Aleteia
الثلاثاء 27 أكتوبر
الكنيسة

لا بد لجميع الأساقفة في العالم قراءة كلمة البابا هذه الى أساقفة أمريكا...خطاب حاسم!

© PAUL BUCK / AFP

أليتيا - تم النشر في 24/09/15

واشنطن/ أليتيا (aleteia.org/ar) –إخوتي الأعزاء في الأسقفية،

يسعدني أن ألتقي بكم في هذه الفترة من المهمة الرسولية التي أرشدتني إلى بلادكم. أشكر بحرارة الكاردينال ويرل ورئيس الأساقفة كورتز على الكلمات الودية التي وجهاها لي باسمكم جميعاً. أرجوكم، تقبلوا امتناني على الاستقبال والجهوزية السخية التي بُرمجت إقامتي ونُظمت من خلالها.

إني إذ أعانق وجوهكم كرعاة بالنظر والقلب، أريد أن أحيي أيضاً الكنائس التي تحملونها على منكبيكم بمحبة، وأرجوكم أن تحرصوا على أن يصل قربي البشري والروحي من خلالكم إلى شعب الله كله المنتشر في هذه الأراضي الشاسعة.

يتسع قلب البابا ليشمل الجميع. وإن توسيع القلب للشهادة بأن الله عظيم في محبته يشكل جوهر رسالة خليفة بطرس، نائب من عانق البشرية جمعاء على الصليب.

أرجو ألا يشعر أي عضو في جسد المسيح والأمة الأميركية بأنه مستبعد عن عناق البابا. ليظهر على الشفاه في كل مكان اسم يسوع الحقيقي، وليدوِّ أيضاً صوت البابا ليؤكد: “هذا هو المخلص!”. من مدنكم الكبرى في الساحل الشرقي إلى سهول الغرب الأوسط، من عمق الجنوب إلى الغرب الشاسع، في كل مكان يجتمع فيه شعبكم في جمعية افخارستية، أرجو ألا يكون البابا مجرد اسم ملفوظ بطريقة روتينية، بل أن يكون رِفقة ملموسة هادفة إلى دعم الصوت المرتفع من قلب العروس: “تعال يا رب”!

عندما تمتد يد لفعل الخير أو تقريب محبة المسيح، لمسح دمعة أو مرافقة وِحدة، لدلّ ضالّ على طريق أو تعزية قلب ممزق، لنجدة شخص وقع أرضاً أو تعليم الظمآن إلى الحقيقة، لتقديم المغفرة أو الإرشاد إلى انطلاقة جديدة في الله… اعلموا أن البابا يرافقكم ويدعمكم، وأنه يضع على يدكم يده التي هي الآن واهنة وخشنة، لكنها لا تزال قادرة بنعمة الله على تقديم الدعم والتشجيع.

كلمتي الأولى هي فعل شكر لله على ديناميكية الإنجيل التي سمحت بالنمو الملحوظ لكنيسة المسيح على هذه الأراضي، وبالإسهام السخي الذي قدمته ولا تزال تقدمه وسوف تستمر في تقديمه لمجتمع الولايات المتحدة والعالم. أقدّر بشدة سخاءكم وتضامنكم تجاه الكرسي الرسولي، وتجاه الكرازة الإنجيلية في عدة أنحاء مضطربة في العالم، وأشكركم على ذلك بانفعال. كما يسرني التزام كنيستكم الراسخ بقضية الحياة والعائلة، السبب الرئيسي لزيارتي الراهنة.

أتابع باهتمام المجهود الملحوظ الذي يبذل من ناحية استقبال ودمج المهاجرين الذين يستمرون في النظر إلى أميركا بالطريقة عينها كالحجاج الذين وصلوا إليها بحثاً عن مواردها الواعدة بالحرية والازدهار. وإنني معجب بالمجهود الذي تبذلونه في متابعة الرسالة التربوية في مدارسكم على كافة الصعد وعمل المحبة في مؤسساتكم المتعددة. إنها نشاطات غالباً ما يتم القيام بها من دون أن تكون مفهومة أو أن تحظى بالدعم، وفي كل حالة تُؤيَّد ببطولة بفضل تقدمة الفقراء، لأن هذه المبادرات تنبثق عن رسالة فائقة للطبيعة لا يُسمح بمخالفتها.

أدرك الشجاعة التي واجهتم من خلالها أزمنة حالكة في مساركم الكنسي من دون الخشية من الانتقادات الذاتية، ومن دون تلافي الإذلال والتضحيات، ومن دون الاستسلام لخوف إخلاء الذات من كل ما هو ثانوي في سبيل استعادة المصداقية والثقة المطلوبتين من خدام المسيح، كما ترغب روح هذا الشعب الاستثنائي. وأعلم مدى انطباع جرح السنوات الأخيرة فيكم، وقد رافقتكم في التزامكم المتحمس لشفاء الضحايا – مدركين بأننا من خلال شفاء الآخرين، نشفى نحن أيضاً على الدوام – والاستمرار في السعي من أجل عدم تكرر هذه الجرائم بعد الآن.

أخاطبكم كأسقف روما المدعو من قبل الله والذي يشعر بأنه مسنّ من أرض أميركية أيضاً للحفاظ على وحدة الكنيسة الجامعة وتشجيع مسار جميع الكنائس الخاصة في المحبة لكي تتقدم في المعرفة والإيمان ومحبة المسيح. ومن خلال قراءة أسمائكم وأسماء عائلاتكم، ومراقبة ملامحكم، ومعرفة المستوى الرفيع لوعيكم الكنسي وإدراك التعبّد الذي كرستموه دوماً لخليفة بطرس، يجب أن أقول لكم أنني لا أشعر بأنني غريب بينكم.

في الواقع، أنا أيضاً أتحدر من أرض شاسعة هي أيضاً، كبيرة وذات مجالات واسعة تلقت الإيمان كأرضكم من معارف المرسلين. أدرك جيداً تحدي زرع الإنجيل في قلوب أشخاص قادمين من عوالم مختلفة، أشخاص غالباً ما أصبحوا قساة على طول الدرب الشاقة التي سلكوها قبل الوصول. ولا أستغرب قصة المجهود المبذول من أجل بناء الكنيسة بين السهول والجبال والمدن والضواحي في أرض غالباً ما تكون غير مضيافة، حيث تكون الحدود مؤقتة على الدوام، وحيث لا تدوم الأجوبة الواضحة، ويتطلب المفتاح الأساسي معرفة مزج الجهود البطولية للرواد المكتشفين مع حكمة المقيمين ومقاومتهم هم الذين استقروا في المكان الذي نصل إليه. وكما أنشد أحد شعرائكم: “جناحان قويان لا يتعبان”، وإنما أيضاً حكمة من “يعرف الجبال”. (1)

لا أخاطبكم بصوتي فقط. فصوتي هو استكمال لكل ما أعطاكم إياه أسلافي. في الواقع، منذ فجر “الأمة الأميركية” عندما نشأت أول أبرشية في بالتيمور غداة الثورة، لطالما كانت كنيسة روما قريبة منكم، ولم تفتقروا أبداً إلى مساعدتها الدائمة وتشجيعها. فخلال العقود الأخيرة، زاركم ثلاثة من أسلافي الموقرين تاركين لكم إرثاً مهماً من التعليم الذي لا يزال راهناً والذي استفدتم منه لتوجيه البرامج الرعوية الطويلة الأمد في سبيل إرشاد هذه الكنيسة الحبيبة.

لا أنوي رسم برنامج ولا تحديد استراتيجية. فلم آت لأحكم عليكم ولا لأعطيكم دروساً. إنني أؤمن تماماً بصوت من “يعلّم كل شيء” (يو 14، 26). اسمحوا لي فقط بحرية المحبة أن أتمكن من التحدث كأخ بين إخوة. لا أرغب في أن أقول لكم ما يجب فعله لأننا نعلم جميعاً ما يطلبه منا الرب. أفضّل بالأحرى أن أتحدث عن هذا المجهود – القديم والجديد على الدوام – الذي يقوم على التساؤل عن الدروب التي يجب سلوكها، وعن المشاعر التي يجب تغذيتها لدى العمل، وعن الروح التي يجب أن نتصرف من خلالها. من دون أي نية في أن أكون شاملاً، أشارككم بعض التأملات التي أعتبرها مناسبة لرسالتنا.

نحن أساقفة الكنيسة، رعاة معيّنون من قبل الله لرعاية قطيعه. فرحنا الأكبر هو أن نكون رعاة، فقط رعاة ذوي قلوب غير مقسمة يهبون ذاتهم بشكل لا ينعكس. لا بد من الحفاظ على هذا الفرح من دون السماح بأن يُسرق منا. فالشرير يزأر كأسد ساعياً لالتهامه، ومُفسداً ما ندعى إلى أن نكون عليه ليس لأنفسنا، بل من خلال هبة “حارس نفوسنا” وخدمته (1 بطرس 2، 25).

لا بد من البحث عن جوهر هويتنا في الصلاة المواظبة، في الوعظ وفي الرعاية (يو 21: 15، 17؛ أع 20: 28، 31).

ينبغي على صلاتنا ألا تكون صلاة عادية، بل اتحاداً عائلياً مع المسيح حيث نقابل يومياً نظره لنسمع السؤال الموجه لنا: “من هي أمي؟ ومن هم إخوتي؟” (مر 3: 31، 34)، ونتمكن من إجابته بهدوء: “يا رب، هذه هي أمك وهؤلاء هم إخوتك! إنني أسلمك إياهم، هؤلاء هم الذين أوكلتهم إليّ”. فحياة الراعي تتغذى من هذه الألفة مع المسيح.

يجب ألا نبشر بعقائد معقّدة، بل أن نعلن بفرحٍ المسيح الذي مات وقام من أجلنا. ليبعث أسلوب رسالتنا شعوراً لدى جميع من يصغون إلينا بأن الرسالة التي نعلنها هي “من أجلنا”. لتعط الكلمة المعنى والكمال لكل جزء من حياتهم، ولتغذهم الأسرار من هذا القوت الذي لا يستطيعون تأمينه لأنفسهم، وليوقظ فيهم قرب الراعي حنين عناق الآب.

احرصوا على أن يجد القطيع في قلب الراعي على الدوام طعم الأزلية الذي يبحثون عنه سدىً وبقلق في أمور العالم. ليجدوا دوماً على شفاهكم التقدير على قدرتهم على أن يعملوا ويبنوا في الحرية والعدالة، الازدهار الوافر في هذه الأرض. ولكن، أرجو ألا تفتقروا إلى الشجاعة الهادئة “بضرورة العمل ليس من أجل القوت الفاني، بل من أجل القوت الباقي للحياة الأبدية” (يو 6، 27).

يجب ألا يرعى الرعاة أنفسهم، بل أن يعرفوا كيف يتراجعون ويتواضعون ويبتعدون عن المركز ليغذوا عائلة الله من المسيح. يجب أن يسهروا بلا كلل، وأن يرتفعوا لكي ينضموا بنظرة الله إلى القطيع الذي ينتمي فقط إليه. لا بد من السمو إلى ارتفاع صليب ابنه، وجهة النظر الوحيدة التي تفتح للراعي قلب قطيعه.

يجب ألا ننظر إلى الأسفل، منغلقين في المرجعية الذاتية، بل أن ننظر دوماً نحو آفاق الله التي تتخطى كل ما نقدر أن نتوقعه أو نخطط له. لا بد أيضاً من الهرب من إغراء الأنانية التي تُعمي عيني الراعي، وتجعل صوته غير قابل للتمييز، وبوادره عقيمة. على الدروب المتعددة التي تنفتح لاهتماماتكم الرعوية، تذكروا أن تحفظوا سلامة النواة التي توحّد الأمور كافة: “لي عملتموه” (مت 25: 31، 45).

ومن المفيد طبعاً للأسقف أن يتمتع ببصيرة القائد ومهارة المدير، لكن السقوط يحصل حتماً عندما نخلط قدرة القوة مع قوة الضعف التي خلصنا الله من خلالها. ينبغي على الأسقف أن يدرك بوضوح المعركة بين النور والظلمات التي تحصل في هذا العالم. مع ذلك، الويل لنا إذا جعلنا الصليب لافتة صراعات دنيوية، متجاهلين أن شرط الانتصار الدائم هو السماح بأن نُجرح ونخلي ذاتنا (فيل 2: 1، 11).

إننا نعلم جميعاً قلق الأحد عشر الأوائل المتجمعين مع بعضهم البعض، المهاجَمين والمذعورين، الذين يسكنهم خوف النعاج المشتتة لأن الراعي ضُرب. لكننا نعلم أننا أُعطينا روح شجاعة وليس روح خجل. بالتالي، ليس مسموحاً بأن يشلّنا الخوف.

أعلم أن التحديات التي تواجهونها كثيرة، وأن الحقل الذي تزرعون فيها غالباً ما يكون قاسياً، وأن إغراءات الانغلاق على الذات في جدران الخوف ومداواة الجراح بأنفسنا كثيرة، مع تذكر فترة لن تعود والتخطيط لأجوبة قاسية رداً على مقاومة بغيضة.

مع ذلك، نحن مؤيدون لثقافة اللقاء. نحن أسرار حية للعناق بين الثروة الإلهية وفقرنا. نحن شهود على تواضع وانحدار الله الذي يسبق في المحبة أيضاً استجابتنا الأولى.

الحوار هو طريقتنا، ليس كاستراتيجية متقنة، بل من باب الأمانة لمن لا يكلّ أبداً من المرور المتكرر في ساحات الناس حتى الساعة الحادية عشرة لاقتراح دعوة حبه (مت 20: 1، 16).

الدرب إذاً هي الحوار بينكم، الحوار في بيوت كهنتكم، الحوار مع العلمانيين، الحوار مع العائلات، الحوار مع المجتمع. لن أتعب أبداً من تشجيعكم على الحوار من دون خوف. فكلما ازدادت ثروة الإرث الذي تدعون إلى مشاركته في الحقيقة، ازدادت البلاغة التي تقدمونه من خلالها.

لا تخافوا من الخروج الضروري إلى كل حوار حقيقي. وإلا، لن نفهم أسباب الآخر، ولن نفهم بعمق أن الأخ الذي يجب أن نصل إليه ونفديه – بقوة وقرب المحبة – يهمّ أكثر من كل المواقف التي نرى أنها بعيدة عن مواقفنا، حتى ولو كانت هذه حقيقية وأكيدة. إن اللهجة القاسية والمقسّمة لا تليق بشفاه راعٍ، ولا مكان لها في قلبه. وحتى ولو بدت لبرهة كأنها تضمن سيطرة ظاهرية، إلا أن المظهر الدائم للصلاح والمحبة يبقى مقنعاً فعلاً.

يجب أن نسمح دوماً لكلام الرب بأن يدوي في قلوبنا: “احملوا نيري عليكم وتعلموا مني، تجدوا الراحة لنفوسكم، فأنا وديع متواضع القلب”. (مت 11: 28، 30). نير يسوع هو نير محبة، وبالتالي وعد بالراحة. أحياناً، تثقل كاهلنا وحدة محننا، ونحمل النير علينا وننسى أننا تلقيناه من الرب. يبدو وكأنه لنا فقط، فنجرّه كثيران متعبة في الحقل القاحل مهدَّدين بالشعور بأننا عملنا سدىً، وناسين كمال الراحة المرتبطة بشكل لا ينفصم بالراحة التي صنعها الوعد لنا.

يجب أن نتعلم عن يسوع، وأفضل من ذلك، أن نتعلم يسوع الوديع والمتواضع؛ يجب أن ندخل إلى حلمه وتواضعه من خلال التأمل في تصرفه. يجب أن نرشد كنائسنا وشعبنا المنسحق أحياناً من جراء كآبة الحياة اليومية، إلى عذوبة نير الرب. يجب أن نتذكر أن هوية كنيسة يسوع ليست مضمونة من خلال النار المدمرة النازلة من السماء (لو 9، 54)، بل من خلال الحرارة السرية للروح الذي يشفي ما هو مجروح، ويليّن ما هو صلب، ويقوّم ما هو ملتوٍ.

إن المهمة الكبرى التي يوكلها إلينا الرب، ننفذها في شركة بطريقة جماعية. فالعالم ممزق ومقسّم جداً. والشرذمة أصبحت موجودة في كل مكان. بالتالي، لا يمكن للكنيسة “ثوب الرب غير المخيط” أن تسمح بأن تنقسم أو تتشرذم أو تصبح محور نزاعات.

تقضي رسالتنا الأسقفية أولاً بتوطيد الوحدة التي يحدد محتواها من خلال كلمة الله وخبز السماء الأوحد اللذين تحافظ كل كنيسة من الكنائس الموكلة إلينا على كثلكتها من خلالهما، بسبب انفتاحها وشركتها مع جميع الكنائس الخاصة ومع كنيسة روما التي “ترأس في المحبة”. بالتالي، من الضروري الحرص على هذه الوحدة وحفظها وتعزيزها والشهادة لها كعلامة وأداة توحّد الأمم والأعراق والطبقات والأجيال بعيداً عن كل عائق.

لتشكل سنة الرحمة المقدسة الوشيكة، عبر إدخالنا إلى أعماق القلب الإلهي التي لا تنضب ولا يوجد فيها أي انقسام، فرصة متميزة للجميع لتعزيز الشركة وتحسين الوحدة والتوفيق بين الاختلافات والمسامحة المتبادلة وتخطي كل انقسام، بحيث يسطع نوركم كـ “مدينة على جبل” (مت 5، 14).

هذه الخدمة للوحدة مهمة بشكل خاص لأمتكم الحبيبة التي تفرض مواردها المادية والروحية، الثقافية والسياسية، التاريخية والبشرية، العلمية والتكنولوجية الهائلة، مسؤوليات أخلاقية هامة في عالم مرتبك يجتهد بحثاً عن توازن جديد للسلام والازدهار والاندماج. لذا، يعتبر تقديم خميرة الشركة المتواضعة والقوية للولايات المتحدة الأميركية جزءاً أساسياً من رسالتكم. لتعلم البشرية أن وجود “سر الوحدة” (نور الأمم 1) وسطها هو الضمانة التي ليست معدّة للزوال والتشتت.

هذه الشهادة هي منارة لا تنطفئ. في الواقع، في عتمة الحياة، يحتاج البشر إلى أن يسمحوا لنورها بإرشادكم، ليكونوا واثقين أن هناك مرفأ بانتظارهم، ومتأكدين من أن قواربهم لن تتحطم على الصخور ولن ترزح تحت رحمة الأمواج. بالتالي، أشجعكم على مواجهة قضايا زماننا التي تشكل تحديات. ففي صميم كل منها، تظهر الحياة دوماً كهبة ومسؤولية. ويعتمد مستقبل حرية مجتمعاتنا وكرامتها على الطريقة التي نواجه بها هذه التحديات.

الضحية البريئة للإجهاض، الأطفال الذين يموتون من الجوع أو تحت القذائف، المهاجرون الذين يغرقون بحثاً عن المستقبل، المسنّون أو المرضى الذين يراد التخلص منهم، ضحايا الإرهاب والحروب والعنف والاتجار بالمخدرات، البيئة المدمرة نتيجة علاقة الإنسان المخرِّبة مع الطبيعة، في كل ذلك، تتعرض للخطر هبة الله التي نعتبر نحن مدراءها النبلاء وليس أسيادها. لذا، ليس مسموحاً أن نتهرب أو نسكت. ولا يقل أهمية عن ذلك، إنجيل العائلة الذي سأحظى بفرصة إعلانه معكم ومع الكنيسة جمعاء خلال اليوم العالمي للعائلات الذي سيقام قريباً في فيلادلفيا.

هذه الجوانب من رسالة الكنيسة التي لا يمكن التخلي عنها تنتمي إلى نواة ما نقله الرب. لذلك، يقضي واجبنا بحفظها ونقلها، حتى عندما يصبح روح الزمن مقاوماً ومعادياً لهذه الرسالة (فرح الإنجيل، 34-39). أشجعكم على أن تقدموا شهادة مماثلة بوسائل المحبة وإبداعها، وبتواضع الحقيقة. ينبغي ألا يُبشر بها ويتم إعلانها فحسب، بل أن تغزو أيضاً مساحة في قلوب البشر وضمير المجتمع.

لهذه الغاية، من المهم جداً أن تكون الكنيسة في الولايات المتحدة أيضاً داراً متواضعة تجذب البشر ببهاء النور وحرارة المحبة. إننا كرعاة ندرك جيداً حجم الظلمة والبرد الموجودين في العالم، والوحدة والإهمال اللذين يختبرهما كثيرون – حتى حيث تكثر وسائل الاتصال والثروات المادية –. نرى الخوف من الحياة، وخيبات الأمل وأشكال التهرب المتعددة المرتبطة به.

بالتالي، وحدها الكنيسة التي تستطيع التجمع حول نار الأسرة تكون قادرة على جذب الآخرين. ليس أي نار طبعاً، بل النار التي اشتعلت صباح الفصح. يستمر الرب القائم من بين الأموات في تحدي رعاة الكنيسة من خلال الصوت الخجول للعديد من الإخوة: “أمعكم شيء يؤكل؟”.

من الضروري تمييز صوته كما فعل الرسل على شاطئ بحيرة طبرية (يو 21: 4، 12). الأهم من ذلك هو النمو في الثقة بأن جمرات حضوره المشتعلة في نار الآلام تسبقنا ولا تنطفئ أبداً. وعندما تضعف هذه الثقة، نصبح وكلاء رماد وليس حراساً وموزعين للنور الحقيقي ولهذه الحرارة القادرة على أن تدفئ القلب (لو 24، 32).

قبل اختتام هذه التأملات، اسمحوا لي بأن أقدم لكم أيضاً نصيحتين أعتبرهما مهمتين. تتعلق الأولى بأبوّتكم الأسقفية. كونوا رعاة قريبين من الناس، رعاة قريبين وخداماً.

ليتجلَّ هذا القرب بطريقة خاصة تجاه كهنتكم. رافقوهم لكي يستمروا في خدمة المسيح بقلب لا ينقسم، لأن الكمال وحده هو الذي يملأ خدام المسيح. أرجوكم إذاً، لا تسمحوا لهم بالاكتفاء بأنصاف الحلول. اهتموا بمواردهم الروحية لكي لا يقعوا في إغراء كتاب العدل والبيروقراطيين، بل أن يكونوا تعبيراً عن أمومة الكنيسة التي تنجب أولادها وتربيهم. احرصوا على ألا يملوا من النهوض للاستجابة لمن يقرع الباب خلال الليل، حتى عندما يفكرون بأنه يحق لهم بالراحة (لو 11: 5، 8).

درّبوهم لكي يكونوا مستعدين للتوقف والاعتناء بمن وجد نفسه “بالصدفة” مجرداً من كل ما كان يعتقد أنه يملكه، (لو 10: 29، 37) وسكب الزيت عليه ومساعدته والتفاني من أجله.

تتعلق نصيحتي الثانية بالمهاجرين. إنني أعتذر إذا كنت بطريقة ما أدافع عن قضيتي. الكنيسة في الولايات المتحدة تعرف ككنائس قليلة أخرى آمال قلوب الحجاج. فمنذ البداية، تعلمتم لغتهم ودعمتم قضيتهم ودمجتم إسهاماتهم ودافعتم عن حقوقهم وعززتم سعيهم إلى الازدهار وحافظتم على اشتعال شعلة إيمانهم. اليوم أيضاً، ما من مؤسسة أميركية تقوم أكثر من جماعاتكم المسيحية بمساعدة المهاجرين. والآن، لديكم هذه الموجة الطويلة من الهجرة اللاتينية التي تجتاح عدداً كبيراً من أبرشياتكم.

إنني كراع آت من الجنوب، وليس فقط كأسقف روما، أشعر بالحاجة إلى شكركم وتشجيعكم. ربما لن يكون سهلاً عليكم أن تنظروا إلى أرواحهم، وربما ستشعرون بالتحدي من جراء تنوعهم. مع ذلك، اعلموا أنهم يملكون أيضاً موارد معدّة للمشاركة. استقبلوهم إذاً من دون خوف. وقدموا لهم حرارة محبة المسيح وفكوا رموز أسرار قلوبهم. أنا واثق بأن هؤلاء الناس سيغنون أميركا وكنيستها مجدداً.

ليبارككم الله ولتحفظكم مريم العذراء!

(1) عندما كنت شاباً، كان لدي جناحان قويان لا يتعبان، ولكنني لم أكن أعرف الجبال. وعندما أصبحت عجوزاً، عرفت الجبال، لكن الجناحين المتعبين لم يعودا قادرين على دعم النظر. العبقرية هي حكمة وشباب. (إدغار لي ماسترز، مختارات من Spoon River).

العودة إلى الصفحة الرئيسية

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
هيثم الشاعر
الشتائم تنهال على الممثلة اللبنانية نادين نجي...
غيتا مارون
بعد تداول فيديو كنيسة أوروبيّة تحوّلت إلى مطع...
أليتيا
مقتل كاهن في خلال مساعدته امرأة تتعرّض للسرقة
غيتا مارون
هل دعم البابا فرنسيس حقّ المثليّين في الزواج ...
هيثم الشاعر
تدخّل إلهي في مزار سيدة لبنان - حريصا
لويز ألميراس
وفاة شماس وأول حاكم منطقة من ذوي الاحتياجات ا...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً