Aleteia
الخميس 22 أكتوبر
أخبار

كاهن يروي عن سقوط بلدته بيد داعش

© الأب اعناطيوس أوفي

أليتيا - تم النشر في 07/08/15

7 آب سقوط بلدتي قره قوش (بغديدا) بيد داعش

بغديدا / أليتيا (aleteia.org/ar) – تقع بلدة بغديدا في محافظة نينوى شمال العراق على بعد نحو 32 كم جنوب شرق مدينة الموصل، على الضفة الشرقية لنهر دجلة الذي يشكل مع نهر الخازر المنطقة الجنوبية من سهل نينوى. وتتوسط بغديدا عدة كنائس وعددا من الأديرة التاريخية والتلال والمناطق الأثرية. وتعتبر كذلك مركز قضاء الحمدانية أحد الأقضية الخمسة للمحافظة.

     بمناسبة مرور سنة على تهجيرنا القسري من مناطقنا في سهل نينوى، ونزوحنا إلى إقليم كردستان في شمال العراق وإلى أماكن أخرى من البلد ورحيل الكثيرين منا إلى خارج البلد، نتوقف لنستذكر ونروي ما حدث يومي 6-7 آب 2014.

     فيما كنا نستعد للاحتفال بعيد تجلي ربنا يوم 6 آب 2014، كان داعش وجيراننا من غير المسيحيين ممن علمناهم وطببناهم وأكلوا وشربوا في بيوتنا (أي ممن بيننا وبينهم الزاد والملح) يقصفوننا بقذائف الهاون بين الحين والآخر ويهددونا بالاستيلاء على كل ما نملكه من الممتلكات والأراضي (أراضي آبائنا وأجدادنا) وترحيلنا أو طلبهم ببقائنا في بلدتنا شرط دفع الجزية لهم والبقاء تحت حكمهم الجائر.

     وقبل البدء بالاحتفال بالعيد، نزلنا للكنيسة قبل الساعة 00، 6 صباحا كي نبدأ بصلاة الصباح باللغة السريانية مع ترتيل مزمور أو أكثر مع بعض القراءات الأخرى باللغة العربية. وبدأ القداس الاحتفالي في الساعة 30، 6 صباحا على وقع أصوات القصف المتزايد.

     خرجت من الكنيسة بعد انتهاء الصلاة، وفتحت الفيس بوك، فكتبت حينها بعض ما صليناه في ذلك الصباح:

((إياك نسأل في هذا اليوم على تجليك المجيد بأن تنعم على الأرض وسكانها بالأمان والسلام، وخاصة على بلدنا الجريح. عيد مبارك وكل عام وأنتم بألف خير)).

((صلينا صباحا مع المزمر في المزمور 120: 7 "أنا بالسلم أنادي، وهم بالحرب ينادون")).

     بعد أن الانتهاء من الاحتفال بقداس عيد التجلي بقليل، سمعنا صوت سقوط قذيفة هاون بالقرب من الإكليريكية التي كنت مقيما فيها، وأخدم ككاهن للرعية بالقرب منها وحواليها، فتقصيت عن المكان الذي وقعت عليه قذيفة الهاون وذهبت إليه مسرعا وإذ هو بيت فأصبح كله أشلاء ودماء لطفلين وشابة ولجرحى أيضا وأناس يبكون وآخرون يركضون من الخوف والفزع والهلع وآخرون يغادرون البلدة بعجل.

   فذهبت للمستشفى مع كاهن آخر للاطمئنان على البقية، وعدت إلى الإكليريكية فكتبت على الفيس بوك:

((الشهداء الذين استشهدوا صباح هذا اليوم أي 6 آب 2014 نتيجة وقوع قذيفة هاون على بيتهم هم كل من:

– ديفد أديب الياس شميس 5 سنوات.

– ميلاد مازن الياس شميس 9 سنوات.

– إنعام إيشوع بولص القس إيليا 32 سنة.

طفلة اسمها سارة أصيبت إصابة بالغة وشابة أخرى أصيبت بيدها هي أيضا.

صلوا لأجل الطفلين والشاة الذين استشهدوا صباح هذا اليوم ولأجل المصابين ليشفوا وصلوا لكل أهلنا.

الراحة الأبدية أعطهم يا رب، ونورك الدائم أشرق عليهم.

"حيث قتل الشهداء ومزقت أعضاؤهم، هناك يحل الروح القدس ويسود الأمان في الخراب"

متى يا رب يسود أمانك في القلوب والأوطان؟

متى تنتهي الحرب والدمار والويلات؟

ما ذنب الأبرياء أن يموتوا بهذه الطريقة البشعة؟

متى يا رب تنتهي هذه الفوضى في هذا البلد؟

يا رب إننا نصرخ إليك وقلوبنا حزينة على فقدان أهلنا

يا رب تدخل ليس لدينا سواك

بشفاعة أمك سيدة النجاة.

ما ذنب الطفلين أن يقتلا بهذا الأسلوب البشع؟

أين العالم مما يحد في العراق؟

أين الأمم المتحدة؟

أين المسؤولين الذين يتصارعون على السلطة والكراسي؟)).

     في الساعة 00، 5 عصرا، كانت صلاة الجناز عليهم في كنيسة الطاهرة الكبرى، ومن ثم صلاة الدفن في مقبرة القيامة.

     ومن بعد صلاة الجناز عدت إلى الإكليريكية لأحتفل بقداس عيد التجلي، فبدأت الاحتفال مع 25 مؤمنا ومؤمنة ممن بقوا وحضروا وشاركوا في القداس، فقدمته من أجل السلام والأمان في بلدنا العراق وقلت للحاضرين آنذاك: "إذا طلبوا منا أن نتخلى عن إيماننا المسيحي فلا نضعف ونقبل ونرضخ للواقع، بل لنكن مستعدين إذا اقتضى الأمر أن نقدم شهادة الدم ونموت مسيحيين! ". وبعد أن انتهى القداس وخرجنا من الكنيسة، قال لي أحد الأشخاص: أبونا، ما رأيكم أن نأخذ صورة جماعية؟ فأخذنا الصورة والأحداث تتوالى وتتسارع والناس أكثريتهم يتركون البلدة من جهة ومن جهة أخرى الأكراد الذين كانوا يحموننا يطمئنون بعض قادتنا الدينيين والسياسيين والأمنيين وإلى ساعة متأخرة من ليل 6 آب 2014 أن الوضع مسيطر عليه، وأن لا خطر علينا، وأنهم لا يتركوننا أبدا ومهما حدث -بالرغم من علمنا بسقوط أماكن كثيرة بيد داعش من دون إطلاق رصاصة واحدة حتى- فبدأنا بترك الإكليريكية التي كنا مقيمين فيها واحدا تلو الآخر واتصل بي شخص فقال لي: والدي وأخي في البيت فذهبت وأحضرتهما في وقت متأخر وكذلك أحضرت شخص آخر من بيت آخر، وعند وصولنا إلى دار الكهنة تفاجأنا بوجود عدد كبير من الناس متجمعين أمامه ممن لا يملكون وسيلة نقل لتقلهم وبعضهم كانوا كبار بالعمر ومرضى، فتوقفنا لنرى كيف يمكننا تقديم المساعدة لهم وعدم تركهم لوحدهم في البلدة ؟! فدخلت إلى دار الكهنة، وأخرجت قناني الماء ووزعتها على الناس الذين بقوا ينتظرون سيارة لتقلهم، فأطلقنا النداء للذين كانوا متواجدين هناك: من منكم يستطيع أن يقود حافلات الكنيسة أو يعرف أحدا من السواق ليتصل به أو بأي شخص يمكنه تقديم العون؟ فأبدوا الكثيرين استعداهم وتعاونوا معنا في نقل أكبر عدد ممكن من الناس ممن لم يكن لديهم وسيلة تقلهم من بغديدا إلى عينكاوة في أربيل شمال العراق، وفي الساعة 45: 2 بالضبط رأينا جماعة الحزب الذي كان مقره مقابل دار الكهنة ينسحبون ومن بعدهم جماعة مقر الحراسات في البلدة ، فخرجنا نحن أيضا بعدهم -أي قبل أن يدخل "داعش" إلى البلدة بساعتين أو أكثر بقليل- متوجهين إلى بلدة عينكاوة في طريق مزدحم بالسيارات ووقوف وانتظار طويل لساعات وسلوكنا لطرق ترابية وعرة وخطرة وصلنا إليها سالمين صباح يوم الخميس 8 آب، فلقينا أنفسنا بالشوارع وكأننا كنا في حلم! فكيف بين ليلة وضحاها نفترش العراء ونلتحف السماء في عز الصيف ودرجة الحرارة أكثر من 40 درجة مئوية!

     فعيد التجلي أصبح عندنا عيد الجلاء، وجارنا غير المسيحي هو أول من خاننا فدخل مع داعش واستولوا وسرقوا ونهبوا … لم نكن نعلم أنها ستكون صلاة الصباح الأخيرة لنا هناك، ولم نكن نعلم أيضا أنه سيكون العيد الأخير لنا هناك، ولا صلاة الجناز والدفن الأخيرتين لشهداء عيد الجلاء هناك، ولا القداس الأخير لنا هناك.

     فكم هو مؤلم أن تفرغ مناطقنا من سكانها الأصليين، وكم هو مؤلم أن نتخلى عن كل شيء كنا نملكه، ولكن الأهم هو أن الرب انتشلنا من مضايقينا وأننا حافظنا على إيماننا ولم نخسره أو أجبرنا على ذلك!

     نطلب منكم أن تبقوا متحدين ومتضامنين معنا في الصلاة من أجل السلام والأمان والاستقرار في بلدنا العراق وفي سوريا وفي كل منطقة الشرق الأوسط لا بل في العالم بأسره!

العودة إلى الصفحة الرئيسية

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
priest in Greece
هيثم الشاعر
تركيا تلقي القبض على راهب سرياني أرثوذكسي وال...
هيثم الشاعر
بالفيديو: لحظات صادمة حاول فيها مخرّب نزع صلي...
Igreja em Pearl River tem altar profanado
أليتيا
كاهن وامرأتان يرتكبون أفعالًا مشينة على المذب...
أليتيا
خاص عبر "أليتيا العربيّة"… رسالة رجاء من القد...
هيثم الشاعر
تدخّل إلهي في مزار سيدة لبنان - حريصا
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
JACOB BARNETT
دولوريس ماسوت
قالوا انه لن يُجيد سوى ربط حذائه وها هو اليوم...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً