أخبار حياتية لزوادتك اليومية
تسجل في نشرة أليتيا! أفضل مقالاتنا يومياً ومجاناً
تسجل

لست مستعداً للتبرع؟

إليك خمس طرق يمكنك أن تساعد أليتيا من خلالها

  1. صلي من اجل فريقنا ونجاح مهمتنا
  2. تحدث عن أليتيا في رعيتك
  3. تقاسم مضمون أليتيا مع أصدقائك
  4. أوقف الـ ad blockers عندما تقرأ أليتيا
  5. تسجل في نشرتنا المجانية واقرأ المقالات يومياً

شكراً!
فريق أليتيا

تسجل

أليتيا

من كان المتنورون؟

مشاركة
روما / أليتيا (aleteia.org/ar) – لم يكن المتنورون الذين ألفت عنهم كل الأساطير لاحقاً والذين يظهرون اليوم في أفلام وروايات كتلك التي ألفها دان براون يشكلون أي منظمة سرية أو نافذة، بل هم مجموعة نشأت في بافاريا سنة 1776. لم يكونوا موجودين في القدم، ولم يستمر وجودهم أبعد من القرن الثامن عشر. أما مجموعات القرن العشرين التي استخدمت اسمهم فقد ابتكرت حديثاً ولا تمت بصلة إلى الجماعة الأصلية.

قبل سرد قصتهم، نوضح أن هناك لغطاً في المصطلحات. فالكلمة الفرنسية Iluminisme كانت تحمل معنى ازدرائياً للإشارة إلى أشكال التصوف الكاثوليكي أو البروتستانتي. وفي القرن الثامن عشر، شملت تيارات العلوم الخفية المرتبطة بمعظمها بمحافل ماسونية، مشيرة دوماً إلى قضايا سحرية-خفية أو صوفية. وما تُرجم أحياناً بشكل خاطئ إلى الإسبانية كـ Iluminismo هو Les Lumieres التي تشير إلى الفلسفات العقلانية والتجريبية في القرن الثامن عشر. لكن الأمر المؤكد هو أن Iluminisme وLes Lumieres تعايشا في المنظمات والأذهان عينها في القرن الثامن عشر. هنا، نذكر أن متنوري بافاريا هم مثال عن هذا التعايش بين العقلانية المعارضة للكثلكة والصوفية المتعلقة بعلم الغيب.

 

الأصل

إن القرن الثامن عشر الأوروبي الذي شهد طبقة حاكمة كانت تغريها التيارات الفلسفية الجديدة وتشعر باستياء شديد تجاه المسيحية، أثار اهتماماً بالسحر واستحضار الأرواح والخيمياء وعلوم الغيب.

بدأت القصة كلها مع أستاذ الحقوق الشاب والمتألق آدم وايسهاوبت (1748-1830) الذي نسب كل الاضطهادات والانتقادات التي كان يتلقاها في مهنته الفكرية اللامعة إلى مؤامرة من اليسوعيين. لم ترق له الماسونية التي كانوا ينصحونه بها للحصول على النفوذ والحماية. وعندما تلقى تشجيعاً من أحد طلابه الذي ألهمه بحديثه عن الجمعيات السرية، جمع في مكتبه ثلاثة طلاب في الأول من مايو 1776 لتأسيس تنظيم “المتنورين”. رغم وجود خمسة أعضاء فقط، قُسّم إلى درجات. من بين هؤلاء الأعضاء، نذكر أنتون فون ماسينهاوسن (1758-1815) الذي انتقل إلى جامعة ميونيخ وحشد أعضاء جدد. سنة 1777، ضمّ التنظيم سبعة وعشرين عضواً كان معظمهم طلاباً مراهقين.

على الرغم من انتقادات وايسهاوبت للماسونية، إلا أنه أنشأ نظاماً تلقينياً في احتفالات تذكّر بدرجات المحافل الماسونية.

 

في العلن، اقترح تحسين أعضائه على الصعيد الأخلاقي، لكن الغاية السرية كانت تتمثل في نشر أفكار “التنوير” بالإضافة إلى مواجهة الكنيسة الكاثوليكية. وتأرجحت مؤلفاته بين الربوبية والإلحاد.

قبِل وايسهاوبت بدعة فكرية حملها مستشرقون إلى ألمانيا هي الديانة الزرادشتية. اعتبرت أقدم ديانة في العالم، لكن الأمر ليس مؤكداً، وقيل أن أصل المتنورين يرقى إلى سنة 632 بعد الميلاد. في وقت لاحق، تخلى وايسهاوبت عن القضية سنة 1777 من دون علم رفاقه لكي يُقبَل في محفل ماسوني في ميونيخ. وسنة 1779، حث متنوري ميونيخ على طلب إذن من محفل في برلين بهدف إنشاء محفل ماسوني جديد في العاصمة البافارية.

بدوره، تحول البارون أدولف فرانز لودفيك فون نيغ (1752-1796) إلى الشخصية الحاسمة من أجل نجاح التنظيم، لأنه هو الذي أعطاه شكله الماسوني النهائي. كان نبيلاً قلقاً اقتنع أنه وجد الحراس الحقيقيين لجميع الأسرار عندما التقى في يناير 1780 بالمتنورين الذين كانوا يتفاخرون بأن أصولهم عريقة وبأنه لديهم شبكة دولية.

 

المرحلة الماسونية (1780-1784)

صنع نيغ بنية نظرية عظيمة ذات طابع ماسوني مع احتفالات ودرجات خاصة، وجوانب “تاريخية” وعقائدية من أجل إطلاقها في درجات دنيا، ما خلق حول التنظيم هالة من اللغز والخفاء لم يحلم بها أبداً. وإذا كانت ماسونية التقيد الصارم تدّعي بأن فرسان الهيكل هم أسلاف، فإن نيغ ووايسهاوبت أكدا أن المتنورين يرقون إلى نوح. وقد قال نيغ أن المسيحيين كانوا متنورين “قبل فساد الأحبار العظام الرومان”.

وفي رسالة خاصة، اعترف وايسهاوبت بأنه “لم يكن بوسعه إلا أن يضحك” عندما كان يقرأ الأصول الخيالية للمتنورين كما عُرضت على الدرجات الدنيا. ففي الدرجات الأولى، تُمدَح المسيحية وصلاحها، ولكن في درجتي الكاهن ووصي العرش، تسقط الستارة وتُقدّم الربوبية كديانة ضمن حدود العقل، ترفض خلود الروح وتقلص الله إلى مفهوم مجرد غامض.

ميّز العنصر السياسي المتنورين عن الأنظمة الماسونية الألمانية الأخرى. فقد كانوا معارضين للمَلَكية وميالين إلى النظام الجمهوري والديمقراطي، لكنهم لم يفكروا بثورة، بل بتغلل بطيء في السلطة.

وبلغ التنظيم ذروته سنة 1784 إذ ضم حوالي 2500 عضواً توزعوا في ألمانيا وسويسرا وبولندا ودول البلطيق وكل الامبراطورية النمساوية المجرية تقريباً. جنّد نيغ كثيرين، ومن بين الأتباع الجدد، كان هناك أمراء ووزراء وشخصيات رفيعة المستوى، الأمر الذي عقّد وصولهم إلى الدرجات العليا حيث تُعلَّم حياكة المؤامرات ضد الأمراء أنفسهم.

 

الاضطهاد (1784-1788)

لم تكن أفكار الثورة الثقافية ضد العرش والمذبح سرية جداً، وبدأ الاضطهاد. وكانت الصراعات الماسونية الداخلية هي التي أطلقت الأمراء والشرطة ضد المتنورين. ففي يوليو 1784، مُنعت في بافاريا كل الجمعيات والمجتمعات السرية غير المرخص لها من قبل الحكومة. وفي ذلك السياق، بدأ صدور الشكاوى من قبل أعضاء سابقين ضد المتنورين، فكانت تُسلَّم قوائم بأسماء الأعضاء وتُعطى معلومات دقيقة عن أعمالهم. وبدأت الاعتقالات الأولى سنة 1785.

هرب وايسهاوبت إلى ريغنسبرغ من الشرطة البافارية، وخرج نيغ من التنظيم مستأنفاً حياته في إمارة بروتستانتية. لكن أقسى اللحظات شهدتها سنة 1786 عندما عثرت الشرطة على توثيق موسّع عن المتنورين وأصلهم وأعضائهم ومعلومات جديدة لم تكن تملكها سابقاً. صودرت رسائل ومجموعات من الدفاتر والتعليمات الخاصة بالتنظيم، من بينها تفاصيل لصنع عطور سامة وأختام مزيفة. هكذا، نشرت في ميونيخ سنة 1787 أربعمئة صفحة من مؤلفات المتنورين تركت انطباعاً كبيراً في ألمانيا والخارج.

 

وخلافاً لما يروي البعض، لم يكن ما يسمى بـ “استشهاد” المتنورين دموياً. فالعدالة البافارية لا تحكم بالموت على أحد، باستثناء تنظيم المتنورين في بافاريا. وقد أصدرت المؤلفات الأصلية ناشرة جميع الوثائق وعارضة إياها أمام الحكومات الأوروبية كلها.

هكذا، أصبحت المحافل خارج بافاريا غير فاعلة وسارت نحو الزوال. من جهته، انتقل المؤسس وايسهاوبت إلى غوتا، واستمر في كتابة مؤلفات فلسفية لم يكن أحد قد قرأها بعد. وفي نهاية حياته، تصالح مع الكنيسة الكاثوليكية ووضع نفسه في خدمة بناء كنيسة من أجل الأقلية الكاثوليكية في غوتا. رفعت عنه الكنيسة الحرمَ وحلّته من أحكام سابقة على الرغم من الشكوك في “اهتدائه” الفعلي. توفي منسياً سنة 1830.

بعد زوال المتنورين، عاشت أسطورتهم. فأعلن أليساندرو دي كاليوسترو الذي اعتقل في روما سنة 1790 أنه لُقّن مبادئ المتنورين ورأى كنوزهم. وأشارت الصحف في تلك الحقبة إلى كاليوسترو كرئيس المتنورين، لكن هذا المغامر الإيطالي لم يظهر أبداً في الوثائق الألمانية. إنه محض خيال شكّل مادة لأليخاندرو دوماس لكتابة رواية من خمسة مجلدات وأفلام منها “سر القلادة” (2001) الذي يعرف عن كاليوسترو كـ “السيد الأعظم” للمتنورين.

هكذا، بدأ كثيرون في أواخر القرن الثامن عشر يؤلفون قصصاً عن تلقيهم مبادئ المتنورين منهم كونت ميرابو، دانتون، ديمولان ومارا في فرنسا. وفي الولايات المتحدة، لا يزال مكوّن المتنورين حياً حتى يومنا هذا في الأساطير المعارضة للماسونية. وهناك أساطير عن دخول التنظيم في صفوف المعارضة لجيفرسون، وعن اغتيال التنظيم لجورج واشنطن.

وعلى الرغم من دفن جميع المتنورين سنة 1793، امتدّ وجودهم في خيال مؤامرات ماسونية لا تحصى.

 

إعادة ظهور المتنورين في القرن العشرين

نشأت منظمة متعلقة بعلوم الغيب لم يكن لديها أي صلة نَسَبية بجماعة المتنورين الأصلية. هذه “الصحوة” الغيبية عززها ليوبوند إنغيل (1858-1931) الذي كان يؤكد تلقيه إيحاءات داخلية، وتيودور روس (1855-1923) الذي كان يرتبط بالعلوم الغيبية بكل أشكالها، ويبني علاقات مع المجتمع التيوصوفي، والذي ازدهر دجله الصوفي في أوروبا في تلك الحقبة.

 

بدأ كلاهما باستخدام الأحرف الأولى من اسم “تنظيم المتنورين” سنة 1896، وألفا المزيد من القصص الأسطورية عن التنظيم. وأنشأ إنغيل “رابطة عالمية للمتنورين” سنة 1926 في زيوريخ إلى أن أصبحت غير فاعلة عندما دعا هتلر إلى حلّ الماسونية وكافة المجتمعات شبه الماسونية.

لا بد من الإشارة إلى أن الجماعات التي تطلق على نفسها حالياً اسم “المتنورين” ترتبط بهذه الحركة الأخيرة ذات الطابع الغنوصي الغيبي التي ابتكرت في القرن العشرين أكثر منه بمتنوري بافاريا الحقيقيين.

الخاتمة

لم يكن التنوير تنظيماً مهماً بل إحدى الجماعات شبه الماسونية الألمانية الكثيرة التي ازدهرت في سياق زاخر بالمنافسين. حالياً، توجد بعض المحافل التي تحمل اسمه، وإنما ليس أكثر.

في هذا الصدد، كتب المتخصص ماسيمو إنتروفيغني الذي لخصنا بحثه المفصّل: “المتنورون ليسوا اختراع الروائيين ولا تنظيماً قوياً ترقى أصوله إلى النهضة. كما أنه لم يشمل في صفوفه أفضل عباقرة العلم والفن. إنهم تعبير نموذجي عن “التيار الساخن” المهتم بالسحر وعلوم الغيب، وبالعالم المرتبط بالماسونية. إنه فصيل أدى في القرن الثامن عشر دوراً سياسياً في بافاريا في السنوات السابقة للثورة الفرنسية”.

حالياً، يستمر كثيرون في تغذية أسطورة المؤامرة ونظرياتها في كتب ومواقع على الإنترنت وأفلام ووثائقيات مزيفة. من بين هذه القصص عن نخبةٍ تحكم العالم وتطاردنا سرياً، يبدو المتنورون المزعومون أعداءً نافذين إلى جانب وكالة الاستخبارات المركزية والفاتيكان والصهيونية والماسونية والكائنات الفضائية. تحقق هذه الروايات نسبة مبيعات مرتفعة، لكن ليس لديها أي أساس فعلي.

 

العودة إلى الصفحة الرئيسية

النشرة
تسلم Aleteia يومياً
يساهم القراء مثلكم في إنجاح رسالة أليتيا

منذ انطلاق موقع اليتيا عام ٢٠١٢،  زاد عدد قرّاء أليتيا بشكل كبير في العالم أجمع. نحن ملتزمون بمهمة توفير مقالات تغني، تلهم وتخبر عن الحياة المسيحية.  لهذا نريد أن تكون مقالاتنا متاحة للجميع بشكل مجاني، لكننا بحاجة إلى مساعدتكم. إنّ جودة الصحافة مكلفة (غالباً أكثر ممّا تغطّيه الإعلانات). يمكن أن يحدث قراء مثلكم فارقاً كبيراً من خلال التبرّع بـ ٣ دولارات بالشهر.