس مسألة طُرحت في العام 2015 :

 

لمناسبة خميس الأسرار، قامَ أحد الكهنة الأفاضل المعروفين في الوسط المسرحيّ، بالدعوة إلى حضور قدّاس خميس الأسرار ورتبة الغسل الّذين كان من المفترض أن يحتفل بهما على خشبة أحد المسارح.

إعترض بعض الغيارى لدى السلطة الكنسيّة، فاستدعى أسقف الأبرشيّة الكاهن المعنيّ، و”تمنّى” عليه إلغاء القدّاس، أي بالأحرى الاحتفال به في كنيسة. ثمّ أصدر الأسقف أمرًا يمنعُ فيه إقامة القداديس خارج الكنائس.

خضع الكاهن بتواضع وروح بنويّة لأمر الأسقف واعتذر عن خطئه الصادر عن غير قصد بل عن نيّة صالحة.

 

ما هي الأخطاء التّي جعلت الأسقف يتّخذ هذا الموقف؟

  • إنّ الكاهنَ يحتفل بالقدّاس خارج حدود سلطته الكهنوتيّة، فهو تابعٌ لجمعيّة، ومرسوم على مذابحها. أمّا أن يحتفل بالقدّاس في أماكنَ أخرى فالأمر يفترض إذنًا من كاهن المحلّة أو الأسقف.
  • يقع المسرح ضمن حدود رعيّة معيّنة، لها كهنتها، ويقع المسرح على بُعدِ أمتار قليلة من كنيسة الرعيّة. فلا يجوزُ أن يُقامَ القدّاس ضمن إطار رعيّة ما، من دون رضى كاهنها، ولو ضمن الأبرشيّة الواحدة.
  • يحتفل الكاهنُ بالقدّاس في مكانٍ عام غير مكرّس وغير خاضع لسلطة كنسيّة ما تضمن كرامة الاحتفال وصحّته. وهو أمرٌ يفترض الكثير من الحذر كما يتطلّب الحصول على إذن مسبق من الأسقف، الّذي لا يُعطي الإذن إلّا بعد التأكّد من أن كرامة العمل الليتورجيّ ستكون محفوظة، وأنّ خير الجماعة مؤمن، وأنّ الأمر لن يسبّب شكوكًا للعامّة.
  • لم يتّضح إذا كانَ شراءُ بطاقة دخول شرطًا لدخول المسرح، إذ لا يُسمَح أن تغلقَ أبواب الكنائس، حتّى خلال الكونسيرات، في وجه المؤمنين بحجّة عدم دفع ثمن بطاقة دخول. ونعتقد أنّ قضيّة حجز البطاقة، تحديد عدد الأماكن، كانتَ أحد أهمّ أسباب الاعتراض من قبل العلمانيّين.
  • مهما اجتهد الكاهنُ في عيش القدّاس في بعده الأسراريّ، لن يتمكّن من إلغاء الطابع المسرحيّ، وربّما لو حصل القدّاس لكانَ قوطعَ مرارًا وتكرارًا بنوباتٍ من التصفيق.

 

لا بدّ من الاعتراف بحكمة الأسقف، وبمصداقيّة الكاهن الّذي خضع بتواضع لتوجيهات أسقفه، واعتذر عن خطئه!

 

ولكن، وللأسف الشديد، شاهدنا، في يوم خميس الأسرار نفسه، قدّاسًا منقولًا على وسائل الإعلام، أشدّ تشكيكًا ممّا كانَ مفترضًا في قدّاس المسرح.

فكاهنُ المسرح ربّما أراد تطعيمَ المسرح بقداسة القدّاس، رغم المحاذير الكثيرة،

أمّا ما شاهدناه على الشاشات، فقد كانَ قدّاسًا ممسرحًا بامتياز، إلى درجة أنّنا لو كنّا حاضرين لكُنّا غادرنا القدّاس-المسرحيّة أو أقلّه لرفضنا الاشتراك في مناولة نشكّ في صحّتها.

 

في التفاصيل:

تبدأُ المسرحيّة بمقدّم عديم الثقافة، يجتهدُ بكثير من التصنّع في تعريفنا بالرسل الإثني عشر، بما يُناقِضُ الإنجيل، فكادَ بطرسُ يكونُ أحمقًا، وكادَ يهوذا الخائن يكونُ الحملَ الوديع الّذي وقع ضحيّة الأشرار رغم نواياه الصالحة، وكادَ يُعلنُ قدّيسًا.

وفجأة يظهرُ الكهنة- الممثّلون أمامَ المذبح، وقد تمرّنوا جيّدًا على أدوارهم في القدّاس-المسرحيّة… وبدأت المهزلة لا سيّما مع بدء رتبة الغسل، حيثُ تقدّم الممثّلون الثانويّون (الرسل) مرتدينَ ازياءًا من عهد توت عنخ أمون، فلا بدّ أن يقتنع الجمهور بواقعيّة العمل المسرحيّ. وقد لا حظنا أمام المذبح مائدة كاملة تحفل بأنواع الأطعمة والخمور. وهذا طبيعيّ!

 

ألم يحصل الغسل قرب المائدة بعد الطعام؟ ولكن الغريب أنّهم تابعوا القدّاس على المذبح، مع أنّ العشاء السرّيّ صار على المائدة. كانَ هذا ضعفًا في الإخراج، نعتقدُ أنّ المخرِج سيتنبّهُ لهُ في النسخة القادمة!

وجرى غسل الأرجل، وصار الحوار بين بطرس “الأحمق” والكاهن “يسوع”… وعندما ينتهى الحوار، من المفترض أن يتابع الكاهنُ تلاوة الإنجيل على القرّاية… ولكن هذا لا يتماشى مع الرؤية المسرحيّة للمخرج الّذي ارتأى أن يكمل الممثّلونَ-الكهنة تمثيل الإنجيل جلوسًا، من خلال حوارٍ مصطنعٍ سمجٍ، وتعابيرِ وجهٍ وحركاتِ أيدٍ أقلّ ما يُقالُ فيها أنّها غايةٌ في الرداءة!

 

بصراحة، كنّا اشدّ المقاومين لإقامة القدّاس على خشبة المسرح. ولكن بعد مشاهدتنا لهذا القدّاس المسرحيّة، بتنا نفضّل ألف مرّة قدّاسًا لائقًا يحتفل به على خشبة مسرح، على المشاركة في شبهِ قدّاسٍ، على مذبح كنيسة مكرّسة، يتحوّل إلى مسرحيّة مهزلة!

 

لكنّ ثمةَ أمرًا مُريبًا يُقلِقُنا، هو هذه اللامبالاة الّتي تضربُ عقولَ المؤمنين فيقبلونَ كلّ خدعة صلاة، هذا التخدير الّذي يصيبُ نفوسهم فيمنعهم عن التمييز بين الصالح والفاسد، هذا الانقياد الأعمى وراء عشّاق الفنون الجميلة الّذين يستبيحونَ الكنائس لتفجير رداءاتهم الفنّيّة، بمباركة بعض الكهنّة عبّاد التكنولوجيّة وخدّام روح العالم!

 

لنعد إلى موضوعنا:

في قدّاسات كهذه، من حقّنا بل من واجبنا أن نطالب السلطات الكنسيّة بوضع حدٍّ لهكذا تجاوزات خطيرة، تجعل من العمل الليتورجيّ أداةً في خدمة الفنّ، لا قيمةً سُميا في ذاته.

 

ونحن بكلّ شفافيّة وصراحة ووضوح، ندعو المؤمنين، إلى مقاطعة هذه القدّاسات المزيّفة الّتي نشكّك في صحّتها، لا انطلاقًا من آرائنا، بل استنادًا إلى الأسس الكهنوتيّة والليتورجيّة وضوابطها وأصولها وحدود سلطة الكهنة في ممارستها!

نعم، نحنُ نشكُّ في الحضور الإلهيّ في أعراض الخبز والخمر عندما يحتفل كاهنٌ ما بالقدّاس متجاوزًا حدودَ سلطته، ومخالفًا الحدّ الأدنى من شروط القدّاس الصحيح.

فلا ضمانة لصحّة القدّاس، لا في نيّة الكاهن ولا في تقواه، ولا في حماسة المؤمنين؛ إنّ الضمانة الحقيقيّة الوحيدة هي أي يصير الاحتفال الأسراريّ بحسب الأصول الكنسيّة شكلًا ومضمونًا.
لتوضيح الصورة نطرح بعض الأسئلة ونجيبُ عليها.

إذا صادفَ أن دُعي كاهِنٌ إلى وليمة غداء، وبوثبة تقويّة عارمة، أثناءَ تناول الطعام، أخذ الخبز وكسر وبارك وقال خذوا كلوا هذا هو جسدي، هل يصير الخبز جسد المسيح فعلاً؟

ألجواب لا! لأنّ الكنيسة لم تفوّض الكاهن صلاحيّة تقديس الخبز والخمر على الموائد، بل على مذابح مُكرّسة بشكلٍ حصريّ. وكلّ قدّاس يخرج عن هذا الإطار هو زائف!

 

إذا قامَ أحد الشمامسة، استعدادًا، للرسامة الكهنوتيّة، بالاحتفال بالقدّاس مع أصدقاء بداعي التمرّن، هل يكون القدّاس صحيحًا؟

الجواب لا! فهو ولو ارتدى اللباس الليتورجيّ، ولو احتفل بحسب الأصول، يفتقر إلى السلطان الّذي لا ينالُه إلّا بالرسامة.

إذا مضى كاهنٌ مارونيِّ، برأيِ ذاته، إلى بلدٍ آخر، من دون تفويض أسقفه، وجعل يحتفل بالقدّاس في حدود أبرشيّة أخرى من دون تفويض، هل قدّاسهُ جائز؟

طبعًا لا! فصحّة القدّاس مرتبطة باتّحاد الكاهن بأسقف يتمتّع بكمال الكهنوت.

 

من الملاحظ أنّ الكثير من الكهنة الّذينَ يمارسونَ موهبة رحلات الحجّ في الوطن وخارجهُ يمنحونَ أنفسهم سلطانَ التقديس أينما حلّوا! ومن الملاحظ أيضًا انّ الأساقفة يغضّون النظر، أي يتخلّونَ عن دورهم الّذي قبلوه في سيامتهم: أن يكون منبع السلطة الكهنوتيّة الأسراريّة لكلّ احتفال يصير في حدود أبرشيّاتهم. وهذا تجاوزٌ خطير!

 

خطيرٌ هو الكاهنُ الّذي يعتقدُ أنّه يملك سلطانًا كهنوتيًّا مطلقًا، فهو بذلك يجعل نفسَهُ سيّدًا لليتورجيا لا خادمًا لَها، ويستسهلُ الخروجَ عن طاعة الأسقف وتعاليم الكنيسة وأصول الليتورجيا بحجّة الرسالة والخير الرعويّ، وبالتالي يصبح سيّدًا وخادمًا لكهنوته الخاصّ، هو الّذي من المفترض أن يكونَ سفير الكنيسة بينَ الناسَ لا سفير ذاته!

 

صحّة الليتورجيا والأسرار لا يمكن إذًا أن تقاسَ على ضمير الكاهن المحتفل.

فالضمير ليس مرجعًا مضمونًا لأنّ حكم الضمير يختلف من إنسانٍ إلى آخر، ولا يُمكنُ للضمير أن يكونَ مصدرًا لذاته. فكما أنّ القاضي لا يُصدِرُ حكمه في قضيّة ما بما يُرضي مصلحتَه أو عاطفتَهُ بل بما يتوافق مع أحكام القانون، كذلك لا يجوزُ للكاهنِ أن يكتفيَ بحكم ضميره لتبرير ما يمارسُهُ، بل عليه بالأحرى أن يستندَ في حكم ضميره إلى مرجعٍ ثابتٍ واثقٍ خارجٍ عنهُ هو تعليم الكنيسة وتقليدها وتوجيهاتها.

 

كختامٍ لهذا التعليم المختصر السريع، أدعو إخوتي الكهنة، إنطلاقًا من تعهّدهم الكهنوتيّ يوم السيامة بحفظ قوانين الكنيسة واحترامه، وانطلاقًا من قداسة العمل الليتورجية السميا وكرامته ودوره في تقديس المؤمنين، وانطلاقًا من صوت الكنيسة الّذي هو وحده الضمانة للخير الروحيّ، أنْ يتخلّوا طوعًا عن موضة القدّاسات الخاصّة، بما فيها “قدّاسات الشبيبة” و”قدّاسات الأطفال” وقدّاسات البيكنيك” بمفهومها الشائع، فالقدّاس واحدٌ لا يتجزّأ… عوضَ ذلكَ فلندعُ الأطفالَ والشباب ونعلّمهم أن يعيشوا ليتورجيا الكنيسة كما بلغت إلينا من آبائنا ومن قدّيسنا، ونذكّرهم أنّ الليتورجيا تعاشُ ولا تُفبرك، أنّ الليتورجيا هي هبة الله عبر الكنيسة لأبناء الإيمان، وليست برنامجًا يعدّه الكاهن ولا الجماعة…
عندما تفقدُ الليتورجيا مصدرها الإلهيّ والكنسيّ لتصبح أنتاجًا محلّيًّا، فهذا يعني أنّها تشكّل قطيعة مع تاريخ الكنيسة عوضًا عن أن تكون اتحادًا بحياتها.

عندما تفقدُ الليتورجيا مصدرها الإلهيّ ومصدرها الكنسيّ، لتصبح فبركة ارتجاليّة، تفقد فعاليّتها وقوّتها الخلاصيّة، وتسقطُ في فخّ المسرحة والتقويّات الجوفاء والتسلية الدينيّة.
علينا أن نعلّم شبيبتنا أن يحبّوا ما تقدّمه الكنيسة، لا أن يرغبوا دائمًا في استبداله بما يناسبُ رغباتهم ويتماشى مع روح العالم! فنجاح القدّاس لا يرتبطُ بعدد المشاركين، بل بالقدر الّذي يبلغ به المشاركون الاتّحاد بالمسيح.

في قدّاس شربل، لم يكن هناك عادةً أكثر من أربعة أشخاص أو خمسة، وممّا لا شكّ فيه أنّهم تقدّموا كثيرًا في الحياة الروحيّة، وما قداسة شربل إلاّ البرهان الأصدق.

علينا أن نتذكّر أن غاية القدّاس هي الله، وهو محوره وهو العامل الأوّل فيه. وإذا لم يكن حضور الجماعة متمحورًا حول وجود الله فلا داعيَ للقدّاس.

 

هل يمكننا بعد هذا أن نحتفلُ بقدّاس على قياس بيكنيك على الثلج؟ أو أن نحتفل بقدّاس في إطار يومٍ استجماميّ على الشاطئ يوم الأحد، فنكون قد اصطدنا عصفورين بحجر واحد: السباحة والتسبيح؟

جواب الكنيسة واضح، جواب القدّيسين واضح وجوابُ التقليد المقدّس واضح…

ما ينقصُ هو أنْ يكونَ جوابنا واضحًا ومطابقًا لجواب الكنيسة!

 

وأخيرًا لا يدّعينّ أحدٌ أن الصلوات تكونُ أفضل حينَ يبتكِرُها أصحابُها، ونتذكَر أنّ الرسل سألوا المسيح قائلين: يا ربّ، علّمنا أن نصلّي!

 

 

 

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مشاركة
تعليق
أليتيا Top 10
  1. الأكثر قراءة
    |
    الأكثر مشاركة
  2. ما كتبه ترامب على تويتر عن لقائه بالبابا كان يبدو للبعض من المستحيلات!!! وقبل الوداع قال ترامب للبابا “لن أنسى ما قلته لي”!!!! ولكن ماذا قال البابا لترامب؟؟؟

  3. لماذا غطّت ميلانيا ترامب رأسها في الفاتيكان وكشفته في السعودية؟

  4. اهدموا كنائس الكفار!!! …ما كتبته الإعلامية المصرية ياسمين الخطيب بعد تفجير الكنيستين في مصر يصلح اليوم بعد استهداف باصات قبطية وقتل العشرات

  5. أعمى… ويرى للمرة الأولى في حياته زوجته وابنه… ردة فعله في الدقيقة ٤:٤٢ من الفيديو صادمة للقلب- المشهد فعلاً مؤثر ومبكي

  6. بابا الأقباط تبرّع ببناء جامع… فأتاه الردّ بقتل عشرات الأقباط منذ قليل

  7. اهدموا كنائس الكفار!!! …ما كتبته الإعلامية المصرية ياسمين الخطيب بعد تفجير الكنيستين في مصر يصلح اليوم بعد استهداف باصات قبطية وقتل العشرات

  8. بصوتها الملائكي وعزفها على آلة القانون التي تعود إلى 5000 عام قبل الميلاد قدّمت الأخت مانكا ترنيمة “يا روح المسيح” باللّغة الإيطاليّة

  9. كنز خفي تحت الأرض في تركيا عمره 1500 سنة!

  10. سيّدة أمريكا الأولى تتوقف أمام تمثال لسيدة العجائب راسمةً إشارة الصليب

  11. ٢٠طريقة بسيطة تساعد على خفض خطر الإصابة بالسرطان

المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً