أليتيا

ماذا لو كان كل الحاضرين في القداس مشغولين بالحكم على الآخرين؟

George Martell/Pilot Media CC
مشاركة
روما/ أليتيا (aleteia.org/ar) – حضرت إلى القداس امرأة شابة تدفع عربة أطفال مزدوجة، فيها ثلاثة أطفال صغار جداً. كان في العربة فتاتين توأمين واحدة في الأمام و واحدة في الخلف.

و يبدو أنهما لم تتجاوزا ال18 شهراً من العمر. إضافة إلى فتاة تكبرهما بالعمر قليلاً تركب في الجزء الخلفي من العربة. و إلى جوار الأم تسير طفلتها الرابعة التي تبلغ من العمر حوالي 6 سنوات.

وجدت العائلة مكاناً في الجزء الخلفي من الكنيسة، في مقاعد خلف صف المقاعد الرئيسي.

غالباً ما يجلس في هذه المقاعد المنفصلة ما نسميه “المهمشين”. يجلس شاب مصاب بمتلازمة توريت في ذلك القسم بشكل دائم، و هو المكان الذي اعتدنا الجلوس فيه، كل أسبوع – إلى جانب مجموعة من رواد الكنيسة – لأن ابننا تومي المصاب بالتوحد قد يصاب بالتوتر بسبب الازدحام.

مع بدء القداس نظرت إلى العائلة و تفحصتها، و قد دهشت. فالأطفال الأربعة يحسنون التصرف. يجلسون بصمت في العربة، أو على المقعد، و يبدو أنهم يفهمون قدسية هذه المناسبة.

ثم لاحظت أن الفتاة في المقعد الأمامي للعربة لا ترتدي حذاءً. و قد كان هذا في منتصف شهر تشرين الأول. فتعجبت و بدأت بالحكم على المرأة. أم سيئة لا تلبس صغارها الأحذية.

لم أستطع منع نفسي من التحديق بهم. عندما كان تومي صغيراً كنت أحاول دائماً أن أترك انطباعاً جيداً: حذاءه ملمّع، ثيابه مناسبة، و شعره مرتب و وجهه نظيف.

و بينما واصلت إيلاء انتباهي لهذه الأم المهملة أكثر من القداس، تذكرت إحدى المرات التي كنت فيها في المتجر مع تومي. كان يبلغ من العمر وقتها حوالي 10 أشهر و الجو بارداً للغاية و أنفه يسيل بغزارة. و لم أكن أملك منديلاً. فنظرت لي إحدى الموظفات في المتجر نظرة قذرة، و شعرت و كأني أستطيع قراءة أفكارها: كيف يمكن أن أدع المخاط يسيل على وجه طفلي هكذا؟ لمَ لم أذهب إلى الحمام و أستخدم محارم الحمام لحل المشكلة؟ أم سيئة، لا تمسح أنف طفلها.

من السهل جداً أن نحكم على الآخرين. و حين نطلق أحكامنا ننسى كم أن الحياة قاسية في بعض الأحيان، و كيف أن لا أحد منا يستطيع السيطرة على كل شيء في كل لحظة من اليوم.

و عندما حان وقت القربان رأيت الأم تلبس الطفلة حذاء وردي اللون جميل نظيف، و أدركت أن الطفلة أرادت خلع الحذاء. و هذه الأم الحريصة تلبس طفلتها الحذاء من جديد.

فتعلمت درسي هذا الأسبوع. لا تحكم على الآخرين.

في الأسبوع التالي رأيت المرأة مرة أخرى. و هذه المرة كان الأطفال يرتدون منامة وردية كاملة مع القدمين. و بدلاً من النظر إلى هذه المجموعة، ابتسمت و اعترفت لنفسي بجرأة هذه المرأة. لم تهتم بم سيقوله رواد الكنيسة الأعزاء عنها و عن أطفالها، و لم ترد سوى حضور القداس.

و قد أحببت هذه المرأة حقاً. فبالرغم من شعر الأطفال غير المرتب، لم يصدر أياً منهم أي صوت.

و أنا الآن أطلق أحكامي، إنها أم عظيمة.

ثم رأيتها. السيدة المسنة في المقعد الذي أمامنا. كانت ثيابها أنيقة، و زينتها موضوعة بعناية، و لم تكفّ عن التحديق بالسيدة و أطفالها و العربة الضخمة. تحدق و تهز برأسها باحتقار و تطلق أحكامها.

و هكذا بدأت بالحكم عليها أيضاً. هل نسيت هذه السيدة كم أن تربية الأولاد صعبة، فكيف هي الحال مع 4 أطفال؟ ألم تكن أمّاً في السابق؟

و بدأت بهز رأسي أيضاً فقد كان هذا يقودني إلى الجنون. فهي لم تتوقف عن النظر إلى تلك العائلة و إطلاق الأحكام. و أنا بدوري لم أستطع أن أتوقف عن التحديق إليها و الحكم عليها.

ثم أدركت أن: إصدار الأحكام دائرة خطيرة و فظيعة.

كنت أعلم أن هناك أحد ما في المقعد الآخر لم يستطع أن يتوقف عن الحكم عليّ – و يلاحظ أني لم أستطع التوقف عن التحديق في المرأة المسنة، و هي تحدق بالأم الشابة.

كان علي أن ألين قلبي. ليس لدي الحق في الحكم على السيدة التي تحدق. فلديها أسبابها، و لدي أسبابي. و كلينا لم نركز على ما هو مهم.

بعد القداس رأيت السيدة صاحبة العربة و قلت لها:”إنني معجبة بإحضارك لأطفالك إلى القداس”.
و قالت:”شكراً لك. إنهم يحسنون التصرف. فلم لا أحضرهم”. و ذهبَت. من الواضح أنها لم تكن بحاجة لموافقتي.

الدرس الذي تعلمته؟ إننا نقابل في الحياة أفراداً أو مجموعات من الناس يختلفون قليلاً عما نحن معتادون عليه.
و يقول لنا الله أن نحبهم كما نحب أنفسنا. حتى عندما ندرك أن بعض من علينا أن نحبهم، لا يحبون الآخرين على الإطلاق.

إننا جميعاً مشتركون في هذا.
أشكر الله على هذا الوحي. فقد ساعدني في تخطي يومي.

العودة إلى الصفحة الرئيسية

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

النشرة
تسلم Aleteia يومياً