Aleteia
الثلاثاء 27 أكتوبر
روحانية

ما كان قصد الله بإرساله يسوع إلى الأرض كطفل ضعيف؟

Wikimedia Commons

أليتيا - تم النشر في 31/12/14

لربما نحتاج إلى أن نتعلم مجدداً معنى "العائلة"

روما / أليتيا (aleteia.org/ar) – عندما قرّر كلمة الله، الأقنوم الثاني من أقانيم الثالوث المبارك، أن يأتي إلى العالم، اختار أن يولد في عائلة وأن يأتي كطفل ضعيف. ما أروع ذلك!
وما أغربه!

لو كان سألني عن اقتراحاتي (وشكراً أنه لم يفعل ذلك!) حول المجيء الأكثر جلالة في تاريخ الكون بأسره، لكنت اقترحت استراتيجية مختلفة جداً، طريقة لا يستطيع الناس تجاهلها أو نسيانها أبداً، طريقة مهيبة لا بل مبهرجة قليلاً، وعظيمة حقاً! فإن إحدى ميزات القادر على كل شيء هي القدرة على القيام بأي شيء يريده.

ماذا عن المجيء في عربة نارية (فكرة مثيرة جداً، أليس كذلك؟ وبيبلية أيضاً!) محاطاً بجميع الأجواق السماوية؟ ماذا عن مجيء برفقة الكثير من الرعد والبرق، وربما هزة أرضية (غير خطيرة)، ومجيء لامع يلفت انتباه الجميع؟ يبدو التحليق من السماوات نحو مسرح التاريخ البشري مناسباً؛ وقد أثبت فعاليته مع ليبراتشي في لاس فيغاس.

ولكن، إذا اعتبرت التقانة النارية السماوية مبهرجة، فإذاً لماذا لا ينبثق ببساطة (حسناً، وإنما أقله برفقة بعض الأبواق السماوية) عن قدس الأقداس في هيكل أورشليم؟ أو في مقاربة أكثر إتقاناً، لمَ لا يختبئ في قدس الأقداس (الذي هو داره في النهاية!) حتى يأتي اليوم الواحد في العام الذي يُسمح فيه بدخول كبير الكهنة؟ فيقول: مفاجأة!! "أنظروا من وجدت!". 

وإذا كان مصراً على أن يولد حقاً – ما يبدو غير ملائم وغير فعال نوعاً ما – لمَ لم يولد ابناً للامبراطور في روما؟ فإن قصر الأباطرة، على الرغم من أنه يخلو من إمدادات المياه الداخلية، إلا أنه يبقى أكثر راحة من الولادة في المذود الصغير الذي تأكل منه الحيوانات! وإذا كان المقصود من هذا المجيء إلى العالم أن يعرفه الناس، ففي ولادته كابن للامبراطور حسنات كثيرة. 

من الواضح أنه كانت لدى الرب تدابير أخرى. وقد تبيّن أن تدبيره جدير بالذكر سيما وأننا اليوم نفكر به. بعيداً عن المقاربة المغرورة والمثيرة التي كان يمكن لحكمة هذا العالم أن تقترحها، تعلن ظروف ميلاده أي اختياره لأن يكون ضعيفاً وصغيراً عمق محبته على نحو لا يُنسى، ليس فقط لكونه صار واحداً منا (وكما لو أن هذا لم يكن كافياً!)، لا بل أيضاً لأنه أعطانا الكرامة العظمى المتمثلة في القدرة على حمله والاعتناء به. هذا ما نتذكره في عيد الميلاد، ونأمل تذكره يومياً. لكننا غالباً ما نتغاضى عن ميلاده في عائلة – عن الدلالة البعيدة المدى لهذه البادرة الجميلة. لماذا ولد في كنف عائلة؟ كما رأينا، هناك سبل أخرى للولادة، للمجيء إلى العالم.

اختار أن يولد في كنف عائلة لأنه كان معتاداً على ذلك.
تحدر من عائلة. نتحدث عادةً عن العلاقة والحياة الباطنية لأقانيم الثالوث الأقدس من خلال مصطلحات كشركة الأقانيم، وليس كعائلة. وتنجح بعض العبارات اللاهوتية العظيمة، غير الملائمة كسائر العبارات البشرية، في ملامسة جمال هذه الحياة الباطنية السرية – منها مثلاً كلمة perichoresis التي تشير إلى ألفة الأقانيم الإلهية وتعايشهم وتداخلهم وتلازمهم، وتردد صدى الكلمة اليونانية "الرقص"، لكي يتخيل الإنسان رقصة الفرح العظيمة والأبدية للأقانيم الإلهية. مع ذلك، فإن فكرة العائلة كوحدة مانحة ومديمة للحياة، وأساس كل شيء، ليست تعبيراً سيئاً عن شركة المحبة التي يمثلها الثالوث.

وهكذا، نظراً إلى الانتماء إلى عائلة الثالوث الفريدة هذه – الأب المحب للابن، والابن المحب للآب، والروح، الحب بذاته – لا نتفاجأ بأن الكلمة الذي صار الآن جسداً أراد أن يعيش في عائلة بشرية. وبالتالي، حوّل الكرامة الفطرية للعائلة البشرية إلى كرامة أعظم إذ قوّى العائلة البشرية وعظّمها ورفعها لتشارك في حياة العائلة أي الثالوث الباطنية، التي ندعى جميعاً إليها. 

بالطبع، تتحول العائلة المقدسة بمثالي التواضع واللطف المنقطعي النظير اللذين يظهرهما مريم ويوسف بشكل بارز إلى دليل حقيقي وضروري جداً حول كيفية العيش ضمن عائلاتنا. ويتحول مثالهما مع هذا العيد الذي يقدمهما لنا مع حياتهما المتسمة بالتضحية والأمانة من أجل تعليمنا، إلى النور المرشد لحياتنا في عائلاتنا.

أكثر من ذلك، لا يشير عيد العائلة المقدسة فقط إلى بداية فهمنا لماهية العائلة ومشاركتنا في هذه النعمة (أي عائلاتنا الخاصة)؛ ولا يوجه أنظارنا فقط إلى الغاية السامية، إلى الدعوة الكبرى والشرف الأكثر سمواً (أي المشاركة في عائلة الثالوث)، بل يعطينا السبل لصقل السابقة وبلوغ الأخير بإظهار الطبيعة العميقة للكنيسة التي هي عائلة أبناء الله.

من المحزن أن الكنيسة غالباً ما تعتبر كمؤسسة (التي يجب أن تكون موجودة في هذا العالم وتنجز مهامها) وليس أولاً (أو ربما أبداً) كعائلة. نحن ندعو بعضنا البعض إخوة وأخوات. لدينا راهبات كأخوات، ورهبان كإخوة، وكهنة كـ "آباء". وأمنا هي مريم وأبونا هو الله – على الرغم من أن هذه الكلمات تصبح أحياناً مألوفة جداً بحيث ننسى الواقع الذي تعبر عنه – وهو أننا عائلة واحدة: كبيرة، عنيدة أحياناً، متألمة، مبتهجة، لكننا في النهاية عائلة.

لذا، يجب أن أعترف بأن ذكاء الرب في الاختيار بأن يولد وأن يحدث ميلاده ضمن عائلة هو أكثر إثارة وعمقاً من أي تدبير يمكننا أن نتخيله. من خلال عيد العائلة المقدسة الذي يحلّ بعد أيام قليلة من ميلاد المسيح، لا نرى فقط كيف يمكن أن تصبح عائلاتنا باتباعها مثال العائلة المقدسة، ولا نرى فقط عائلة الكنيسة الكبرى التي ننتمي إليها، بل أيضاً الألفة والمجد غير المعقولين اللذين ندعى إليهما لكوننا مدعوين إلى الرقصة الإلهية للعائلة الكبرى أي الثالوث.

العودة إلى الصفحة الرئيسية

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
هيثم الشاعر
الشتائم تنهال على الممثلة اللبنانية نادين نجي...
غيتا مارون
بعد تداول فيديو كنيسة أوروبيّة تحوّلت إلى مطع...
أليتيا
مقتل كاهن في خلال مساعدته امرأة تتعرّض للسرقة
غيتا مارون
هل دعم البابا فرنسيس حقّ المثليّين في الزواج ...
هيثم الشاعر
تدخّل إلهي في مزار سيدة لبنان - حريصا
لويز ألميراس
وفاة شماس وأول حاكم منطقة من ذوي الاحتياجات ا...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً