Aleteia logoAleteia logo
Aleteia
السبت 31 أكتوبر
home iconنمط حياة
line break icon

هل توجدُ حالات يُقبل فيها القتلُ الرحيم؟

public domain

أليتيا - تم النشر في 07/10/15

ترافقُ الكنيسة باهتمامٍ كبير المرضى الميؤوس من شفائهم وعوائلهم.

أليتيا (aleteia.org/ar) – تتكونُ طلباتُ القتل الرحيم من جوانب عدّة لا تهملها الكنيسة: فمن جهة المرضى، نتكلمُ بالدرجة الأولى عن معاناة وعزلة. ومن جهة العوائل، فالطلبات أكثر تعقيدًا: فهناك سوء فهم لطلب المريض، صعوبات تجاه معاناة شخصٍ قريب وتعب من المسؤولية، والتي تؤثر جميعها على طلب المريض للقتل الرحيم، ترافقه أحيانًا مشاكل اقتصادية. ومن جهة السياسيين، تدخل مشاكل اقتصادية، حيث أصبح الحفاظ على حياة بعض المرضى مكلفًا.

القتل الرحيم هو الموت المتعمد لشخصٍ في خطر. وهو فعلٌ إرادي أو إهمال، بطبيعته أو بهدف إلغاء أيّ ألم، ترفضه الكنيسة تمامًا.
لابدّ أن نعرّف جيدًا ما هو وما ليس هو القتل الرحيم. وقد عرّفه البابا يوحنّا بولس الثاني هكذا: “كل عمل أو كل إهمال يؤدّي إلى الموت، بذاته أو بالنيّة، بهدف إلغاء كل ألم” (إنجيل الحياة، عدد 65). ليس القتل الرحيم موتًا عرضيًا يأتي نتيجة إعطاء المريض جرعة زائدة من المسكّنات في محاولة من الطبيب لتخفيف ألمه. ويلغي هذا المفهوم “الألم غير المحتمل” الذي يتكلم عنه المؤيدون للقتل الرحيم. وليس هو الموتُ المرتبط بـ”الوسائل الخارقة” التي تكلم عنها البابا بيوس الثاني عشر (أي الإنعاش في أغلب الحالات). فليس “إنسانيًا” إطالة العلاج بناءً على حججٍ خطيرة دون أمل. يُميّز أحيانًا بين القتل الرحيم الفعّال – والذي ينتج عن فعل إيجابي (بالحقن القاتلة غالبًا) – والقتل الرحيم السلبي، والذي ينتج عن إهمال يؤدي إلى الموت. ولكنّ الكنيسة لا تعترف بهذا التمييز. ما يشكّل الشرّ المتأصل في القتل الرحيم هو قبل كلّ شيء النيّة في التسبب بالوفاة. وعلى هذه النيّة أن تُعبّر بفعل إيجابي أو عن إهمال، فلهذا أهمية ثانوية. وهذا ما يؤكده البابا يوحنّا بولس الثاني في رسالته الرسولية “إنجيل الحياة”: “كل نيّة تتعمّد الإجهاز على حياة بشرية بريئة هي دوماً عمل سيءٌ من الناحية الأدبية، ولا يمكن قط تسويغها لا كهدف ولا كوسيلة لهدف جيّد” (عدد 57). وهذا لا يمنع أن تكون بعض صيغ القتل الرحيم أخطر من غيرها. ويميّز البابا يوحنّا بولس الثاني أنواعًا من الخطورة (إنجيل الحياة، عدد 66). “حتى وإن لم يكن السبب هو الرفض الأناني لتحمّل أعباء حياة المريض المتألّم، يجب القول في القتل الرحيم إنه ضرب من “الشفقة الزائفة”، لا بل إنه “انحراف” مقلق لمعنى الشفقة: ولا غرو “فالرحمة” الحقيقية تقوم على التضامن مع عذاب الغير، ولكنها لا تميت من لا نقوى على تحمل عذابه”. “ويمسي اللجوء إلى القتل الرحيم أشد خطورة عندما يمارسه آخرون في حق إنسانٍ لم يطلب منهم ذلك البتّة، ولم يوافق قط عليه”. “وأمّا ذروة التحكّم والظلم ففي ما يدَّعيه البعض، من أطباء ومشترعين، من سلطة التقرير في من يجب أن يعيش ومن يجب أن يموت”.
لا تبرر “حرية اختيار” المريض القتلَ الرحيم. ولرفض هذا الحقّ، تعتمد الكنيسة على قيمة الحياة البشرية المقدسة والتي لا يمكن التلاعب بها.
وعلى أساس هذا المبدأ، وكما هو الحال مع “حقّ الانتحار”، قد يوجدُ “حقّ الانتحار بمساعدة أحد”. ولا تعترف الكنيسة أبدًا بهذه الحقوق المزعومة. وهذا ما ذكرته الكنيسة عدّة مرات في تعليمها: “إنّ الموت الإرادي، أي الانتحار، غير مقبول مثل القتل: ففعلٌ كهذا يعني رفض الإنسان لسيادة الله ولمخطط محبته. كما أنّه رفضٌ لحبّ الذات، إنكار للتطلع الطبيعي نحو الحياة، تنازل عن واجبات العدالة والمحبة تجاه القريب ومختلف الجماعات والمجتمع بأكمله، على الرغم من تدخّل عوامل نفسية في بعض الأحيان – كما نعلم – والتي قد تخفف لا بل قد تزيل المسؤولية” (مجمع العقيدة والإيمان، بيان عن القتل الرحيم، 1980). “إنّ مشاركة شخصٍ آخر في نيّته على الانتحار ومساعدته على تحقيقه، وهو ما يُسمّى بالمساعدة على الانتحار، يعني التواطؤ وأحيانًا الضلوع المباشر بفعلةٍ لا يمكن قط تبريرها وإن جاء ذلك استجابة لطلب” (يوحنّا بولس الثاني، إنجيل الحياة، عدد 66). وكما توضع الأخلاق في خدمة الحياة الإنسانية، فكلّ أخلاق تدّعي خدمة الإنسان وتدمّر حياته، ستقع في النهاية في خلطٍ خطير.
لا يبرّرُ الألمُ الموتَ المتعمّد لإنسانٍ ما. وبالنسبة للكنيسة، يحرّضُ الألم القاسي على أعمال الشفقة وتخفيف معاناة المريض، وليس قتله على الأطلاق.
وتدرك الكنيسة أنّ “الموت الذي تسبقه أو ترافقه آلامٌ قاسية أو طويلة، يبقى حدثًا من الطبيعي أن يُقلق قلبَ الإنسان” (مجمع العقيدة والإيمان، بيان عن القتل الرحيم). “بحسب العقيدة المسيحية، يتّخذ الألم، وعلى الخصوص في اللحظات الأخيرة من الحياة، معنىً خاصًّا في مخطط الله الخلاصي. فهو في الحقيقة مشاركة في آلام المسيح ووحدة في تضحيته الخلاصية التي قدّمها في الطاعة لله الآب. ولذلك لا يجب أن نندهش إذا أراد بعضُ المسيحيين التوقف عن استخدام المسكنات ليقبلوا بإرادتهم جزءًا من آلامهم، وينضمّوا هكذا وبطريقةٍ واعية إلى آلام المسيح المصلوب (راجع متّى 27، 34). ومع ذلك، ليس من الحكمة أن نفرض سلوكًا بطوليًا معينًا على الجميع ونجعله صيغةً عامّة. على العكس، توصي الحكمة الإنسانية والمسيحية على أغلبية المرضى استخدامَ الأدوية التي تقلل أو تمحي الألم، وإن نتج عنها تأثيراتٍ جانبية مثل الخدر وغيره” (مجمع العقيدة والإيمان، بيان في القتل الرحيم). إن الرعاية التي تخفف من الألم، والتي تتكون في المقام الأول من المسكنات والمرافقة، هي الإجابة الأفضل على طلب القتل الرحيم من جانب المريض المحتضر الذي يتألم. ويُلاحظ تغييرٌ في موقف المرضى الذين يطلبون القتل الرحيم من اللحظة التي يحصلون فيها على عنايةٍ مناسبة ولا يبقون لوحدهم. من جانب آخر، تلعبُ آلامُ الحالة المعنوية دورًا مهمًا في طلب القتل الرحيم. “فالمريض الذي يشعر بأنّه محاطٌ بحضور محب، إنساني ومسيحي، لا يقعُ في إحباط وكآبة مَن يشعر بأنّه متروك لمصير الألم والموت، فيطلب نتيجة لذلك إنهاءَ حياته. ولهذا، القتلُ الرحيم هزيمةٌ لمن يتصوره ويقرره ويمارسه” (ميثاق الموظفين الصحيين، عدد 149). ولهذا السبب، تحثّ الكنيسة على تبديل أماكن المحتضرين إلى حيث يمكنهم الشعور بالمحبة والمرافقة. كما يعبرُ المريض المحتضر عدّة مراحل نفسية، أوّلها هي أكثرُهُا كآبةً، وآخرُها أكثرُها هدوءًا. وقد يمنعُ القتلُ الرحيم الإنسان من الدخول في المراحل الأكثر إيجابيةُ التي تسبق الموت.
إنّ رفضَ علاجاتٍ معينة يُعتبر من حقوق المريض. وبالنسبة للكنيسة، يقعُ على كلِّ واحدٍ واجب أن يتعالج ويحصل على العلاج. لكنّ رفض الوسائل العلاجية غير العادية لا يتناقض مع هذا الواجب.
هل يجبُ استخدام جميع الطرق العلاجية المتواجدة؟ على هذا السؤال تجيب الكنيسة تقليديًا بأنّ الناس غير مجبرين على استخدام الوسائل “غير العادية” (ميثاق العامليين الصحيين، عدد 149). صحيحٌ أنّ تنوّع وتعقيد التقنيات الطبية تجعلُ من الصعب تمييز التقنيات العادية عن تلك غير العاديةولهذا، من الضروري “تقييم الوسائل المستعملة بالمقارنة مع نوع العلاج، درجة الصعوبة والخطر، المصاريف الضرورية، إمكانية الاستخدام، النتائج المتوقعة، مع الأخذ بالاعتبار ظروف المريض وقواه الجسدية والمعنوية”. لتسهيل تطبيق هذه المبادئ العامّة، حدد مجمع العقيدة والإيمان هذه المبادئ: – في حالة عدم وجود علاجاتٍ أخرى، يجوزُ اللجوء، بموافقة المريض، إلى الوسائل المتوفرة من الأدوية المتقدمة، حتّى لو كانت في طور التجربة وليست خالية من بعض الاخطار (…). – يجوز أيضًا وقف استخدام هذه الوسائل، عندما تحبط النتائجُ الآمالَ المتوخاة منها (…) – يجوزُ دومًا الاكتفاء بالوسائل الاعتيادية التي يمكن للأدوية أن تقدّمها. ولذلك لا يمكن إجبار أيّ أحد على الالتجاء إلى نوع من العلاج والذي، لكونه في طور الاستخدام، ليس خاليًا من المخاطر أو قد يكون مكلفًا للغاية. رفضُهُ لا يعني الانتحار، بل قبول الضعف البشري ببساطة، أو قد يعني أيضًا الرغبة في الامتناع عن وضع جهاز طبي غير مناسب مقارنةً بالنتائج التي يؤمّل الحصول عليها منه، أو الرغبة في عدم فرض تكاليف باهظة على العائلة أو الجماعة. – في حالة اقتراب موتٍ لا مفرّ منه، على الرغم من الوسائل المستخدمة، يجوزُ بحكم الضمير اتّخاذ قرار التنازل عن العلاجات التي لا تؤمن سوى إطالةٍ مرهقة للحياة، دون قطع العلاجات الاعتيادية التي يحتاجها المريض في حالات مماثلة” (مجمع العقيدة والإيمان، إعلان عن القتل الرحيم). ومن الجدير بالذكر إن اعطاء الماء والغذاء في العلاجات الطبيعية يعتبرُ من حق المريض.
لابدّ من التمييز بين قرار التنازل هذا وبين ما يُسمّى “العلاج الضاري”، أي العمليات الطبية التي لا تعود بفائدة لوضع المريض كونها لا تناسبه من بعد.
إنّ رفض العلاجات الضارية “تعبيرٌ عن الاحترام الذي يستحقه المريض في كلّ لحظة” (حديث البابا يوحنّا بولس الثاني في المؤتمر العالمي العشرين للمجلس الحبري لراعوية الموظفين الصحيين، 12 نوفمبر 2004، عدد 4). غالبًا ما يفقدُ المريض في المستشفى اتصاله بعائلته. ويخضع لنوعٍ من التكنولوجيا التي تمسّ كرامته. وبالتالي، يكونُ قرارُ عدم البدء أو توقيف العلاج صحيحًا وأخلاقيًا إذا ثبت عدم فعّاليته لتحقيق هدف الحفاظ على الحياة أو استعادة الصحّة. ولذلك عندما تدافع الكنيسة عن قدسية حياة المحتضرين، فإنّها لا تتبع أي شكلٍ من أشكال الحكم المطلق للحياة الجسدية، بل تعلّم على احترام الكرامة الحقيقية للشخص، خليقة الله، وتساعد على قبول الموت بهدوء عندما تستنفذ القوى الجسدية. “من هنا ينطلق خط السلوك الأخلاقي نحو المريض الخطر والذي يعارض، من جهة، القتل الرحيم والانتحار، ومن جهة أخرى، أشكال “العلاجات الضارية” التي لا تساعد كثيرًا الحياة ولا تدافع عن كرامة المحتضر”
(حديث البابا يوحنّا بولس الثاني في اجتماع الاكاديمية الحبرية للحياة، 27 فبراير 1999، عدد 4).

العودة إلى الصفحة الرئيسية

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

Tags:
الكنيسةالمرضى
صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
هيثم الشاعر
مذبحة داخل مدرسة مسيحية ضحيّتها أطفال أبرياء
هيثم الشاعر
الشتائم تنهال على الممثلة اللبنانية نادين نجي...
أنياز بينار لوغري
هجوم بالسكين قرب كنيسة في نيس والحصيلة ثلاثة ...
OLD WOMAN, WRITING
سيريث غاردينر
رسالة مهمة من إيرلندية تبلغ من العمر 107 أعوا...
هيثم الشاعر
رئيس وزراء ماليزيا السابق في أبشع تعليق على م...
غيتا مارون
في لبنان… قصدت عيادة الطبيب، لكنها تفاجأت بتس...
Medjugorje
جيلسومينو ديل غويرشو
ممثل البابا: "الشيطان موجود في مديغوريه، ولا ...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً