Aleteia
الأحد 25 أكتوبر
أخبار

رهبة الموت الحقيقية

NZ Defense Force CC

أليتيا - تم النشر في 23/07/15

الخسارة لا تتلاشى مطلقاً

بريطانيا / أليتيا (aleteia.org/ar) – فيما أكتب هذه المقالة، تُحتضر أم زوجتي. فبعد حياة طويلة وحافلة حظيت خلالها بحب أولادها، انحدرت إلى المرحلة التي يعتبر فيها الموت رحمة، لكنها لا تزال تحتضر.

هي الأخيرة بين أهلنا التي سترحل عنا. في البداية، رحل والدي، ومن ثم والد زوجتي، وبعدها أمي، والآن أمها. عندما يكون أهلكم على قيد الحياة، تشعرون بأن هناك دوماً طبقة بينكم وبين العالم. عندما توفي والدي، كوّنت صورة في بالي. فكرت أنني كنت مجتمعاً مع عائلتي في كوخ دافئ وذات إنارة جيدة، ومن ثم وجدت نفسي فجأة مجبراً على الوقوف بدوري وحيداً في الرياح الباردة على الرصيف، وظننت أنني سأقف هناك طالما حييت.

الخسارة لا تتلاشى أبداً. طوال بضع سنوات بعد موت والدي، كنت أرى كتاباً في متجر الكتب وأفكر: "آه، والدي سيحبّه"، وألتقط الكتاب، ومن ثم أقول: "آه، لا، انتظر". عندها، كنت أقف في الممر وأبكي وألاحظ النظرات القلقة التي يرمقني بها الناس الذين كانوا يمرون بقربي بسرعة. ولغاية الآن، بعد مرور 11 عاماً، عندما أرى صورة على فايسبوك لصديق من عمري مع والده، أشعر بحسّ من الخسارة يدفعني إلى التوقف للحظات، أنه ليس من العدل ألا أتمكن من عرض صورة لي ولوالدي وهو يبتسم للكاميرا.

"يظنون أنهم سيعيشون إلى الأبد"، قال صديقي الذي كان ينظر إلى ابنته المراهقة وبعض أصدقائها وهم يتسابقون في اجتياز أحد شوارع شيكاغو الكبيرة، عندما أضيئت إشارة عدم السير، والوصول إلى الرصيف الآخر أمام تدفق السيارات المسرعة عند الضوء الأخضر. أتذكر تلك الأيام عندما كانت الحياة تبدو لامتناهية، لكنني أتذكر أيضاً أنني كنت أدرك أحياناً أنني سأموت.

لدى قراءة قصص عن ملحدين مسنين قالوا أنهم لا يخشون الموت، كنت أفكر أنهم كانوا يكذبون على أنفسهم أو على الكاتب. فلا بد أنهم كانوا يصفّرون قرب المقبرة – أو في المقبرة. لم يكن بإمكانهم أن يواجهوا الموت بسعادة تامة من دون التحلي ببعض الرجاء بحياة أبدية. الآن وقد أصبحت أكبر سناً، أعرف كيف يشعرون. في مرحلة معينة، قد تشعرون بأنكم نجحتم وكسبتم من الحياة كل ما كنتم تتوقعونه.

لربما سأشعر بطريقة مختلفة على فراش الموت، إذا حظيت بواحد، وربما استوعبت كثيراً الإيمان بحياة العالم الآتي بحيث أنني لم أعد أتخيل الموت كنهاية. لكنني أعتقد بأنني أشعر بما شعر به الملحدون. وليس موتي هو الذي يؤرقني.
قبل بضع سنوات، ذكرت للبكر بين ابنينا أنه لما كان موجوداً لو جرت الأمور على نحو مختلف – لو لم أدعُ أمه إلى الغداء بعد القداس في ذلك النهار – ومن ثم سألته عن شعوره حيال المسألة. فقال لي أنه لو لم يكن موجوداً، لما كان أدرك أنه لم يكن موجوداً، وبالتالي لم تزعجه فكرة عدم الوجود.

ولكن، ما أزعجه بشدة كان فكرة احتمال عدم وجود أخيه. في الواقع، لو لم يكن جوناثان موجوداً، لما كان أدرك أن جوناثان لم يكن موجوداً. ولكن، رغم ذلك، شعر بأن عدم وجود جوناثان أمر خاطئ.
حتى ولو كان بإمكاننا أن نواجه بفرح نهاية وجودنا، إلا أننا نشعر بأنه يجب أن يعيش أحباؤنا إلى الأبد. وتبدو فكرة زوالهم من الكون خاطئة. ولا يهمّ إذا كنا نشعر بأنهم أزليون لأننا نحبهم، أو أننا نحبهم لأنهم أزليون. 

رهبة الموت ليست في موتكم بل في موت الآخرين. ومأساة موتكم ناتجة عن فكرة أن أصدقاءكم وعائلتكم يعتبرون أنكم أحد أولئك الذين يجب ألا يموتوا. يشعرون حيالكم كما تشعرون أنتم حيالهم. وبما أنكم ستموتون، يتمنون لكم الأبدية سواء كنتم تأبهون بذلك أم لا. 

هذا كله صحيح لكنه لا يغير الواقع المتمثل في أن الشخص الذي تحبونه في هذه الحياة يكون موجوداً لكنه لا يلبث أن يرحل. شخصياً، لن أتمكن أبداً من شراء كتاب لوالدي. ولا يمكنني أن أعرض صوراً لنا على فايسبوك. ومن جهتها، لن تتمكن زوجتي مجدداً من الاتصال بأمها لإخبارها عن الأولاد وسماع حديثها عن نادي الكتاب الخاص بها وغداء المسنين بعد القداس. هذا سيئ.

أيها الأبناء من كافة الفئات العمرية، أحبوا أهلكم. إننا نتطلع إلى قيامة الأموات وحياة العالم الآتي، لكنهم في هذا العالم يموتون.

بقلم دايفيد ميلز

العودة إلى الصفحة الرئيسية

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
هيثم الشاعر
تدخّل إلهي في مزار سيدة لبنان - حريصا
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
أليتيا
مقتل كاهن في خلال مساعدته امرأة تتعرّض للسرقة
غيتا مارون
بعد تداول فيديو كنيسة أوروبيّة تحوّلت إلى مطع...
هيثم الشاعر
بالفيديو: لحظات صادمة حاول فيها مخرّب نزع صلي...
priest in Greece
هيثم الشاعر
تركيا تلقي القبض على راهب سرياني أرثوذكسي وال...
فيليب كوسلوسكي
الصلاة المفضلة لبادري بيو التي كان من خلالها ...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً