Aleteia logoAleteia logo
Aleteia
السبت 31 أكتوبر
home iconأخبار
line break icon

خطاب البابا الذي هز الأمم المتحدة.... يستحق بالقراءة!

أليتيا - تم النشر في 25/09/15

نيويورك/ أليتيا (aleteia.org/ar)–سيدي الرئيس، سيداتي وسادتي،

مرّة أخرى، واتباعًا لتقليد يُشرّفني، دعا الأمين العام للأمم المتحدة البابا ليوجه كلمة لجمعيّة الأمم الموقَّرة هذه. باسمي وباسم الجماعة الكاثوليكيّة بأسرها، أرغب بأن أُعبّر لكم أيها السيّد بان كي مون عن الامتنان الصادق والقلبي، كما وأشكركم على كلماتكم اللطيفة. أحيّي أيضًا رؤساء الدول والحكومات الحاضرين، السفراء والدبلوماسيين والموظفين السياسيّين والتقنيّين الذين يرافقونهم وموظفي الأمم المتّحدة الملتزمين في هذه الجلسة السبعين للجمعيّة العامة، وموظفي كلّ برامج ووكالات عائلة منظمة الأمم المتحدة، وجميع الذين بشكل أو بآخر يشاركون في هذا الاجتماع. من خلالكم أحيّي أيضًا جميع الأمم المُمثّلة في هذا اللقاء. شكرًا على جهود الجميع وجهود كل فرد من أجل خير البشريّة.

انها المرة الخامسة التي يزور فيها بابا الأمم المتحدة إذ سبقني بولس السادس في العام 1965 ويوحنا بولس الثاني في العامَين 1979 و1995 وسلفي الأخير، البابا الفخري بندكتس السادس عشر، في العام 2008. لم يبخل اي واحدٍ منهم في التعبير عن امتنانه للمنظمة من خلال اعتبارها الرد القضائي والسياسي الملائم للحظة التاريخية المتميزة بالتجاوز التكنولوجي للمسافات والحدود، وعلى ما يبدو، تجاوز كل حدود طبيعية للتأكيد على السلطة. فاعتبروها رداً ضرورياً إذ باستطاعة السلطة التكنولوجية التسبب بفظائع رهيبة إن وُضعت بين يدَي ايديولوجيات وطنية تتدعي الشمولية. لا يسعني سوى أن أضم صوتي الى اصوات أسلافي لأعيد التأكيد على الأهمية التي توليها الكنيسة الكاثوليكية لهذه المؤسسة والرجاء الذي تأمله من أنشطتها.

إن تاريخ جماعة الدول المنظمة الممثلة بالأمم المتحدة، التي تحتفل في هذه الأيام بعيدها السبعين، لتاريخٌ حافل بالنجاحات المشتركة، في حقبةٍ تشهد على احداثٍ تتسارع وتيرتها بطريقةٍ قل نظيرها. ويمكننا ان نذكر على سبيل المثال لا الحصر تدوين وتطوير القانون الدولي وبناء القانون الدولي لحقوق الانسان وتحسين القانون الانساني وحل العديد من النزاعات إضافةً الى عمليات السلام والمصالحة وغيرها الكثير من المكتسبات في جميع المجالات المتعلقة بالنشاط البشري والبعد الدولي. فتُعتبر جميع هذه الانجازات أنوار تتعارض مع ظلمة الخراب الناتج عن المطامع غير المنضبطة والأنانية الجماعية. من ما لا شك فيه، ان المشاكل العالقة لا تزال كثيرة إلا ان الانسانية لما كانت لتتمكن من النجاة من الاستخدام العشوائي لقدراتها الذاتية لولا هذا النشاط الدولي. فكلٌ من هذه الانجازات السياسية والقضائية والتقنية مسيرةَ تطبيق لمُثُل الأخوة البشرية، ووسيلة لتحقيقها بشكل أكبر.

أُوجه تحية، بالتالي، الى جميع النساء والرجال الذين خدموا بأمانة وبروحٍ من التضحية، كل الانسانية خلال السنوات السبعين الماضية. كما وأود أن أتذكر، اليوم وبصورة خاصة، من بذلوا حياتهم من أجل السلام ومصالحة الشعوب بدأً من داغ همرشولد وصولاً الى العدد الكبير من الموظفين من مختلف الرتب، الذين قُتلوا خلال المهمات الانسانية ومهمات السلام والمصالحة.

تُظهر تجربة السنوات الـ70 الماضية، وأبعد من جميع المكتسبات، ان الاصلاح والتكيف مع الوقت لأمرَين ضروريَين دائماً للتقدم نحو الهدف الأسمى وهو السماح لجميع الشعوب، دون استثناء، في المشاركة وفي ان يكون لها الصوت الوازن والعادل في القرارات. وتصح ضرورة ارساء المزيد من العدل، بصورة خاصة، للهيئات المتمتعة بقدرة تنفيذية فعالة كما هو حال مجلس الأمن والهيئات المالية والمجموعات والآليات التي أُنشئت خصيصاً لمواجهة الازمات الاقتصادية. فمن شأن ذلك أن يساعد على الحد من جميع أشكال الاعتداء والاستنزاف خاصةً بالنسبة للبلدان النامية. وعلى الهيئات المالية الدولية السهر على تنمية البلدان المستدامة فلا تخضع، بطريقةٍ خانقة، لنظم التسليف التي بدل أن تعزّز التطور، تستعبد الشعوب عبر آليات فقرٍ وتهميشٍ وتبعيّةٍ أكبر.

يمكن اعتبار عمل الأمم المتحدة، انطلاقاً من مسلمات الديباجة والمواد الأولى للشرعة ، عمل تنمية وترويج لسيادة القانون انطلاقاً من كون العدالة شرطاً أساسياً للوصول الى مثل الأخوة العالمية. ومن الواجب التذكير، ضمن هذا السياق، بأن الحد من السلطة فكرة مضمنة في مفهوم القانون. يعني اعطاء كل صاحب حق حقه، حسب التعريف الكلاسيكي للعدالة، ان ما من فرد أو مجموعة بشرية قادرة على اعتبار نفسها فائقة القوة وقادرة على تجاوز كرامة وحقوق الأفراد الآخرين أو التجمعات الاجتماعية. ويجسد بالتالي تقاسم السلطة (السياسية والاقتصادية والدفاعية والتكنولوجية وغيرها) بين عدد من الأفراد وانشاء نظام قضائي لادارة المطالبات والمصالح مفهوم الحد من السلطة. إلا ان المشهد العالمي يقدم لنا اليوم عدد كبير من الحقوق المغلوطة و- في الوقت نفسه – قطاعات كبيرة محرومة ضحية ممارسة خاطئة للسلطة: البيئة الطبيعية والأعداد الكبيرة من النساء والرجال المهمشين. وهما قطاعَين مرتبطين الواحد بالآخر تم اضعافهما بفعل العلاقات السياسية والاقتصادية السائدة. ولذلك، من الواجب التأكيد بقوة على حقوقهم من خلال تعزيز حماية البيئة ووضع حد للاقصاء.

أولاً، من الواجب الاعتراف بوجود “حق واقعي للبيئة” وذلك لسببَين. أولاً، لأننا نحن البشر، نشكل جزأً من البيئة ونعيش في وحدةٍ معها وعلى العمل البشري ان يعي ان للبيئة حدود اخلاقية فيحترمها. ويُعتبر الانسان حتى ولو تمتع “بقدرات فريدة” تُعرب عن “فرادة تتخطى المجال المادي والبيولوجي” جزأً من هذه البيئة. فهو يتمتع بجسد يتألف من عناصر مادية وكيميائية وبيولوجية ولا يمكنه العيش والنمو إلا ان كانت البيئة الإيكولوجية ملائمة له. وكل انتهاك للبيئة هو، بالتالي، انتهاكٌ للانسان. ثانياً، لأن لجميع المخلوقات، خاصةً المخلوقات الحيّة، قيمة ذاتية على مستوى الوجود والحياة والجمال واعتمادها على الكائنات الأخرى. نؤمن، نحن المسيحيون، مع الديانات السماوية الأخرى، ان الكون نتج عن قرار محبة اتخذه الخالق، يسمح للانسان بالاستفادة منه، بشرط احترام الخليقة لخير اترابه ومجد الخالق، إلا أنه لا يجوز للانسان الاساءة الى الخليقة كما ولا يجوز له تدميرها.

ويترافق انتهاك البيئة وتدميرها، في الوقت نفسه، مع عملية اقصاء قاسية. في الواقع، يؤدي العطش الاناني غير المحدود للسلطة والرفاه المادي الى انتهاك الموارد الطبيعية المتاحة والى اقصاء الضعفاء وأصحاب القدرات المحدودة، إما لكونهم يتمتعون بقدرات مختلفة (ذوي الاحتياجات الخاصة) أو لكونهم محرومين من المعارف والأدوات الفنية الملائمة أو لكونهم لا يتمتعون بالقدرة الكافية لاتخاذ القرار السياسي. ويُعتبر الاقصاء الاقتصادي والاجتماعي نكرانٌ تام للأخوة البشرية وانتهاك خطير لحقوق الانسان والبيئة، والفقراء هم أكثر من يعاني من هذه الانتهاكات وذلك لأسباب ثلاثة خطيرة: يتمُّ إقصاؤهم من قبل المجتمع؛ هم في الوقت عينه مجبرون على العيش على فضلات الآخرين؛ كما وعليهم تحمل تابعات الاعتداء الجائر على البيئة. تشكل هذه الظواهر “ثقافة الاقصاء” المنتشرة اليوم الى حدّ كبير والتي يتم تعزيزها من دون وعي.

تقودني المأساة الناتجة عن حال الاقصاء والظلم هذا، مع تابعاته الواضحة، كما كل الشعب المسيحي وغيره من الشعوب، الى ادراك مسؤوليتي إزاء هذا الوضع ولهذا السبب، أرفع الصوت، وأضم صوتي الى صوت كل من يتمنى الوصول الى حلول طارئة وفعالة. ويُعتبر اعتماد “جدول أعمال 2030 من أجل التنمية المستدامة”ىخلال القمة العالمية، التي ستنطلق اليوم بالذات، علامة رجاء بالغة الأهمية. وآمل ان يُنتج مؤتمر باريس حول التغير المناخي اتفاقات أساسية وفعالة.

إلا أن الالتزامات المقطوعة على المستوى الرسمي غير كافية حتى ولو كانت خطوة أساسية نحو الحلول. فيعتبر التعريف الكلاسيكي للعدالة، الذي ذكرته آنفاً، الارادة الثابتة والمستمرة عنصراً أساسياً: : Iustitia est constans et perpetua voluntas ius suum cuique tribuendi.. يطلب العالم من جميع الحكام ارادة فعالة وعملية وثابتة إضافةً الى خطوات ملموسة واجراءات فورية من أجل صون البيئة الطبيعية وتحسينها والتغلب في أقرب وقتٍ ممكن على ظاهرة الاقصاء الاجتماعي والاقتصادي مع تابعاته المحزنة المتجلية من خلال الاتجار بالبشر وتجارة الأعضاء والأغشية البشرية واستغلال الأطفال جنسياً والاسترقاق والدعارة وتجارة المخدرات والسلاح والارهاب والجريمة الدولية المنظمة. ينبغي علينا تحاشي كلّ تجربة وقوع في الاسميّة الخطابية ذات المفعول المهدّئ للضّمائر. علينا التنبّه لأن تكون مؤسساتنا فعّالة حقًا في مكافحة جميع هذه الآفات.

تفرض كثرة المشاكل وتعقيداتها الاعتماد على وسائل تقنية للقياس إلا أن ذلك يحمل معه خطراً مزدوجاً: الاكتفاء بالعمل البيروقراطي الكامن في صياغة قوائم طويلة بالنوايا الحسنة – أهداف، غايات، مؤشرات احصائية – او اعتبار ان حلاً نظرياً واستنتاجياً فقط كفيل بتقديم اجابة لجميع التحديات. لا يجب أن ننسى في أي لحظة من اللحظات ان العمل السياسي والاقتصادي يكون فعالاً فقط عندما نعتبره نشاطاً احترازياً، يقوده مفهوم العدالة الثابت، الذي لا ينسى أبداً، انه وابعد من المخططات والبرامج، هناك نساء ورجال، يتساوون مع الحكام، يعيشون ويكافحون ويتألمون، ويجدون أنفسهم في العديد من الأحيان مجبرين على عيش البؤس، محرومين من جميع حقوقهم.

علينا، من أجل اجتثاث جميع هؤلاء النساء والرجال من الفقر المدقع، ان نسمح لهم بأن يقرروا مصيرهم بكرامة فلا يمكن فرض التنمية البشرية الشاملة والممارسة الكاملة للكرامة البشرية، فعلى كل فردٍ وعائلة تصميمها وتطبيقها، بالتواصل مع الآخرين وضمن إطار علاقة عادلة مع جميع الأوساط حيث ينمو المجتمع البشري – أصدقاء، جماعات، بلدات ومدن، مدارس، شركات ونقابات، محافظات، أمم وغيرها. يتطلب ذلك كما ويفرض الحق في التعليم – للفتيات أيضاً (اللواتي لا يزلن مستبعدات في بعض المناطق) – وهو حقٌ يُكتسب أولاً من خلال احترام حق العائلة الأساسي في التعليم وتعزيزه وحق الكنائس كما المجموعات الاجتماعية في دعم العائلات ومؤازرتها في تعليم الفتيات والفتيان. فيكون التعليم، على هذه الصورة، القاعدة لتحقيق جدول أعمال 2030 وانقاذ البيئة.

وتزامناً، على الحكام بذل كلّ الجهود لكي يتمتع الجميع بأبسط المتطلبات المادية والروحية من أجل العيش بكرامة وذلك مثلاً من خلال تأسيس وإعالة عائلة، التي هي الخلية الأساسية لكل تنمية اجتماعية. وللحد الأدنى من المتطلبات هذه، على المستوى المادي، ثلاث تسميات: سقف وعمل وأرض وتسمية على المستوى الروحي: حرية التفكير التي تتضمن حرية المعتقد والحق في التعليم والحقوق المدنية الأخرى.

ولكل هذه الأسباب، يبدو لي ان المقياس والمؤشر الابسط والأكثر فعالية لتطبيق جدول الأعمال الجديد من أجل التنمية هو امكانية الوصول الفعالة والعملية والفورية للجميع الى كل الأصول المادية والروحية الضرورية أي: المأوى الشخصي والعمل الكريم وذي الأجر المناسب والتغذية الملائمة ومياه الشرب والحرية الدينية وبصورةٍ أوسع، حرية التفكير والتعليم. ولجميع مداميك التنمية البشرية الشاملة هذه اساسٌ مشترك وهو الحق في الحياة وبصورةٍ أوسع، ما قد نطلق عليه اسم الحق في وجود الطبيعة البشرية نفسها.

وباستطاعة الأزمة الإيكولوجية، التي تنطوي على تدمير جزء كبير من التنوع البيولوجي، ان تضع وجود الكائن البشري في خطر. وعلى التابعات المضرة لإدارةٍ سيئة وغير مسؤولة للاقتصاد العالمي، السائرة فقط حسب مطامع الكسب والسلطة ان تحثنا على التفكير بالانسان بجدية: “الإنسان ليس فقط حرية تُخلق من ذاتها. فالإنسان لا يخلق نفسه بنفسه. هو روحٌ وارادة إنما هو طبيعةٌ أيضاً” (بندكتس السادس عشر، خطاب أمام البرلمان الفيدرالي الألماني، 22 سبتمبر 2011، استُخدم اقتباساً في الحمد لك، رقم 6). إن الخليقة تجد نفسها معرّضة للخطر “في كل مرة يكون لنا فيها السلطة النهائية… إن تبديد الخليقة يبدأ عندما لا نعترف بوجود أية سلطة أعلى منّا، بل ولا نرى سوى أنفسنا” ( لقاء مع كهنة أبرشية بولزانو ـ بريسانوني، 6 أغسطس/آب 2008، المذكور في المرجع نفسه). ولهذا، فإن حماية البيئة ومكافحة الإقصاء يتطلبان الاعتراف بشريعة أخلاقية محفورة في الطبيعة البشرية نفسها والتي تتضمّن التمييز الطبيعي بين الرجل والمرأة (الحمد لك، 155) والاحترام المطلق للحياة في جميع مراحلها وأبعادها (المرجع نفسه، 123؛ 136).

بدون الاعتراف ببعض الحدود الأخلاقية الطبيعية التي لا يمكن تخطّيها، وبدون التطبيق الفوري لركائز التنمية البشرية المتكاملة هذه، فإن المثال الذي يقتضي على “أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب” (ميثاق الأمم المتحدة، الديباجة) و”أن ندفع بالرقي الاجتماعي قدمًا، ونرفع مستوى الحياة في جوّ من الحرية أفسح” (المرجع نفسه)، معرّض لخطر أن يصبح سرابًا لا يمكن بلوغه، أو أسوأ أيضًا، كلمات فارغة تُستخدم كذريعة لأي استغلال وفساد، أو لتعزيز استعمار إيديولوجي من خلال فرض نماذج وأنماط حياة غريبة عن هوية الشعوب، وفي نهاية المطاف، غير مسؤولة.

إن الحرب هي إنكار لجميع الحقوق واعتداء مأساوي على البيئة. فإذا أردنا تنمية بشرية حقيقية متكاملة للجميع، لا بد من المضي قدمًا بدون كلل، في الالتزام لتحاشي الحرب بين الأمم وبين الشعوب.

ولذا، ينبغي ضمان سيادة القانون غير القابلة للنقاش واللجوء بلا كلل إلى التفاوض، والمساعي الحميدة والتحكيم، كما يقترح ميثاق الأمم المتحدة، وهو قاعدة قانونية أساسية حقّة. إن خبرة السنوات السبعين لوجود الأمم المتحدة، بشكل عام، ولا سيّما خبرة السنوات الخمسة عشرة الأولى من الألفية الثالثة، تُظهران فعالية التطبيق الكامل للقواعد الدولية كما تُظهر لافعالية عدم الامتثال لها. فإذا تم احترام وتطبيق ميثاق الأمم المتحدة بشفافية وصدق، بدون دوافع خفيّة، وكمرجع إلزامي للعدالة، وليس كأداة لإخفاء نوايا غامضة، يتم الحصول على نتائج سلام. وبالعكس، عندما تُعتبر القاعدة مجرّد أداة يتم استخدامها عندما تكون ملائمة، والتهرّب منها عندما لا تكون كذلك، يُفتح “صندوق باندورا لقوى خارجة عن السيطرة، تسيء على نحو خطير إلى السكان العزّل، وإلى البيئة الثقافية والبيئة البيولوجية أيضًا.

تظهر ديباجة شرعة الأمم المتحدة والمادة الأولى ما قد يعزز بناء العدالة الدولية: السلام والحل السلمي للنزاعات وتطوير علاقات الصداقة بين الأمم. ويتضارب الميل السائد اليوم الى نشر الاسلحة، خاصةً اسلحة الدمار الشامل مثل الأسلحة النووية مع هذه التأكيدات وتضربها عملياً عرض الحائط. وتشكل أخلاقية وقانون مبني على تهديد الدمار المشترك – وعلى الأرجح دمار كل الإنسانية – تعارضاً وتلاعباً لبناء الأمم التحدة كله لتصبح في نهاية المطاف “أمم متحدة بالخوف وانعدام الثقة”. علينا بالعمل من أجل بناء عالم خالٍ من الاسلحة النووية، من خلال تطبيق روح ونص معاهدة عدم الانتشار، وذلك من أجل حظر هذه الأدوات بشكلٍ كامل.

إن الاتفاق النووي الأخير في منطقة آسيا والشرق الأوسط الحساسة لبرهان عن امكانيات حسن النوايا السياسية والقانونية، الممارسة بطريقة صادقة، وصبورة وثابتة. أتمنى أن يكون هذا الاتفاق مستداماً وفعالاً وأن يأتي بالثمار المنتظرة بتعاون جميع الجهات المعنية.

وفي هذا الصدد، تكثر التجارب الصعبة المرتبطة بالتابعات السلبية للتدخلات السياسية والعسكرية التي لم تكن منسقة بين أعضاء المجتمع الدولي. ولذلك، لا يسعني سوى أن أجدد دعواتي المتكررة المتعلقة بالوضع المؤلم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وبلدان أفريقية أخرى حيث لا يريد المسيحيون وجماعات ثقافية وإثنية أخرى، الاستسلام للحقد والجنون، فاضطروا الى ان يشهدوا على دمار دور عبادتهم وتراثهم الثقافي والديني ومنازلهم وممتلكاتهم فأجبروا على الاختيار بين الهرب أو التضحية بحياتهم أو باسترقاقهم في سبيل السلام.

من شأن هذه الوقائع ان تشكل نداءً جدياً لمن هم مأتمون على الشؤون الدولية فيفحصوا ضمائرهم. لا فقط في حالات الاضطهاد الديني أو الثقافي إنما أيضاً في كل حالة نزاع ومنها النزاعات الدائرة في أوكرانيا وسوريا والعراق وليبيا وجنوب السودان ومنطقة البحيرات الكبيرة إذ ان هناك وجوه حقيقية قبل المصالح الحزبية مهما بلغت شرعيتها. ففي الحروب والنزاعات، بشر، اخوان وأخوات هم اخواننا وأخواتنا، نساء ورجال، شباب وكبار سن وأطفال يبكون ويتألمون ويموتون، كائنات بشرية تتحول إلى مواد يتم إقصاؤها في وقت تقتصر فيه الأمور على تعداد المشاكل والإستراتيجيات والنقاشات.

أكرر ما طلبته في الرسالة التي وجهتها للأمين العام للأمم المتحدة بتاريخ 9 أغسطس 2014 ” ان الفهم البديهي للكرامة الانسانية (…) يُلزم المجتمع الدولي، بفعل معايير وآليات القانون الدولي، بذل كل الجهود الممكنة من أجل وقف ومنع احداث العنف المنهجية المرتقبة بحق الأقليات الإثنية والدينية” وحماية الشعوب البريئة.

وفي هذا الإطار، أود أن اشير الى نوع آخر من النزاعات غير المعلنة في بعض الأحيان إلا أنها تتسبب، بصمت، بموت ملايين الأشخاص. نوع آخر من الحروب يعيشه عدد كبير من مجتمعاتنا من خلال ظاهرة الاتجار بالمخدرات وهي حربٌ “معروفة” إلا انها لا تُحارب بما فيه الكفاية. ويترافق الاتجار بالمخدرات، من حيث ديناميكيته، بالاتجار بالبشر وتبييض الأموال والاتجار بالسلاح واستغلال الأطفال وأشكال أخرى من اشكال الفساد. وهو فساد تسرب الى مختلف مستويات الحياة الاجتماعية والسياسية والعسكرية والفنية والدينية مستحدثةً، في العديد من الحياة، هيكيلية موازية تضع مصداقية مؤسستنا في خطر.

بدأت كلمتي هه بالتذكير بزيارات أسلافي. أود، الآن، أن تكون كلماتي، بمثابة ملحق للكلامات الختامية لخطاب بولس السادس، التي أدلى بها منذ 50 عاماً بالضبط، إلا أنها تحمل قيمة أزلية. “آن أوان يفرض علينا التوقف والتأمل والتفكير في لحظة تكاد تكون لحظة صلاة لإعادة التفكير بأصلنا المشترك. فلم يكن يوماً النداء لاستنباط وعي الانسان الأخلاقي بهذه الضرورة لأن الخطر لا يأتي لا من التقدم ولا من العلم إذ باستطاعتهما، إن تم استخدامها بطريقة جيدة (…) حل عدد كبير من المشاكل الخطيرة التي تطيح بالإنسانية” (خطاب في منظمة الأمم المتحدة بمناسبة العيد العشرين للمنظمة، 4 أكتوبر 1965). كما ومن شأن العبقرية البشرية، في حال تم استخدامها بطريقة جيدة، المساعدة على مواجهة التحديات الخطيرة للتدهور البيئي والاقصاء. وأضاف بولس السادس: “يكمن الخطر الحقيقي في الانسان الذي في متناوله أدوات تزداد قوة وقادرة على الخراب كما أكبر الغزوات”.

على المنزل المشترك لكل البشر ان يبقى مبنياً على فهمٍ عادل للأخوة الدولية وعلى احترام قدسية كل حياة بشرية، لكل رجل وامرأة، والفقراء وكبار السن والأطفال والمرضى والأجنة والعاطلين عن العمل والمتروكين والمحكوم عليهم بالإقصاء لأنه لا يُنظر إليهم بعد الآن كأرقام من دراسة احصائية. كما وعلى المنزل المشترك لكل البشر ان يرتفع على فهم قدسية الطبيعة المخلوقة.

ويفرض هذا الفهم والاحترام مستوى أرفع من الحكمة، تقبل الامتياز وترفض تشكيل نخبة جداً قوية وتفهم ان المعنى الأشمل للحياة الفردية والجماعية يتجلى في خدمة الآخرين المتفانية والاستخدام الحذر والمحترم للخليقة، من أجل الخير العام. وأستعيد كلمات بولس السادس: “على بناء الحضارة المعاصرة ان يُشيّد على مبادئ روحية، قادرة وحدها لا على دعمها وحسب إنما على انارتها أيضاً.”

لغاوتشو مارتن فييرّو، وهو عمل أدبي كلاسيكي في أرضي الأم ينشد: “على الأخوة أن يتّحدوا لأن هذا هو القانون الأول. لتكن لديهم الوحدة الحقيقيّة في أي وقت، لأنهم إذا تقاتلوا فيما بينهم سيفترسهم الغرباء”.

إن العالم المعاصر الذي يبدو مترابطًا، يختبر تفتّتا اجتماعيّا متزايدًا وشديدًا ومستمرًا، يعرّض للخطر “كلّ أسس الحياة الاجتماعية”، ولذا فهو “يؤدي بنا إلى مواجهة بعضنا البعض من أجل الدفاع عن مصالحنا” (الحمد لك، 229.)

والزمن الراهن يدعونا إلى تفضيل أعمال بإمكانها أن تولّد ديناميات جديدة في المجتمع وتؤتي ثمارا عبر أحداث تاريخية هامة وإيجابية (الإرشاد الرسولي فرح الإنجيل، 223)

لا يسعنا أن نقبل بتأجيل “بعض الأجندات” إلى المستقبل. المستقبل يتطلّب منا قرارات هامّة وشاملة إزاء الصراعات العالميّة التي ترفع عدد المهمشين والمعوزين.

إن البنية القضائية الدولية الحميدة لمنظمة الأمم المتحدة وكلّ إنجازاتها، والتي يمكن تحسينها كأي عمل بشري آخر، والتي هي، في الوقت نفسه، ضرورية، يمكن أن تشكّل تعهّدا لمستقبل آمن وسعيد لأجيال الغد. وهذا سيتحقق إذا ما تمكن ممثلو الدول من تحييد المصالح القطاعية والأيديولوجيات والبحث بصدق عن خدمة الخير العام. أسأل الله الكلّي القدرة أن يتحقق ذلك، وأؤكد لكم دعمي وصلاتي ودعم وصلوات جميع مؤمني الكنيسة الكاثوليكية كي تتمكن هذه المؤسسة وكافة الدول الأعضاء وكل واحد من موظفيها من تقديم خدمة فعّالة للبشرية وخدمة تحترم التنوع وتعرف كيف تفعّل ما هو الأفضل لدى كلّ شعب وكلّ مواطن، من أجل الخير العام.

بركة العلي والسلام والازدهار معكم جمعيا ومع شعوبكم كافة. شكرا.

العودة إلى الصفحة الرئيسية

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

Tags:
البابا فرنسيس
Top 10
هيثم الشاعر
مذبحة داخل مدرسة مسيحية ضحيّتها أطفال أبرياء
هيثم الشاعر
الشتائم تنهال على الممثلة اللبنانية نادين نجي...
أنياز بينار لوغري
هجوم بالسكين قرب كنيسة في نيس والحصيلة ثلاثة ...
OLD WOMAN, WRITING
سيريث غاردينر
رسالة مهمة من إيرلندية تبلغ من العمر 107 أعوا...
هيثم الشاعر
رئيس وزراء ماليزيا السابق في أبشع تعليق على م...
غيتا مارون
في لبنان… قصدت عيادة الطبيب، لكنها تفاجأت بتس...
Medjugorje
جيلسومينو ديل غويرشو
ممثل البابا: "الشيطان موجود في مديغوريه، ولا ...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً