Aleteia
الإثنين 26 أكتوبر
روحانية

خـواطـر فـي الـحُـرِّيّـة المُـكـرَّسـة (2)

© Jespro

jespro - تم النشر في 25/06/14


* الحُرِّيّة المُكرَّسة والماضي النبويّ
إنّ المقصود بتجاوز الحاضر الضيِّق، هو أن تتذكّر الحُرِّيّةُ المُكرَّسة الماضي، لأنّ الإنسان بدون ماضٍ إنسان بدون أصل؛ لذا، فالذاكرة والهُويّة مُتلازمتان ومُتفاعلتان في الشخص. وما تتذكّره الحُرِّيّةُ هو عمل الله في خَلقه واختياره وعهده وخلاصه، عملِه الجماعيِّ والشخصيّ. وقد صرّح أوغسطينس في هذا الصدد: "إنّ الذاكرة هي لأجل الشكر"، بمعنى أنّ الله يستحقُّ أن تتذكّره الحُرِّيّة البشريّة وأن تشكره على شخصه وجميع أعماله.
وتندرج في هذا السِّياق أمانةُ الحُرِّيّة للمرجعيّات التي تؤسِّسها وتحملها وتشملها، سواء تمثَّلت هذه المرجعيّات في الكنيسة، الرهبانيّات، أو المؤسَّسات… ففيما تنزعج الحُرِّيّة المُعاصرة من تلك المرجعيّات، حِفاظًا منها على استقلاليّتها الذاتيّة، تندمج الحُرِّيّة المُكرَّسة فيها، وتعترف بها، وتُقدِّرها، مهما كانت ضعفاتها وهفواتها ونواقصها، فالحُرِّيّة بِنت المرجعيّات هذه، وفي الوقت نفسه هي مسؤولة عنها، فلا يُمكنها أن تتخلّى عنها، أو تستقلّ عنها، أو تُهملها. فعلامة نُضوج الحُرِّيّة تظهر في علاقتها الفعّالة بمرجعيّاتها واحترامها إيّاها.

إلاّ أنّ تلك الأمانة للمرجعيّات قد تؤدّي إلى نوع من استعباد الحُرِّيّة، وذلك ما نُشاهده في عِدّة فلسفات، منها الفلسفة اليونانيّة التي تضع الإنسان في قبضة الآلهة، والتاريخَ البشريّ في دائرة تدور وتعود وتتكرّر، وبالتالي "لا جديد تحت الشمس"؛ وعليه، فالنفس البشريّة عند موت الجسد تعود فتتجسّد في جسد آخر، في عمليّة التناسخ؛ ومن ثمّ يفقد الإنسان حُرِّيّته مكانيًّا وزمانيًّا. ومن بين الفلسفات التي تستعبد الحُرِّيّة، الأُصوليّة الدِّينيّة التي تُؤلِّه الماضي وتعتبره ’العصر الذهبيّ‘ الوحيد الذي لا بُدّ من العودة إليه والتمسُّك به والحِفاظ عليه والتمثُّل به، ما يُفقد الإنسانَ مُمارسة حُرِّيّته.

لذلك، لا تعني الأمانة إطلاقًا عُبوديّة الحُرِّيّة لها، أو مُحاكاة الماضي، أو تِكرار نموذجه، بل الأمانة، كي لا تتعارض والحُرِّيّة، تقترن شرطًا بالإبداع، ذلك بأنّ الحُرِّيّة هي، في طبيعتها، مُبدعةٌ، مُبتكرة، خلاّقة. وذلك تحديدًا معنى ’التقليد الكنسيّ‘، فهو عمليّة ’تسلُّم وتسليم‘: يتسلّم جيل من السابق وديعةً ما (لا سيّما ’وديعة الإيمان‘)، وتُسلِّمها إلى الجيل اللاحق، وقد تركت على الوديعة بصمة جيلها، بحيث تتوارث الأجيال الوديعة مُجدَّدةً، لا في جوهرها ولا في مضمونها – فالجوهر والمضمون ثابتان، لا يطرأ عليهما أيُّ تغيير – بل في عِباراتهما وشكلهما وأُسلوبهما. ذلك الإبداع، على خلفيّة الأمانة، قد لقّبه الفيلسوف المسيحيُّ المُعاصر بول ريكور (Paul Ricœur) "المُبادرة الحُرّة". فتتميّز الحُرِّيّة المُكرَّسة بتِلك السِّمة في علاقتها بالماضي الإلهيِّ والتقليد الكنسيّ، وبتذكُّرها أعمالَ الله وبشُكرها إيّاه عليها.
* الخاتمة
إنّ الحُرِّيّة المُكرَّسة تُحافظ على توازن الأوقات الزمنيّة الثلاثة، من مُنطلق بُعدها النبويّ. فتنطلق من مرجعيّتها المُطلقة، ألا وهي وقتها الزمنيُّ الإسكاتولوجيُّ المُستقبليّ؛ إلاّ أنّ ذلك الوقت يتجسّد في الحاضر حتّى لا يفقد من وقعه وواقعه، ومن قيمته وحقيقته ومِصداقيّته وأثره؛ إلاّ أنّ الوقت الحاضر بدوره يتأسّس على الماضي حتّى لا يستعبد أصحابه، ذلك الماضي الذي هو أمانة مُبدعة حتّى لا يقع في حِبال استعباد آخر وهو الأُصوليّة أو الدائرة المُفرغة.

نشر هذا المقال على موقع الرهبانية اليسوعية في الشرق الأرسط (Jespro) بقلم الأب فاضل سيداروس اليسوعيّ

العودة إلى الصفحة الرئيسية

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
  • 6
ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
أليتيا
مقتل كاهن في خلال مساعدته امرأة تتعرّض للسرقة
هيثم الشاعر
تدخّل إلهي في مزار سيدة لبنان - حريصا
غيتا مارون
بعد تداول فيديو كنيسة أوروبيّة تحوّلت إلى مطع...
غيتا مارون
هل دعم البابا فرنسيس حقّ المثليّين في الزواج ...
ST RITA ; CATHOLIC PRAYER
أليتيا
صلاة رائعة إلى القديسة ريتا
لويز ألميراس
وفاة شماس وأول حاكم منطقة من ذوي الاحتياجات ا...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً